سعد العبيّد… حين يرسم اللون جماليات الوطن
د. عصام عسيري
ليس الحديث عن الفنان التشكيلي الراحل سعد العبيّد (1945–2020م) استعادةً لسيرة فردٍ مبدع فحسب، بل هو استدعاءٌ لذاكرة جمالية كاملة، تشكّلت مع تشكّل الحركة التشكيلية السعودية، ونضجت مع نضج وعيها البصري، وارتبطت عضوياً بتحوّلات تطوير المكان وثقافة الإنسان والذائقة في نجد والمملكة العربية السعودية عامة.
تعرّفتُ على سعد العبيّد متألقاً في أتيليه جدة للفنون الجميلة منذ التسعينات، ثم توالت لقاءاتنا المتقطعة عبر سنوات طويلة بين جدة والرياض والقصيم حتى قبل وفاته. وفي كل لقاء، كان الحضور الإنساني والفني للعبيّد يسبق لوحاته، ويمنحها سياقها الاجتماعي والأخلاقي والجمالي. فهو ليس رساماً فحسب، بل شاهدُ عصر، وذاكرةُ مشهد، وتاريخ فن، وأحد روّاد الفن التشكيلي في الرياض والسعودية، وصاحب علاقات راسخة مع كبار الفنانين السعوديين والخليجيين والعرب، بناها عبر خمسةٍ وخمسين عاماً من العمل والتواصل والتثاقف الفني المستمر.
وُلد سعد العبيّد في حي الظهيرة بالرياض، ونشأ في حي الشميسي، في بيئةٍ نجديّةٍ صافية، كانت فيها العمارة الشعبية، وتفاصيل البيوت، وتكوينات الأثاث، وزخارف المكان، أول مدرسة بصرية شكّلت وعيه الجمالي. كان نموّه الفني يتقدّم على عمره الزمني؛ فقد ظهرت ملامح نبوغه منذ المرحلة الابتدائية، حين بدأ يبني علاقته الأولى مع اللون والخط والتكوين عبر التأمل في كل ما يدهش العين ويرتاح له الخاطر.
منذ طفولته، كان سعد العبيّد مفتونًا بالمشهد البصري العام: موكب الملك سعود بسياراته الفخمة، خرائط الجغرافيا المرسومة بالطباشير الملوّنة على السبورة، اختلاف التضاريس والألوان، ثم انتقاله الطبيعي إلى اقتناء الأقلام الخشبية الملوّنة، فالألوان الزيتية، ليبدأ رحلة البحث والتجريب، واكتشاف القيم التشكيلية الكبرى: التدرّج، والانسجام، والتناغم، والتوازن، والتباين، ووحدة المشهد.
في معهد المعلمين بالرياض (1382هـ)، تلقّى إشارات تأسيسية عميقة في فهم اللون، حين تنبّه إلى قدرة الألوان الأساسية الثلاثة (الأحمر، الأصفر، الأزرق) على توليد العالم اللوني بأكمله، ومع الأبيض تُضبط القيم والطاقات الإشعاعية. بعد تخرّجه، التحق بدورة إعداد معلمي الفنون بقصر نجمة في الطائف (1385هـ)، ثم عمل معلماً لثماني سنوات، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون السعودي، الذي شكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته.
ابتعاثه إلى باريس عام 1396هـ لدراسة الرسم التلفزيوني والديكور والسينوقرافيا فتح أمامه أفقاً عالمياً؛ حيث احتك مباشرة بروائع الفن العالمي في متحف اللوفر، وتنقّل بين متاحف إيطاليا وألمانيا وبريطانيا وكندا والجزائر ومصر. هناك، تشكّلت علاقته العميقة بمدارس المنظر الطبيعي، والانطباعية، وما بعدها من تعبيرية وتجريدية وسريالية، ليكون من أوائل الفنانين السعوديين الذين اشتغلوا بهذه الاتجاهات منذ مطلع الثمانينات وحتى منتصف التسعينات، بوعي مبكر وريادة حقيقية.
