دمشق التي رأيت (1)
سالم القحطاني
باحة الجامع الأموي في العاصمة السورية دمشق (الجزيرة)
عدت البارحة من الشام، عدت وكأني ما عدت، فحالي كحال جعفر بن علبة الحارثي حين قال:
هواي مع الركب اليمانين مصعد .. جنيب، وجثماني بمكة موثق
فالجثمان -وهو يطلق على الحي والميت- في الدوحة، لكن القلب والهوى ما زالا عالقين في ربوع الشام، وآية ذلك أن أول ليلة قضيتها في الدوحة رأيت فيها رؤيا أني ما زلت في الشام، أزور جامعا من جوامعها العتيقة.
عرفت الشام أول ما عرفتها من تغني الشعراء والأدباء بها، كالشيخ علي الطنطاوي في كتابه اللطيف “دمشق: صور من جمالها، وعبر من نضالها”، وهو الكتاب الذي كان رفيقي في الطائرة. كنت قد اقتنيته من “مكتبة التدمرية” قبل أكثر من خمس عشرة سنة، ولم أنزع عنه الغلاف للقراءة إلا في دمشق، فانظر إلى هذه المصادفة والموافقة العجيبة بين اسم المكتبة والكتاب والمكان.
لقد تربينا منذ الصغر على حب الشام وتعظيمها، لكثرة ما ورد فيها من آيات وأحاديث وآثار، جعلت ما لا يقل عن عشرة آلاف صحابي يدخلون الشام، كما يقول الوليد بن مسلم: “دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم” [أخرجه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” (1/327)].
منهم من مات فيها، ومنهم من مات خارجها، وما كان لهؤلاء الصحابة الكرام أن يتركوا مكة والمدينة- على فضلهما- عبثا، لولا أنهم عرفوا عظمتها وبركتها.
أكتب لكم هذه المقالة من مكتبتي، واضعا جهازي على المكتب، وسط كومة من الكتب يمينا وشمالا. فعلى يمين جهازي الآن أرى فوق الطاولة كتبا لابن رجب، والنووي، وابن العطار، وابن تيمية، وكلهم دماشقة، وعلى يسار جهازي كتاب “ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام” لسلطان العلماء العز بن عبد السلام، قدرا لا عمدا. فأطياف الشام ودمشق تحيط بطالب العلم في كل مكان وزمان، فنصف تراثنا الإسلامي شامي.
ولا أريد أن أطيل المقدمة، لعلمي أن القارئ متشوق لمعرفة ما رأيت وسمعت في دمشق، ولأن “فضائل الشام” لا تخفى عليكم فلا حاجة في ذكرها، لكني أجد نفسي مضطرا أن أذكر للقارئ معلومة قد تكون خافية عليه، وهو أن دمشق بخصوصها قد ورد ذكرها في القرآن.
إعلان
• ففي قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} [سورة المؤمنون: 50]، قال جماعة من السلف: إن الربوة هي دمشق.
• وفي قوله تعالى: {والتين والزيتون} [سورة التين: 1]، قيل إن التين هو مسجد دمشق، أو الجبل الذي عليه دمشق، وهذا رأي عند المفسرين.
• وفي قوله تعالى: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} [سورة الفجر: 8]، قال بشر الحافي: هي دمشق.
وأشهد أن دمشق لم يخلق مثلها في البلاد، أقول لك هذا بعد أن كتب الله لي زيارة خمسين دولة في الشرق والغرب، لكن ما عشته وذقته في دمشق لم أجده في أي بلدة أخرى، ولا أظن أني سأجد.
أهدانا سعادته كتابا بديعا أنيقا من مطبوعات وزارة الثقافة، مقدم من الوزارة إلى أهل الشام، بمناسبة كون قطر ضيف الشرف في “معرض الكتاب”، وهو بعنوان: “نفحات الياسمين: من ورود الشام التي لم تذبل”
وإليكم التفاصيل يا كرام..
في الليلة التي صبيحتها السفر إلى دمشق لم أستطع النوم، كنت أتقلب يمينا وشمالا فرحا وشوقا، تماما كالطفل الذي وعده أبواه هدية جميلة في الصباح شريطة أن ينام مبكرا في الليل، فهل سينام؟
جاهدت نفسي حتى نمت، ثم استيقظت، وحزمت أمتعتي، ووضعت كتاب الطنطاوي “دمشق” في حقيبة الظهر، وتوجهت إلى مطار حمد الدولي، هذا المطار الذي دخلته مئات المرات على مدار سنين، لكني في هذه المرة كنت كأنما أدخله أول مرة. كل شيء في هذه “الرحلة الشامية” كان مباركا ومختلفا، لبركة الشام التي قال الله فيها: {الذي باركنا حوله} [سورة الإسراء: 1]، وهذه البركة لمستها منذ أن خرجت من بيتي وإلى أن رجعت.
