الموهبة…
حين تكون استخراجاً لا اكتساباً
الموهبة ليست تعلُّمًا… بل تذكُّر
تمهيد (مقدمة): أولى خطواتي في الرسم
في السابعة عشرة من عمري، جلستُ مع فنان تشكيلي، أستمع إليه وهو يشرح لي مدارس الرسم، والمعاني المختبئة خلف كل لوحة.
كنت مميزًا في حصة الرسم، لكني في تلك الجلسة شعرت وكأنني لم أرسم شيئاً من قبل. لم تكن دهشة إعجاب… بل دهشة اكتشاف.
تلك الليلة لم أنم.
كانت ضربات الفرشاة تطاردني، والألوان تعيد ترتيب ذاكرتي. وبعد أيام بدأت الرسم فعليًا، بلا رهبة ولا شعور بالبداية، وكأنني أعود إلى شيء أعرفه منذ زمن بعيد.
حين عاد الفنان ورأى ما أنجزت، قال جملة واحدة ما زالت تسكنني حتى اليوم:
«هذه عبقرية» .. هذه الكلمة لم تهز شعرة بداخلي لاصاب بالغرور .. بل كانت كمصباح اشتعل فجأة في الظلام.
لم تكن بدايتي من الصفر، ولم أشعر أنني أتعلم شيئًا جديدًا بقدر ما كنت أستخرج شيئًا قديمًا.
هناك أدركت أن السؤال ليس: كيف نتعلم؟
بل: هل الموهبة تُكتسب… أم تُكتشف؟
ذلك السؤال ظل يسكنني سنوات.. هل ما حدث معي كان استثناءً، أم أن كل إنسان يحمل في داخله كنزاً لا يعرف؟
بحثت في قصص الآخرين، وفي النصوص القديمة، وفي أسرار الخلق نفسها.
فوجدت أن الإجابة ليست في تجربتي وحدها، وخلاصة الاجابة حصرتها في ثلاثة أدلة تشرح هذه الظاهرة:
دليل من الغيب، ودليل من الواقع، ودليل من التقنية.
أولاً: آدم.. أبو الموهبة المخزونة
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
“الأسماء” في اللغة العربية ليست مجرد تسميات. الاسم هو مفتاح المعلومة، بل هو ماهية الشيء وحقيقته.
آدم عليه السلام لم يُعلَّم ألف كلمة، بل عُلِّم حقائق الأشياء كلها دفعة واحدة.
وهل يليق برب الكون سبحانه أن يُعلم آدم عليه السلام هذا التعليم العظيم، ثم يترك خلقه فراغاً لا يعرفون شيئاً؟
نحن ابناء آدم ورثنا عنه القابلية، ورثنا المخزون، لكن الفرق بيننا وبينه أن سيدنا آدم استخرج معرفته دفعة واحدة، ونحن نستخرجها بالتدريج، على قدر حاجتنا، وبيئتنا، ومن يوقظنا من غفلتنا.
ثانياً: جراح الدماغ.. من أين جاءت عبقريته؟
تأمل معي هذا المثال.
أعظم جراحي الدماغ في العالم، أولئك الذين يجرون عمليات مستعصية، ويحققون نسب نجاح خارقة، ويراهم زملاؤهم ظاهرة لا مجرد مهارة.
هل كان أحدهم في طفولته يهوى شق الجماجم؟ هل كان يمارس الجراحة على الدمى؟
بالطبع لا. هذا مستحيل منطقياً وأخلاقياً.
إذن من أين أتت هذه العبقرية؟
الفرق بين الجراح البارع وزملائه ليس كمية الكتب التي قرأها، ولا ساعات التدريب فقط. بل هناك بصيرة مهنية، حس، قرار في جزء من الثانية، فهم لا يُعلَّم.. هذا الفهم كان كامناً في داخله، والممارسة لم تصنعه، بل استخرجته.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي.. النظير التقني
دعني آخذك إلى مثال معاصر قد يشرح الفكرة بوضوح أكبر.
