في ذكرى رحيل الطيب صالح .. الذي أعرفه
طلحة جبريل
كتبت هذا المقال في 21 فبراير 2009 وكنت وقتها في واشنطن. أعيد نشره كاملاً
ترددت كثيراً قبل ان أكتب هذا المقال، فقد وجدت نفسي وسط حالة من الحزن لم اعرفها من قبل، وبدا لي إن الكتابة في هذه الحالة، قد تتحول الى نحيب وبكائيات، وهي حالة لا اريدها لنفسي، او لقارئ يفترض ان يقرأ ما يفيد وليس مشاعر تقلب المواجع لم أكن اريد أن اكتب أيضا لان الصور تزاحمت في ذهني، صور سنوات تراكمت تجر بعضها بعضاً، وفي كل مكان أو زمان هناك حكاية أو بعض حكايات. لذلك أقول صادقاً انني أكتب بمزاج سيء ابحث عن الكلمات ولا تسعفني العبارة ولم أكن أريد أن أكتب حتى أضع فاصلاً بين ما حدث في العاشرة من ليل الثلاثاء 17 فبراير في احدى غرف مستشفى ويمبلدون، وبين الصور التي راحت تغطي بعضها بعضاً في مخيلتي على مدار الدقيقة إن لم أقل الثانية،
غطت الصور على الصور ولم يبق لي سوى اجترار الألم والحزن ثم أنني لم أكن اريد أن اكتب إذ لم أعرف من أين ابدأ وأين أنتهي وخلال الفترة الفاصلة بين كتابة هذا المقال وما حدث في غرفة مستشفى ويمبلدون، تعرضت لحالة تعذيب نفسي غير مسبوقة.
إذ كان علي أن اتحدث لوسائل إعلام متعددة، وفي كل مرة كنت أجد أن دمعة تقفز الى المآقي، أتمنى أن أغلبها لكنها سرعان ما تغلبني الناس يتحدثون عن “الطيب صالح” الرمز والكاتب والأديب والمبدع والمفكر وعبقري الرواية وصاحب واحد من بين أهم مائة عمل في تاريخ الإنسانية، والمواطن الذي رفع اسم وطنه عالياً، لكنني كنت اتحدث عن الطيب صالح الصديق العزيز، الرجل الذي ظل يعطف علي عطفاً خاصاً، الى الحد الذي قال مرة إنه “إبني الروحي” الانسان الذي كانت تهمه جميع تفاصيل حياتي، وكانت آخر وصاياه “لا تبقى في اميركا طويلاً عليك أن تعود الى السودان، حتى لو عدت مزارعاً في شبا، لا تكرر تجارب الآخرين”.
عندما سمعت الخبر للوهلة الأولى صعقت، وكان بفارق التوقيت بين واشنطن ولندن. حالة غروب في العاصمة الأميركية وليل في بريطانيا. قال الصوت من الضفة الأخرى من الأطلسي بنبرات متهدجة ومتعبة” …توفي قبل قليل”.
أصبت بالوجوم. لم انطق ولو بكلمة واحدة. بقيت ساهماً لفترة طويلة، غامت عيناي بدموع غلبتني.
غرقت في حزن تدافعت امواجه واحدة تلو الأخرى. ثم تحولت تداعياته في كل ساعة بل كل دقيقة إلى سيل متدافع متسارع من الاحزان تتزايد حركتها وتتعالى منذرة بليالي عامرة بالأرق ، لا أدري لماذا قفز من بين كل المشاهد مشهداً محدداً أتصل بي الطيب ذلك النهار في لندن، وقال سننتظرك انا ومحمد الحسن أحمد (عليهما الرحمة) التحق بنا لنذهب جميعاً الى سيد احمد الحردلو.
لم اكن التقيت الحردلو من قبل على الرغم من اننا نعرف بعضناً بعضاً. وجدنا عنده الدكتور أبوسن وآخرين لم أعد اتذكرهم، بقينا فترة مع الحردلو، ثم خرجنا نتمشى الطيب ومحمد الحسن وانا ، في ذلك اليوم راح يزودني الطيب بنصائح كثيرة ،إذ كنت استعد بعد يومين للسفر الى واشنطن لموقع عمل جديد، وحين لاحظت ان تلك النصائح استثنائية وملفتة وبلا حصر قلت له ” يا شيخ الطيب (وكنت هكذا اخاطبه) كأننا لن نلتقي بعد اليوم” رد قائلاً بضحكته المميزة ونبرات صوته العميقة وأسلوبه المتمهل في الحديث ” يا شقي الحال (وهكذا اعتاد مخاطبتي) العمر لم تعد فيه بقية” وفي إشارة ملفتة عبر عن رغبة غامضة أن يجد له قبراً في بلد شاسع واسع.
لم يكن الطيب يملك متراً مربعاً في البلد الذي اعتاد ان يطلق عليه” الوطن الحبيب اللعين” عاد الي هذا الوطن في نعش وهو لا يملك سوى جواز سفره السوداني ذهبت الى ذلك الكلام أستعيده واحاول استرجاع ما قاله.
كانت تلك آخر مرة التقي فيها الطيب صالح وجهاً لوجه. أعتدت بعد ذلك ان اتحدث معه هاتفياً، لكن كان مرضه يشتد لذلك اقتصرت مكالماتنا في أيامه الأخيرة على التحية والسلام، كنت افضل الاتصال بزوجته “جولي” لأعرف تفاصيل حالته الصحية، أو بالصديق محمود عثمان صالح الذي ظل الى جانب الطيب ورافقه في السنوات الأخيرة حتى خلال زياراته خارج بريطانيا.
