كتب الباحث: علي غلاييني. عن فندق الكومودور: حين يتحوّل المكان إلى شاهد، وصانع للتاريخ في قلب حيّ الحمراء في بيروت.

فندق الكومودور: حين يتحوّل المكان إلى شاهد، وصانع للتاريخ في بيروت.
علي غلاييني – عضو جمعية تراث بيروت
.
لم يكن فندق الكومودور، القابع في قلب حيّ الحمراء في بيروت، مجرد مبنى فندقي عابر في مدينة عرفت كثافة الفنادق وتحوّلاتها، بل كان، على امتداد أكثر من ثمانية عقود، فضاءً تتقاطع فيه السياسة بالإعلام، والاقتصاد بالحرب، واليومي بالاستثنائي .منذ تأسيسه عام 1943، تزامن تاريخ الكومودور مع تاريخ لبنان الحديث نفسه، فكان مرآةً لتحوّلاته، وشاهدًا فاعلًا على لحظاته الأكثر حرجًا، إلى أن أُعلن أنّه في العاشر من كانون الثاني/يناير 2026 سيُغلق نهائيًا بعد اثنين وثمانين عامًا من النشاط في بيروت، في مشهد يُشبه خاتمة فصل طويل من ذاكرة المدينة.
أنشئ الفندق في مرحلة كانت بيروت تكرّس صورتها كمدينة منفتحة على الشرق والغرب، ومركزًا ماليًا وثقافيًا وسياحيًا في المنطقة. اختيار موقعه في الحمراء لم يكن تفصيلًا معماريًا، بل قرارًا وضعه في قلب دينامية المدينة الاقتصادية والاجتماعية: على تماس مباشر مع الجامعة الأميركية ومكتباتها، والمقاهي والمطاعم والصحف، وساحات النقاش الثقافي التي كانت تُصنّف شارع الحمرا وحيّه كـ قلعة حيويّة للتنوّع والاختلاف قبل الحرب.
حين اعتلى الكومودور ذاكرة المدينة، كانت الحياة في الحمراء امتدادًا لنهجٍ حضري متكامل، تمتد فيه الأرصفة بمقاهيها ومطاعمها ومحلاتها التجارية بمختلف أنواعها: من متاجر الازياء والأحذية والمنتجات الجلدية إلى محلات الكتب، ومن ورش الصاغة والمجوهرات، إلى بيوت التذكارات والقطع التراثية، التي اجتذبت زوارًا محليين وأجانب؛ فكان كلّ شارع من شوارع الحيّ يمتد كمسار تجارة يومية تُثري اقتصاد المنطقة، وتُعزّز حضورها في خريطة الأعمال التجارية لبيروت.
في تلك السنوات الذهبية، كان الحيّ بمثابة قلب اقتصاديّ نابض، تشهد محلاته ازدحامًا دائمًا، ويُعدّ المكان مقصدًا لتسوق القطع التراثية، والهدايا اللبنانية الأصيلة، والعملات القديمة، والأنتيكات التي امتزجت بذاكرة ذلك الحيّ بوصفه عقدةً للتلاقي بين التقليدي والمعاصر، بين البضاعة والمثقفين والزوار. وعلى امتداد الشارع كانت أجواء الحِوار والمقاهي المزدهرة المساحة التي اجتذبت الأجيال وتحوّلت في ما بعد إلى مكانٍ لصياغة الرأي العام والنقاش الثقافي.
غير أن التحوّل المفصلي في وظيفة الفندق ودوره جاء مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. ففي تلك السنوات، استحوذ يوسف نزّال على الفندق، وهو اسم سيصبح لاحقًا ملازمًا لأسطورة الكومودور. لم يتعامل نزّال مع الفندق كمشروع تجاريّ فحسب، بل كمنشأة يجب أن تصمد في زمن الانهيار. في ظل تفكّك الدولة وانقطاع البنية التحتيّة، وفّر للصحفيين الأجانب خطوط اتصال آمنة ونادرة آنذاك، وعلى رأسها شبكات التلكس، إضافة إلى الكهرباء والخدمات الأساسية، ما جعل الفندق مركزًا شبه وحيد لإرسال الأخبار من بيروت إلى العالم.
هكذا، ومن دون تخطيط أيديولوجي، تحوّل الكومودور إلى القلب النابض للتغطية الإعلاميّة الدوليّة للحرب اللبنانيّة. في غرفه وردهاته وبارِه، أقام مراسلو كبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية، وكتبوا تقاريرهم تحت وقع القذائف. وقد لخّص الصحافي البريطاني الراحل روبرت فيسك هذه الحقيقة بقوله: «لو لم يكن الكومودور موجودًا، لما تمكّن العالم من متابعة ما جرى في بيروت كما حدث». لم يكن الفندق مجرد مكان إقامة، بل غرفة أخبار مفتوحة، تُنتج السردية الأولى للأحداث، بكلّ ما تحمله من ارتباك وخطر ومسؤولية.