الذكاء الاصطناعي، مثلا يمتلك مخزوناً هائلاً من المعلومات. لقد تدرب على مئات المليارات من الكلمات، ويستطيع الإجابة في آلاف التخصصات.
لكن تخيل أن يأتي شخص ويقول: فَرِّغ لي كل ما تعرفه في ملف واحد.
هل يستطيع؟
بالتأكيد لا. فهذا مستحيل. ليس لأنه لا يملك المعلومات، بل لأن استدعاء كل شيء دفعة واحدة غير ممكن، وغير مفيد، وغير مطلوب.
لكن عندما يقول له: “اكتب لي قصة او موضوع او يوجه له سؤال معين، هنا يستطيع. لماذا؟ لأن السؤال المحدد هو الذي يستخرج المعلومات المناسبة من ذلك المخزون الهائل.
الإنسان مثله تماماً.
لديه مخزون هائل من المعرفة والاستعدادات، لكنه لا يستطيع استدعاءها كلها دفعة واحدة. يحتاج إلى سؤال، حاجة، دافع، بيئة محفزة، معلّم يوقظ ما فيه.
رابعاً: أنت… أيها الإنسان المخزون
- إذا كنت تملك في داخلك ما يجعلك جراحاً بارعاً، لكنك لم تصادف الطب، ستمضي العمر ولا تدري.
وإذا كنت تملك مصوراً عبقرياً لكنك لم تبحث عن عينك، ستفني عمرك تلتقط صوراً جميلة… لكنها لن تكون لوحات.
الموهبة لا تُخلق من العدم. الموهبة تُستخرج من العمق.
وهذا يفسر لنا ظواهر كثيرة:
- ناس يبدعون في الأربعين او الخمسين في مجال لم يمارسوه من قبل.
- ناس يكتشفون مواهبهم بالصدفة، فينطلقون.
- ناس يظلون عاديين سنين، ثم يهبّ فيهم شيء فيتغيرون.
الموهبة لم تأتهم متأخرة.
الموهبة كانت موجودة، لكن السؤال المناسب لم يأتِ إلا متأخراً.
خامساً: الخلاصة.. ومهمة المربّي
إذن، ما دور التعليم؟ وما دور المربي؟
إذا كانت المعرفة مخزونة، فليس دور المربي أن يغرس، بل أن يُنقِّب.
ليس دورك كمعلم أن تملأ وعاء فارغاً، بل أن توقظ ما هو نائم، وأن تستخرج ما هو مدفون، وأن تساعد طالبك على أن يسأل نفسه السؤال الصحيح.
أن تتعلم شيئاً عن كل شيء: مثقف.
وأن تتعلم كل شيء عن شيء واحد: عالم.
لكن أن تكتشف ما في داخلك قبل أن تتعلم: هذه بداية الإبداع.
همسة أخيرة
لا تسأل: “كيف أصبح مبدعاً؟”
بل اسأل: “ما الذي ينتظرني في داخلي كي يخرج؟”
ثم ابحث عن سؤالك الكبير، ذلك السؤال الذي سيكون بمثابة أداة الحفر في منجم ذاتك.
فأنت تملك أكثر مما تتصور.
التغيير ليس خياراً
بل شرط عبور
وقد اشار الله سبحانه وتعالى لذلك في كتابه العزيز قوله تعالى ﴿كُلٌّ مُّيَسَّرٌ لِّمَا خُلِقَ لَهُ﴾ [الليل: 7
قبل أيام نشرت مقال (الموهبة التي لا تعرف أنك تملكها) موجّهًا للمصور.
واليوم أنشر هذا المقال بوصفه الجذر الفكري للفكرة.
الأول تطبيق… والثاني تأصيل.
معًا يكتمل المعنى.
يحيى مساد
@followers