صعدت الطائرة، وكنت في رفقة جمع مبارك، ونخبة من طلاب العلم والمعرفة والثقافة، ويقدر الله أن نلتقي في الطائرة بسعادة وزير الثقافة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني، فسلمنا عليه وغمرنا بلطفه وحديثه الذي لم يخل- كعادته- من الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح، فهو ممن يتكلم شعرا لكثرة محفوظاته الشعرية. وقد استشهد ببيتين للشاعر “صريع الغواني”، طربت لهما جدا لموافقتهما مقتضى الحال والمقام، لأن البلاغة هي الكلام الموافق للحال، وهما قوله:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة .. نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها .. أهلا بأهل وجيرانا بجيران
ثم أهدانا سعادته كتابا بديعا أنيقا من مطبوعات وزارة الثقافة، مقدم من الوزارة إلى أهل الشام، بمناسبة كون قطر ضيف الشرف في “معرض الكتاب”، وهو بعنوان: “نفحات الياسمين: من ورود الشام التي لم تذبل”، في طبعة فاخرة مزودة بالصور الجميلة. لكن مضمون الكتاب -على خلاف ما قد يبدو لك من عنوانه وجمال ألوانه- مؤلم، فهو عبارة عن مقابلات شخصية مع مجموعة من المعتقلين الناجين، وهو ملف تذوب له القلوب هما وكمدا.
أول ما وقعت عيني عليه هو منظر الثلوج البديع على قمة رأس جبل الشيخ، أعلى جبل في بلاد الشام، الذي كان السلف يسمونه “جبل الثلج” كما في “تاريخ دمشق”، وبذلك سماه حسان بن ثابت في شعره
اليوم الأول:
هبطنا في مطار دمشق، لتبدأ رحلة من أكثر الرحلات تأثيرا علي، لأنها رحلة الأحلام، وأول ما هبطنا رأينا وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، الذي عرفناه بشعره، ومن برامجه الأدبية واللغوية التي كان يقدمها على قناة الجزيرة، منها “تأملات” و”مرآة الصحافة” و”المرصد”، والأول أكثرها انتشارا. ومن لطيف ما علق بذهني من شعره قوله:
إعلان
من ألف جيل والنجوم تدلنا .. لكننا لم نمتدح غير القمر!
من قصيدة رائية جميلة مدح بها قطر وأميرها وأهلها، ثم دارت به الدنيا، ليسقط النظام المجرم، ويصير الشاعر والأديب وزيرا للثقافة، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وصلنا إلى مطار دمشق، ومنه توجهنا إلى الفندق، في رفقة سائق سوري لطيف اسمه آدم، كان من جملة آلاف السوريين الذين عادوا إلى بلادهم من تركيا بعد سقوط النظام.
في الطريق كانت عيني متسمرة على الشارع والناس، أريد أن أتأمل كل شيء: السيارات، الأبنية، الأرض الممتدة، الشجر والبشر، أريد أن أرتوي من هذه المدينة التي قيل إنها أقدم مدينة في العالم، كما قال نزار:
والدهر يبدأ من دمشق! وعندها .. تبقى اللغات وتحفظ الأنساب
أول ما وقعت عيني عليه هو منظر الثلوج البديع على قمة رأس جبل الشيخ، أعلى جبل في بلاد الشام، الذي كان السلف يسمونه “جبل الثلج” كما في “تاريخ دمشق”، وبذلك سماه حسان بن ثابت في شعره.
وقد أعجبني وصف العزيزي له في “المسالك” (ص 67) بقوله: “وهو مطل عليها، والثلج على رأسه كالعمامة، لا يعدم منه صيفا ولا شتاء”. وهو جبل مقدس عند أهل الكتاب وغيرهم، مذكور في التوراة، وله شأن عظيم دينيا وسياسيا وتاريخيا وعسكريا وسياحيا.
وأما سبب تسميته بـ”جبل الشيخ”، فيذكر محمد كرد علي في “مجلة المقتبس” أن “شيخا من زعماء الطائفة الدرزية سكن مغارة في سفحه الغربي في القرن السادس للهجرة، وتسمى مغارته الآن مغارة العباد، وأقام هناك مع قومه السنين الطوال، وبعض الإفرنج يعللون هذه التسمية ببياض الثلج الذي على قمته ويشبه رأس شيخ أشيب” (65/32).
