كتب الباحث: د.غسان القيم..عن سيرة أمين مكتبة في مدينة اوغاريت قبل ثلاثة آلاف وخمسمئة عام.

سيرة أمين مكتبة في مدينة اوغاريت قبل ثلاثة آلاف وخمسمئة عام.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
صباحي هذا اليوم لم يكن كبقية الصباحات استيقظت مع الفجر لا على صوت محرّكٍ أو منبّه بل على هدير امواج البحر القريب وعلى همس الريح الآتية من سفوح الجبال. أفتح عينيّ وجدت نفسي في مدينة أوغاريت في ذروة مجدها قبل ثلاثة آلاف وخمسمئة عام. مدينةٌ لا تزال تتنفّس ازدهاراً وتكتب اسمها على ألواح الطين كما يُكتب القدر.
أنا أمين مكتبة وحارس ذاكرة. أدير داراً للرقم الفخارية حيث تُحفَظ الكلمات قبل أن تصير تاريخاً وتُرتَّب الأساطير والقوانين والمعاهدات كما تُرتَّب النجوم في السماء. هنا في قلب القصر الملكي تمتدّ غرف الأرشيف كشبكة من العروق كل غرفة تختزن حياة مدينة كاملة.
أوغاريت.. مدينة الكلمة والتجارة
أوغاريت ليست ميناءً فحسب بل عقدة وصلٍ بين البحر والبرّ بين مصر وبلاد الرافدين والأناضول. في أسواقها تُسمَع لغاتٌ شتّى وفي أرصفتها تُفرَغ أخشاب الأرز والنحاس والمنسوجات أمّا في مكتبتنا فتُفرَغ المعاني. فالمدينة أدركت مبكّراً أنّ القوة لا تقوم على السفن وحدها بل على التدوين والتنظيم والمعرفة.
المكتبة: قلب الدولة النابض
مكتبتي ليست مكاناً للصمت فقط بل ورشة عملٍ دائمة.
الرقم الفخارية تصل إلينا رطبةً بعد نقشها نُجفّفها بعناية ثم نُصنّفها حسب موضوعها:
نصوص دينية وتراتيل للآلهة تتقدّمها أناشيد بعل وعناة.
سجلات اقتصادية تُحصي الغلال والنبيذ والزيت.
مراسلات دبلوماسية مكتوبة بلغات متعددة تشهد على براعة أوغاريت السياسية.
نصوص تعليمية يتدرّب عليها الكتبة الصغار يتعلّمون الأبجدية التي وُلدت هنا مختصرةً العالم في عدد قليل من الإشارات.
الفهرسة عندنا ليست عملاً ثانوياً.. هي علمٌ قائم بذاته. لكل لوح علامة ولكل غرفة نظام ولكل موضوع موضعه. أعرف مكان كل رقيم كما أعرف خطوط كفّي.
الأبجدية: معجزة الطين
أكثر ما يملأني فخراً هو تلك الألواح الصغيرة التي تحمل الأبجدية الأوغاريتية. ثلاثون إشارة مسمارية فقط لكنّها قادرة على قول كل شيء. أشعر وأنا أرتّبها أنّني أشارك في ثورة معلوماتية صامتة ستغيّر وجه الكتابة إلى الأبد. لم نعد أسرى مئات الرموز بل أصدقاء لحروفٍ قليلة تحمل لغة كاملة.
يوميات أمين مكتبة
يمرّ عليّ الكتبة والرسل والكهنة. يسألني أحدهم عن نصّ قديم لمعاهدة بحرية ويطلب آخر ترنيمة تُتلى في طقس موسمي. أُخرج اللوح المطلوب أنفض عنه غبار الزمن قبل أن يتكوّن وأشعر أنّني أُعير الحاضرَ صوتَ الماضي.
ومع غروب الشمس حين تخفت الحركة أبقى وحدي بين الجدران الحجرية. ألمس الألواح واحداً واحداً وأدرك أنّ هذه الطينة الهشّة أقوى من السيوف.
فالجيوش تزول
أمّا الكلمة فتبقى.
في أوغاريت لم تكن المكتبة مخزناً للألواح فقط.
بل ذاكرة مدينةٍ كاملة وضمير حضارةٍ آمنت بأن التوثيق فعل بقاء. وأنا أمين مكتبتها لست سوى حلقة صغيرة في سلسلة طويلة لكنني أعلم يقيناً أنّ من يحفظ الكلمة.
يحفظ العالم.
وكلّما أغمضت عينيّ أدرك أنّني لم أعد إلى الوراء عبثاً بل عدتُ إلى المكان الذي
وُلدت فيه الحروف لتعلّمني
كيف يُكتَب الخلود..
سرد تاريخي
“”””””””””””””””
عاشق اوغاريت.. غسان القيم
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت مع إشراقة شمس الصباح الأولى

أخر المقالات

منكم وإليكم