اتسم موقف محمود، وهو سليل اسرة من تلك التي ينطبق عليهم وصف ”كرام الناس”، بالمروءة والشهامة، بقى الى جانب الطيب حتى فاضت روحه ورافق جثمانه الى الوطن. قال لي الطيب في آخر مكالمة هاتفية “هل انت بخير” صمت. وكانت تك آخر مرة اسمع فيها صوته .
قبل عشرة أيام من رحيله، تحسنت حالة الطيب وشرع في اجراء بعض التمارين الرياضية، وكان يتكلم مع الذين حوله. صحيح بصعوبة لكنه كان يتحدث ويعي تماماً جميع التفاصيل بيد انه تعرض لبعض المضاعفات بسبب عملية غسيل الكلى وقرر الأطباء إيقاف تناوله للأكل ، وبدأت عملية تغذيته بواسطة أنبوب عبر الأنف، لكن المعدة تعرضت كذلك التهاب أعقبه نزيف، ثم ان الأنبوب كان يضايقه لذلك لم يقو على تحمله، وهو ما أدى الى أن يفقد الكثير من وزنه، وحين تضاعف الألم حقن بمخدر للحد من الألم، وقبل يومين من وفاته دخل في غيبوبة كاملة ، وفي العاشرة من ليل الثلاثاء 17فبراير فاضت الروح الى بارئها .
لم يتحدث معي الطيب صالح عن الموت الا في مرتين مرة عندما أكملت كتابي” على الدرب مع الطيب صالح.. ملامح من سيرة ذاتية” عام 1997، عرضت عليه نسخة الكتاب قبل إرسالها الى صحيفة” الحياة” وكنت وقتها عاطلاً عن العمل بعد ان قدمت استقالتي من ” الشرق الأوسط” في ابريل عام 1996.
ذهبت اليه في لندن، ومعي نسخة الكتاب كما كتبتها وبعد ثلاثة أيام التقينا، وكان ان قرر حذف مقاطع من الكتاب وفي ظنه انها قد تحرج بعض الناس، ثم قال لي مازحاً” كيف جعلتني أقول كل هذه البلاوي” ثم فاجأني قائلاً “على اية حال هذا هو المخطوط لكن اقترح عليك نشره بعد ان اتوكل على الله وأمضي الى حال سبيلي، وإذا وجد الناس في ما أكتبه وكتبته ما يستحق هذا كاف”.
كان ردي أن الاعمار بيد الله ولا أعرف من منا سيسبق الآخر. لم يقتنع. لكن عندما قلت له إنني التزمت مع صحيفة ” الحياة” وهم سيدفعون مبلغاً معقولاً احتاجه لأنني عاطل عن العمل أجاب بحسم ” في هذه الحالة لا نقاش .
في المرة الثانية كنت معه عندما قتل حامد الخواض مدير مكتب اليونسكو في العاصمة الأردنية عمان ، وكان سائقه الفلسطيني، الذي يعاني اضطرابات نفسية، دخل عليه مكتبه واطلق عليه رصاصات أردته قتيلاً، راحت الدموع تبلل وجه الطيب وهو يقول ” الموت يبدو غريباً عندما يقترب من دائرتك .
أختم بمشهد لا علاقة له بالمشاهد الأخرى. زارني الطيب صالح مرة في الرباط، وكان يجد متعة لا تضاهى في الحديث مع والدتي الله ووالدي رحمهما الله.
كانت والدتي درست سنة واحدة في المدرسة الأولية في الدبة وهي بلدة الطيب التي ولد وترعرع فيها، وكان يجد متعة حقيقية وهو يتحدث معها عن معالم البلدة في تلك السنوات البعيدة، كما كان والدي يتحدث معه عن أيام الدراسة في مدرسة مروي الأولية حيث درس حتى نهاية تلك المرحلة، وذات مرة طلبت من الطيب تسجيل الحديث بينهم، وهو ما حدث بالفعل، وكانت دردشة مفعمة بالذكريات والمفارقات والطرائف، وعندما أرسلت له نسخة من الشريط ، علق ضاحكاً ” هذا افضل ما يمكن نشره” .
الآن ماذا أقول؟
كان حظ الطيب صالح موفوراً مع الدنيا والناس وفي مساره ورحلة عمره التقي كثيرين والتقاه كثيرون، ظل يعتقد دائماً ان جميع الناس، كل الناس، طيبين وخيرين تسهل معاشرتهم. كان يرى محاسن الناس لذلك احبه كل من تعرف عليه عن قرب. كل السودان أحب الطيب صالح لأنه بشر من طراز نادر. وأحب الطيب وطنه حباً منقطع النظير.
كان الطيب صالح من أعز أصدقائي، ورحيله واحدة من أكبر الفواجع. أحب وطنه حبًا لا نظير له، ورآه دائمًاً بعين المحب الناقد. أحبه الناس لأنه كان بشراً من طراز نادر، وأحبه السودان لأنه رفع اسمه عالياً.
أكتب اليوم بدمعٍ وحزن، لكن أيضاً بفخر أنني عرفته عن قرب.
***** ***&*****************
– المصادر:
– موقع لها ماج
– موقع: جريدة الأسبوع الأدبي
– المكتب الإعلامي – مؤسسة غبشة
الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية.