وهو جبل تتقاسمه سوريا ولبنان والعدو الصهيوني، وقد سيطر الصهاينة مؤخرا على أجزاء منه في 9 ديسمبر/كانون الأول 2024؛ بحجة جعله منطقة عازلة، وذلك بعد سقوط النظام البائد، كما يسيطر الصهاينة على الجزء الجنوبي الغربي منه ضمن هضبة الجولان المحتلة. ولمن أراد التوسع فليرجع إلى مقالة الطنطاوي عنه بعنوان: “على سفوح جبل الشيخ”، من كتابه “دمشق” (ص 177).
ورأيت في وسط الشارع الخيول الدمشقية يختال على ظهرها الشاميون، منظر أعادني إلى عمق التاريخ، وللخيول في دمشق شأن عظيم، أليس قد قال نزار:
والخيل تبدأ من دمشق مسارها .. وتشد للفتح الكبير ركاب
ومضينا حتى دخلنا حي “الميدان”، هذا الحي العريق الذي بناه الأمويون في عهد الوليد، وأهل هذا الحي معروفون بالعلم والشجاعة، ولطالما أذاقوا الفرنسيين الأمرين، ولذلك قصفه الفرنسيون مرارا وانتقاما.
ومن هذا الحي العظيم خرج كبار العلماء الذين تتلمذنا عليهم وعلى كتبهم، كالشيخ محمد بهجة البيطار، وزهير الشاويش، وشيخنا محمد كريم راجح، ومحمد الصباغ، وعبد القادر الأرناؤوط، وعدنان زرزور، وغيرهم كثيرون. ومنهم أسر علمية شهيرة كآل حبنكة، والرفاعي، وعابدين، وسكر، وغيرهم.
مع الدمار الرهيب الذي خلفه النظام البائد في البلد، فإني لاحظت أن الشام نظيفة. نعم هي مدمرة وقديمة ومخربة، لكنها نظيفة، فلا تجد النفايات متراكمة في الشوارع، ولا تجد الروائح القبيحة في أزقتها
وللشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن حبنكة الميداني مكانة خاصة في نفسي من دون سائر الميدانيين، لانتفاعي بمؤلفاته الثمينة.
وكي يستوعب القارئ عراقة هذا الحي، فليعلم أن هناك كتبا مفردة تتناول هذا الحي فقط، فهذه المستشرقة الفرنسية بريجيت مارينو قد أفردت كتابا في حي الميدان بعنوان: “حي الميدان في العصر العثماني”، صدر مترجما إلى العربية عن دار “المدى” سنة 2002، تناولت فيه تطور الحي، وحاراته، ومساجده، وأزقته، بالإضافة إلى دور عائلاته العريقة.
وهكذا يا كرام، تحت كل حجارة في هذا البلد تاريخ وحكاية.
ثم مضينا حتى دخلنا “كفر سوسة” العريق، الذي فيه جامع بني في عهد عمر، رضي الله عنه، ومن هذه المنطقة خرجت أولى المظاهرات على النظام الغاشم في مارس/آذار 2011م، فخرجت الجموع من جامع “الشيخ عبد الكريم الرفاعي”، الذي كان يؤمه الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي، تضامنا مع أهل درعا.
وقد دارت الدنيا دورتها، ليصبح الشيخ أسامة بعد سنين من القهر والنفي والعذاب والغربة مفتيا لجمهورية سوريا الحرة الجديدة، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثم مضينا حتى دخلنا حي “أبو رمانة”، وهو اسم ظريف كما ترى، وبعد البحث وجدتهم يقولون إنه سمي بذلك لضريح “أبو رمانة”، الذي قيل إنه كان أحد الأولياء الصالحين دون معرفة اسمه، فأطلق الناس عليه اسم “أبو رمانة” لوجود شجرة رمان تظلل قبره.
ولا ندري مدى صحة هذا الكلام، لكن الذي أعرفه وذقته هو الرمان الدمشقي، كان غاية في اللذة.
وفي “أبو رمانة” قطعنا “شارع بريطانيا”، الذي سمي بذلك بعد تدخل الجيش البريطاني لوقف العدوان الفرنسي على دمشق عام 1945، وفي عام 1946 غيرت التسمية إلى “شارع الجلاء” بمناسبة جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، وهو يوم عظيم مشهود عند السوريين. ومع ذلك سمعت شيخنا محمد كريم راجح يقول: “لقد شهدت يوم جلاء الفرنسيين، وإن فرحي بسقوط النظام أعظم من ذلك!”. واقرأ ماذا قال الطنطاوي عن هذا الجلاء تحت عنوان: “الجلاء عن دمشق” في كتابه “دمشق” (ص 111).
