هوية الفن التشكيلي السعودي الحديث وخصوصيته الثقافية
د. عصام عبدالله العسيري
ليست الهوية لفظًا عابرًا في قاموس الثقافة، بل هي سؤال انطولوجي وجودي ذاتي؛ سؤال «من نحن؟» حين يُطرح على الفرد، و«ما الذي يميزنا؟» حين يُطرح على الأمة. والهوية في أصلها اللغوي مشتقة من الضمير «هو وهي»، أي جوهر الشيء وذاته الثابتة، نواته التي تتكاثر حولها المعاني كما تتكاثر الحلقات في جذع شجرة عتيقة. وقد عالج مفهوم الهوية عدد من المفكرين العرب، وفي مقدمتهم محمد عابد الجابري الذي ربطها بمنظومة الثوابت القابلة للتجدد دون أن تفقد ماهيتها، وحسن حنفي الذي نظر إليها بوصفها مشروعًا تاريخيًا يتشكل عبر الصراع الحضاري، وعبدالله الغذامي الذي رأى فيها خطابًا ثقافيًا متحركًا يتفاعل مع الآخر دون أن يذوب فيه.
فالهوية ليست جدارًا عازلًا، ولا انغلاقًا على الذات، بل هي قدرة على التوازن بين الأصالة والانفتاح، بين الثابت والمتغير، بين الذاكرة والمستقبل. إنها بنية ديناميكية، تتجدد من داخلها، وتختبر نفسها عبر احتكاكها بالعالم.
الهوية حين تصبح رؤية بصرية:
حين تنتقل الهوية إلى حقل الفن التشكيلي، فإنها لا تُختزل في زخرفة تراثية أو رمز تاريخي، بل تتحول إلى رؤية؛ إلى طريقة مخصوصة في النظر إلى الكون، وفي تأويل المكان والإنسان والزمان. هوية الفنان ليست ما يرسمه فحسب، بل كيف يرسمه، ولماذا يرسمه، ومن أي مرجعية داخلية ينطلق.
الفن فعل معرفي ووجداني في آنٍ واحد؛ إنه إعادة تشكيل للعالم وفق حساسية خاصة. الفنان لا يبدع من فراغ، بل يستند إلى تراكم إنساني طويل، وإلى ميراث بصري وروحي يسكن ذاكرته الجمعية. وهو في تفاعله مع محيطه يعيد صياغة الزمان والمكان، فيصير العمل الفني نصًا ثقافيًا يكشف عن طبقاته العميقة.
وفي عصر العولمة، حيث تغزو بتسارع عمليات التشابه الثقافي، يغدو سؤال الهوية أكثر إلحاحًا، فالعالم يميل إلى صهر الفوارق تحت سلطة النموذج الأقوى، مما يهدد الخصوصيات الثقافية إن لم تكن راسخة الجذور. هنا تتجلى وظيفة الفن بوصفه حارسًا رمزيًا للذاكرة، ومختبرًا لإعادة إنتاجها بصيغ معاصرة.
نشأة الفن التشكيلي السعودي بين التأثر والتأسيس:
شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية تحولات ثقافية متسارعة، وكان الفن التشكيلي أحد ميادين هذا التحول. ومع بدايات التعليم النظامي ومعهد الفنون وابتعاث الفنانين إلى الخارج، انفتح المشهد السعودي على التجارب الغربية الحديثة، كما انفتحت معظم الحركات الفنية العربية.
غير أن هذا التأثر لم يكن صفحة بيضاء، فقد سبقه إرث بصري ثري تمثل في الفنون التقليدية: العمارة النجدية والحجازية والحسائية، الزخارف الشعبية، النقوش الصخرية، الحرف اليدوية، والألوان الصحراوية والحبلية والساحلية ذات الإيقاع الخاص. هذه المكونات شكلت البنية العميقة للذائقة المحلية، حتى وإن لم تكن مصنفة ضمن «الفن التشكيلي الحديث» بمعناه الأكاديمي.
لقد استفاد الفنان السعودي من المدارس والحركات العالمية، من الكلاسيكية للواقعية ثم الانطباعية إلى التجريدية، ومن التعبيرية والسريالية إلى المفاهيمية والتركيبية، لكنه لم يلبث أن أعاد قراءة هذه التيارات من خلال عدسته الثقافية الخاصة. وهنا يكمن الفارق بين الاستيعاب والانصهار: فالأول فعل نقدي يعيد إنتاج المؤثر في سياق جديد، أما الثاني فذوبان يفقد العمل خصوصيته.
وما تزال تجربة التأثر بالآخر في الفن السعودي بحاجة إلى دراسات نقدية معمقة تميز بين الاقتباس السطحي والتمثل الخلاق في فلسفة الصورة وأبعادها الثقافية؛ بين الاستهلاك البصري وبناء خطاب فني مستقل.