في تجربته، لم يكن التأثر تقليداً، بل تمثّلاً واعياً؛ فقد استوعب سعد العبيّد رؤية بيزارو ورينوار ومونيه ومانيه وفان غوخ وغيرهم، في تحليل الضوء، وعلاقته بالطبيعة، وكيف تشع الألوان من الأشياء لتصل إلى العين فيزيائياً، ثم تُستقبل سيكولوجياً، لتتحول في داخله إلى انطباع شخصي يطبع العمل بهوية سعودية صادقة.
موضوعاته كانت واسعة وعميقة:
– لوحات روحانية مشبعة بالتأمل والرجاء (المصير، دعاء وأمل، زاد السفر).
– الطبيعة الصامتة (Still Life)، التي أخلص لها حتى لُقّب بـ “رسام الطبيعة الصامتة”.
– مشاهد البيوت والحارات، وحياة الأسر، وأشهر الشخصيات، وتفاعل الناس في المجتمع النجدي.
– المرأة، والقضايا الإنسانية، والطبيعة البرية، ومزارع الرياض، وغيرها من مواضيع.
في كل ذلك، كان يرسم نجد وعموم السعودية بحبٍ لا يخلو من وعي، وبشغف لا ينفصل عن المعرفة. لوحاته ليست تسجيلات فوتوغرافية، بل إعادة صياغة شعرية للمشهد؛ حيث يتحوّل الخط إلى إيقاع، واللون إلى نَفَس وروح، والفراغ إلى مساحة تأمل، كما فعل في رسم سماء السعودية التي دلّعها كفراغ ساعد الأشكال والكتل الأرضية على الرقص في عيون المتلقين.
من يمعن النظر في أعماله يلحظ لعباً واعياً بالخط واللون والكتلة والفراغ، وضربات فرشاة كثيفة، نابضة، قزحية، تُبنى من دائرة الألوان الأساسية كما تُبنى السمفونية من السلّم الموسيقي. أعماله قائمة على منظومة بصرية متكاملة، تحقّق التوازن، والإيقاع، والوحدة، والتنوّع، وتترك أثراً جماليًا عميقاً لدى المتلقي.
أما إنسانياً، فقد كان سعد العبيّد مثالاً للفنان الأخلاقي: مرهف الحس، صادقاً، شفافاً، كريماً، شهمّاً. وصفه سليمان المقبل بحسن إدارة الوقت، والجدية، والشغف بالبحث والتجريب، وقال عنه محمد السليم: “سعد العبيّد شرف للمواطن الصالح”. ولا يُنسى موقفه النبيل حين أقام معرض الوفاء تخليداً لذكرى صديقه محمد السليم، في لحظة جسّدت معدن هذا الفنان إنساناً قبل أن يكون مبدعاً.
قليلون يعلمون أن سعد العبيّد كان على صلة وثيقة بالشعر والموسيقى؛ أذنٌ موسيقية مرهفة، وخواطر ونصوص شعرية رقيقة، حتى قال عنه عبد الجبار اليحيى: “لو لم يكن العبيّد رساماً لكان موسيقياً”. وقد عبّر عن علاقته بالفرشاة والألوان بكلمات تصلح لأن تكون بياناً فنياً لحياته:
أداعب ريشتي بكل رفقٍ
بهما متنفّسي وتمام عشقي
ختاماً، فإن زيارات فرق مؤسسة مسك ووزارة الثقافة له قبل وفاته، وتوثيق مسيرته في كتالوق وكتاب، وعرض ١٥٣ لوحة من أعماله في معرض (سيرة ومسيرة) بعد وفاته بداية ٢٠٢٥، يؤكد أن الذاكرة الثقافية الوطنية وفيةٌ لا تنسى روّادها. وسعد العبيّد سيبقى اسماً مضيئاً في تاريخ الفن التشكيلي السعودي والعربي، وتجربةً ثريةً تستحق القراءة والتأمل والاحتفاء المستمر.