وفي حي “أبو رمانة” حديقة الشاعر والفيلسوف العربي أبي العلاء المعري، وفي وسطها يقف تمثال “رهين المحبسين”، الذي نحته الفنان محمد قباوة، وذلك وسط حديقة في ساحة الروضة.
وفي الطريق لفتت انتباهي كثرة الإعلانات في الشارع التي تدعو وتعلن عن إقامة معرض دمشق للكتاب، وهو المعرض الأول بعد التحرير.
ولفتت انتباهي أيضا كثرة الملصقات التعبيرية على ظهور السيارات، التي تتضمن حكما وأقوالا لا تخلو من ظرافة وغرابة، وهو ما أسميه “أدب الملصقات”. فأحدهم كتب: “أنا مغرور، ليش أنت مقهور؟”، وآخر وضع صورة صدام حسين وهو يلوح بأصبعه وكتب: “لا تثق بأحد”. وهي ظاهرة كانت موجودة عندنا في قطر، مثل عبارة “ما يهزك ريح” وأخواتها، ثم اندثرت.
ومع الدمار الرهيب الذي خلفه النظام البائد في البلد، فإني لاحظت أن الشام نظيفة. نعم هي مدمرة وقديمة ومخربة، لكنها نظيفة، فلا تجد النفايات متراكمة في الشوارع، ولا تجد الروائح القبيحة في أزقتها. وهذه ملاحظة وافقني عليها الرفاق، لا سيما بعد أن تعمقنا في نواحيها، فلا غرابة حينئذ أن يقول الطنطاوي عنها: “ومدينتهم من أنظف المدن، لتدفق مائها وكثرة أنهارها ووصولها إلى الأحياء كلها”، وقال أيضا: “والشاميون مولعون بالنظافة والطهارة” (دمشق، ص 21).
ولم يطل بنا الأمر حتى وصلنا إلى فندقنا المطل على معالم رئيسية، كنهر بردى الذي قال فيه أمير الشعراء:
سلام من صبا بردى أرق .. ودمع لا يكفكف يا دمشق
في مطلع قصيدة فيها البيت المشهور الثائر، الذي أنشده الشهيد، يحيى السنوار، رحمه الله، وهو قوله:
وللحرية الحمراء باب .. بكل يد مضرجة يدق
لما حل المساء ذهبنا إلى “بيت الوالي” في “باب توما”، وهو بيت دمشقي عثماني فخم، ومهما وصفت جماله وأرفقت لكم صوره، وأحلتكم على مقاطع مرئية لتشاهدوه، فلن تدركوا ما فيه من جمال وجلال حتى تدخلوه
ويطل فندقنا كذلك على جامع “التكية السليمانية”، الذي بناه سليمان العظيم، السلطان العثماني القانوني، عام 1553، وفيه قبر السلطان وحيد الدين محمد السادس، آخر سلاطين الدولة العثمانية.
وقد غادر إسطنبول إلى أوروبا بعد إلغاء السلطنة عام 1922، وتوفي في “سان ريمو” في إيطاليا عام 1926، ودفن في دمشق بناء على وصيته، ولرفض الحكومة التركية آنذاك نقل جثمانه إلى إسطنبول، ليكون “وحيد” هو السلطان “الوحيد” الذي دفن وحيدا وبعيدا عن إخوانه السلاطين في تركيا.
دخلت إلى غرفتي، وبعد دقائق جاء القيم علينا بضيافة شامية من حلويات وفواكه الشام، وضعها على الطاولة ثم انصرف، فأخذت كتاب الطنطاوي “دمشق”، فوجدته قدرا يقول- رحمه الله- في ص 22:
“وفي دمشق النعيم المقيم، وليست تخلو من ثمر قط لا في الصيف ولا في الشتاء، أما جودة ثمارها فأشهر من أن تذكر…”.
فتحت نافذتي، ورأيت أمامي جبل قاسيون شامخا مشرفا على دمشق وأهلها، ولا أدري ماذا أقول عن هذا الجبل وماذا أترك، لكن لعلك ترجع إلى كتاب “جبل قاسيون” لمحمد أحمد دهمان، فالمقام هنا يضيق.