مكونات الهوية الفنية:
يمكن النظر إلى الهوية التشكيلية من خلال ثلاثة مستويات متداخلة:
1. الهوية التراثية: وهي الامتداد الحضاري الذي يستمد منه الفنان جذوره الرمزية: الخط العربي، الزخرفة الإسلامية، الأساطير المحلية، مفردات الصحراء والبحر، العمارة التاريخية. التراث هنا ليس مادةً للتزيين، بل بنية دلالية حية؛ «عطاء قومي حضاري متزايد» يشكل ذاكرة المجتمع ومرجعيته.
2. الهوية البيئية (الآنية): وتتصل بظروف العصر: التحولات الاجتماعية، الطفرة العمرانية، الاقتصاد، التقنية، التحولات الفكرية. فالفنان ابن لحظته كما هو ابن تاريخه، وأعماله تعكس توتر المرحلة وأسئلتها.
3. الهوية الذاتية: وهي البعد الأكثر حميمية؛ صوت الفنان الفردي، حساسيته الخاصة، انحيازاته وتفضيلاته الجمالية. غير أن التركيز على الذات بمعزل عن التاريخ قد يقود إلى عزلة شكلية. فالذات الحقيقية هي التي تعي جذورها وتحوّلها إلى طاقة خلاقة، لا أن تنكرها باسم الحداثة.
إن الصدق الفني لا يعني الانفصال عن الموروث، بل إعادة اكتشافه في ضوء التجربة الشخصية. فالذات الغنية هي التي تستمد قوتها من تفاعلها مع بيئتها وتراثها، لا من القطيعة معهما.
البعد المعرفي في الهوية التشكيلية:
لا يمكن الحديث عن هوية فنية دون الإشارة إلى بعدها المعرفي الإبستمولوجي؛ فالفن ليس وجدانًا صرفًا، بل هو أيضًا منظومة من المفاهيم والرؤى ونُظم التفكير. المدارس والحركات والموضات الفنية عبر التاريخ قامت على تحولات معرفية عميقة: في العلم، والفلسفة، والأدب، وتقنيات التعبير.
ومع تطور الفكر الإنساني، تغيرت مصادر المعرفة الفنية، وتبدلت الأسس التي يقوم عليها اختيار الموضوع، الخامة والأسلوب. وهكذا فإن هوية الفن السعودي الحديث لا تتشكل فقط من رموزه البصرية، بل من وعيه النظري، ومن قدرته على قراءة تاريخه وتاريـخ الآخرين قراءة نقدية.
نحو خصوصية سعودية معاصرة:
إن الفن التشكيلي السعودي الحديث يقف اليوم عند تقاطع مهم: بين ذاكرة عميقة تمتد في التاريخ العربي والإسلامي، وواقع معاصر يتسم بسرعة التحول والانفتاح العالمي. خصوصيته لا تكمن في الانغلاق على الماضي، ولا في محاكاة الخارج، بل في قدرته على إنتاج خطاب بصري يزاوج بين الأصالة والابتكار.
الهوية هنا ليست شعارًا، بل ممارسة؛ ليست استعادة شكلية للتراث، بل إعادة تأويله ضمن سياقات جديدة. وكلما ازداد وعي الفنان بجذوره وبشروط عصره، ازدادت قدرته على صياغة لغة تشكيلية تعبّر عن المملكة بوصفها فضاءً حضاريًا حيًا، لا مجرد جغرافيا.
إن سؤال الهوية في الفن التشكيلي السعودي ليس سؤال هجوم أو دفاع، إنما هو سؤال إبداع. إنه بحث دائم عن صيغة توازن بين الانتماء والحرية والتحدي، بين المحلي والإنساني، الذاكرة والحلم، الذاتي والموضوعي، وبين الفنان والخامة وطرق التعبير. وفي هذا التوتر الخلاق تتشكل ملامح خصوصية ثقافية قادرة على الحضور في المشهد العالمي دون أن تفقد صوتها الداخلي. إنتهى.
الصور من معرض بدايات الحركة التشكيلية السعودية بالمتحف الوطني بالرياض تنظيم هيئة الفنون البصرية ومن إعداد Hafez Gallery حافظ جاليري وذِ إيمز، شرفت بالعمل في مهام كثيرة بالمشروع من التأريخ والتوثيق والدراسة والنقد والتحليل.
يستمر المعرض ل ١١ أبريل القادم.
شاركونا رؤاكم ياغالين🌹💐🌺
•
======***********======
– المصادر:
– موقع العربية
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
• – مواقع: الصحافة الأجنبية