إلى جانب دور المالك، برز اسم فؤاد صالح، المدير التنفيذي للفندق، بوصفه رجل الظل في تلك المرحلة. كان صالح يدير العمليات اليوميّة في ظروف استثنائيّة، ويتفاوض مع الميليشيات المتصارعة، ويتواصل مع أطراف سياسيّة متناقضة، ساعيًا إلى تحييد الفندق قدر الإمكان عن منطق الحرب. هذا الدور جعل منه حلقة وصل أساسيّة بين الصحفيين والقوى المتحكّمة بالأرض، وأسهم في إبقاء الكومودور مساحة عمل ممكنة في زمن كانت فيه أيّ مساحة محايدة شبه مستحيلة.
هذا الدور الإعلامي والسياسي غير المباشر جعل الفندق هدفًا وموقعًا حساسًا في آن. تعرّض للقصف أكثر من مرة، وراقبته قوى محليّة وخارجيّة باعتباره مصدرًا لتدفّق المعلومات. وقد دفع يوسف نزّال ثمن هذا الموقع حين اعتُقل لفترة خلال الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982، في دلالة على أنّ الفندق لم يُنظر إليه كبناء فحسب، بل كبُنية اتصالات وإعلام مؤثّرة. ومع تصاعد خطف الصحفيين في منتصف الثمانينيات، تحوّل الخطر من محيط الفندق إلى الطريق المؤدي إليه، وأصبح الصحفيّ نفسه جزءًا من الخبر.
في عام 1987، ومع اشتداد المعارك في محيط الحمراء، لم يعد بالإمكان الحفاظ على الحدّ الأدنى من الأمان. أُخلي الفندق وأُصيب بأضرار بالغة، ليُقفل فصل الحرب من تاريخه، بعد أن لعب دورًا تجاوز بكثير ما هو متوقع من مؤسسة خاصّة. بعد انتهاء الحرب، وكما بيروت نفسها، أُعيد بناء الكومودور، وافتتح مجددًا عام 1996، في محاولة لإحياء رمز من رموز المدينة. إلّا أنّ الكومودور الجديد، رغم تجديده عام 2004، لم يعد يؤدي الدور ذاته؛ تغيّر الإعلام، وتغيّر العالم، ولم تعد الحروب تُغطّى من الفنادق بالطريقة نفسها.
في العقد الأخير، ومع الانهيار الماليّ والاقتصاديّ في لبنان، وتراجع السياحة، وجائحة كورونا، دخل الفندق مرحلة احتضار بطيئة. أحياء الحمراء المحيطة به، التي لطالما ازدهرت باقتصاد حيّ يتنفس عبر متاجرها ومقاهيها ومراكز الحِوار الثقافي، عرفت بدورها تقلّبات شديدة في السنوات الماضية، إذ واجه أصحاب الأعمال تحديات اقتصاديّة ضاغطة جعلت كثيرًا من المحلات تغلق أبوابها، رغم استمرار النشاط في القطاعات التي لا تزال تصرّ على البقاء إحياءً لروح الشارع.
فندق الكومودور لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كان، في لحظة ما، أحد أدوات صناعته، وكان جزءًا من نسيج اقتصادي حيّ في الحيّ الذي احتواه. من خلاله وعبره وعبر الشوارع المحيطة به، عبرت الأخبار والمنتجات والناس، وتكوّن وعي العالم بما جرى في لبنان. وبإقفاله، لا تُطوى صفحة فندق فقط، بل تُغلق نافذة من ذاكرة بيروت، تلك الذاكرة التي كُتبت بعض فصولها على أرصفة الحمراء ومقاهِيها ومحلاتها، وفي غرف الكومودور نفسها؛ بين ضجيج آلات التلكس، وأصوات القصف المدفعيّ، والهواجس الاقتصاديّة لأصحاب المحلات. هو واحد من الأمكنة النادرة التي يمكن القول إنّ جدرانها لم تكن محايدة، بل كانت طرفًا في التاريخ.

************************
المصادر:
– موقع المواهب الفوتوغرافية
– موقع : mtv
– موقع الشرق الأوسط
– موقع: القدس العربي
– موقع صحيفة صراحة الإلكترونية
– مواقع: العربية .نت
– موقع : هسبريس
– موقع: شروق
– موقع اليوم السابع
– موقع :عالم التقنية
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: مصراوي
– موقع: البيان
– موقع  BBC
– الرياض – العربية Business
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع:  إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
***************

أخر المقالات

منكم وإليكم