وقد ذاع صيت هذا الجبل في العالم العربي بعد أن صعده صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع أخيه الرئيس أحمد الشرع، في الأيام الأولى بعد تحرير البلاد والعباد، وستبقى هذه الصورة التي التقطت لهما على قمة جبل قاسيون خالدة في ذاكرة الأجيال
•
ولما حل المساء ذهبنا إلى “بيت الوالي” في “باب توما”، وهو بيت دمشقي عثماني فخم، ومهما وصفت جماله وأرفقت لكم صوره، وأحلتكم على مقاطع مرئية لتشاهدوا روعته، فلن تدركوا ما فيه من جمال وجلال حتى تدخلوه.
وهو اليوم فندق ومطعم، وتناولنا فيه عشاء شاميا، وتذكرت قول الطنطاوي في كتابه “دمشق” (ص 22): “وأما ألوان الطعام في الشام فلا يضاهيها شيء في غيرها”.
بعد العشاء صعدت إلى سطح “بيت الوالي” المطل من شرفته البديعة على بيوت دمشق القديمة الساكنة الضاربة في أعماق التاريخ، وأخذت أتأملها، وحضرني قول نزار في بيوت دمشق:
ورأيت منزلنا القديم وحجرة .. كانت بها أمي تمد وسادي
أكثر ما أعجبني في الدماشقة هو لطفهم مع الغريب وأدبهم، فلم يحد النظر أحد إلينا، ولم يزعجنا أحد، ولم يوقفنا أحد، مع أنه لا يخفى على أحد من النظرة الأولى أننا غرباء
وبعد العشاء تجولنا في دمشق القديمة، ودخلنا حي “باب توما”، حيث أحد أبواب دمشق القديمة، نسبة إلى القديس توما، أحد رسل المسيح الاثني عشر، وذلك ما قرأته على لوحة حكومية على جدرانه، وتؤكده كتب التاريخ التي رجعت لها.
ولما فتح الصحابة دمشق تفرق القادة على أبوابها، وكان “باب توما” من نصيب عمرو بن العاص، رضي الله عنه، فنزلها، كما ذكره المؤرخون كالواقدي في “فتوح الشام” (1/63).
ومضينا مشيا على الأقدام حتى وصلنا إلى “الجامع الأموي”، الذي أفرده الطنطاوي بكتاب، ولم ندخله وقتها لأنه كان مغلقا بعد صلاة العشاء، ثم مضينا حتى دخلنا “سوق الحميدية”، وهو أجل أسواق الشرق على الإطلاق، ودرة المتاجر العربية. بناه السلطان عبد الحميد الأول عام 1780، ويقول عبد القادر الجيلاني في “مجلة الحقائق” (21/16): “سوق الحميدية عروس دمشق وأجل أسواقها”، وقال عنه الطنطاوي في “الذكريات” (1/30): “سارت بذكره الركبان”. كان السوق متزينا بأعلام سوريا الجديدة، وبعلم التوحيد الأبيض، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وأكثر ما أعجبني في الدماشقة هو لطفهم مع الغريب وأدبهم، فلم يحد النظر أحد إلينا، ولم يزعجنا أحد، ولم يوقفنا أحد، مع أنه لا يخفى على أحد من النظرة الأولى أننا غرباء. وفي هذا يقول الطنطاوي: “والدمشقيون أكرم الناس وأشدهم عطفا على الغريب وحبا له، فهم يؤثرونه على الأهل والولد”.
ومضينا مشيا على الأقدام، وما أجمل المشي في دمشق، فرأينا أمامنا “محطة القطار الحجازية” العريقة، فاختلطت في نفسي مشاعر الحسرة والفرح على هذا المشروع العظيم الذي أطلقه السلطان عبد الحميد الثاني.
كان هذا الخط الحديدي الحجازي يصل بين بلاد الشام والمدينة المنورة انطلاقا من دمشق، وتوقف العمل به منذ عام 1917 في الحرب العالمية الأولى بسبب خيانات بعض العرب والفتن والجهل. وما زالت تقف أمام المحطة مقطورة القطار الحجازي، حزينة وحيدة شاهدة على الخيانة ولؤم الإنجليز.
وقفت عنده أتلمسه بيدي، فرأيت مكتوبا على القطار بالخط العربي القديم: “الخط الحديدي الحجازي”، وبجانبه لوحة أخرى كتب عليها اسم الشركة الألمانية المصنعة (Arnola Jung)، ثم سنة الصنع (1908)، وأنه صنع في وادي “يونغنتال” قرب “كيرشن” على نهر “زيغ” في ألمانيا.
هكذا مضى يومنا الأول في “الرحلة الشامية”، وتبعه يومان يأتي الحديث عنهما في جزء تالٍ متمم للمقالة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
•
*سالم القحطاني
باحث وكاتب في التراث الإسلامي
****************
– المصادر:
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


