دكّان أبو الخير
في ستينيات القرن الماضي وفي قريةٍ نائية اقتطع ( أبو الخير ) من داره دكانا للسمانة حشد فيها كلّ ما يلزم لأهالي القرية من مواد غذائية ومنظِّفات وسجائر من شتى الأنواع ( بافره وريجي وصمصون وأبو ضفره وغازي وحموي ) و (دفاتر شام ) و( قدّاحات ) ولوازم طلاب المدارس من دفاتر وقرطاسية وشتى اصناف البضائع اللازمة للمنازل .
استيقظ ( ابو الخير ) كعادته باكراً وقام برش الماء امام الدكان ، وبدأ باستقبال المزارعين الذين يبيعونه الخضار من ( بندورة وكوسا وباذنجان ) من محاصيل القرية ،
دخلت ( الحجه فطوم ) تحمل صرَّة (باميا ) وقالت له : كم ستعطيني ثمن الكيلو ؟ ، رد عليها : كالعادة اربعون قرشا . قالت له ( اي لا ياه .. أربعين ؟ هاتن بطّلت ابيعن بيبّسن عالشمس وما ببيعن بأربعين ) وحملت الصرة فناداها : ( تعي بنص ورقه ) ردت : ( اي هه هيك حكي من الأول ) قبضت الثمن وانصرفت ،
ثم دخل طالبُ واشترى لوظيفة الأشغال ورق ملوَّن وعبوة صمغ وبكرة لزّاق ورقية لونها ( بيج ) وكرتونة بيضاء وقلم رصاص من ( ماركة التمساح ) ودفع ليرة وعشر قروش .
ثم طالبٌ آخر اشترى زجاجة حبر لقلم ( الستيلو ) ودفتر رسم وعلبة أقلام تلوين خشبية وممحاة ومبراة ومسطرة خشبية ودفع ثمنها ليرة ونصف .
ثم دخلت الجارة ( ام حميد ) واشترت ( ابر ملاحفيه ) وطابات خيطان ملحفه لخياطة بطانة اللحف ، وخيطان ( كشَّه ) بيضاء وسوداء لخياطة رقع البنطلونات .
ثم أتى ( الحاج عبدو ) واشترى ( سردينه أبو شنب وشفرات ناسيت وحبوب اسبيرين )
ثم دخل طفلٌ يحمل طاسةٌ نحاسية اشترى نصف كيلو غرام من اللبن .
ثم فتاة صغيرة اشترت ربع كيلو ( صفيه فرنجيه ) وهي بودرة تستعمل للغسيل والجلي ،
ثم اشترى طفلٌ صغير علكة عليها صورة الرئيس ( جمال وولادو ) .
وطفل اخر اشترى كعكة سخّانه وطفلة اشترت سكّر دروبس مطعَّم ، ثم اشترت احدى الجارات بسكويت أصابيع لطفلها الرضيع و( بز ملهاية ) وعبوة من زيت الخروع .
دخل ( الحاج حمدو ) واشترى ( باكيت دخان حموي لفّ ودفتر ( شام ) وقدّاحة فتيل ) ودفع ليرة وربع الليرة. ثم اشترت الحجه امون مصيدة للفئران الذين اتلفوا مؤونتها . ثم جارتهم ( ام مصطفى ) واشترت مكنسة من نبات (المكنس ) ، ثم دخل معلِّم القرية واشترى باكيت دخان نوع ( بافره ) وكبريتة المدفع .
ثم حلاّق القرية واشترى قطعة من الشب ( شبَّه ) لزوم حلاقة الذقن . ثم اتت الحجّه فريده وسألته : ( عندك شحاطات الله يعز ) ؟ فقال لها : ( عندي قباقيب الله يكرِّم ) .قالت : بدي قبقاب للمرحاض ( تكبر عن طاريه !! ) . اشترت ( القبقاب ) وخرجت . ثم دخل ( الحاج علي ) وسأل عن شاي سيلاني ( زهرة السلطان الطون باش ) فاعتذر ابو الخير لنفاده ووعده بأن يوصي عليه في الغد من المدينة .
ومر سائق سيارة نقل الركاب في القرية واشترى باكيت دخان ( غليظه تاتلي سورت ) وقدّاحة ( شامبيون ) تعمل على زيت الكاز واشترى كوز بزر وقضامه ، ثم دخلت طفلة بيدها زجاجة فارغة وسألته : ( عندك قاظ ؟؟ ) قال لها : ( اي في بشقد بدك ؟ ) قالت : ( بتلت فرنكات ) . فوضع القمع في الزجاجة وسكب الكاز من التنكة ذات ( البلبولة ) ، ثم دخلت ( الحجه امون ) وطلبت شيشة لمصباح الكاز نمره ٤ فقال لها : ( عندي شيشه ارمنازيه حقا نص ورقه واميركانيه بتلت رباع اينا هي بدك ) ؟ قالت : ( هات الأرمنازيه ، وعطيني فتيله للضويه وسجلن بكره بعطيك ) ، ثم دخل طفل يحمل سلة بيض وقال : ( عمو بتشتري بيض ؟ ) . قال : ( اي بشتري السبعه بنص ليره ) ، قال الصبي : ( اي لا عمو ..!! الستة بنص بيضات تازايات من قنّ الحجه زلخه ) ، قال له : ( هاتن !! ) ودفع له الثمن ، ثم دخلت ابنة ابو الخير اليافعة وقالت له : ( قال امي بدا تطبخ مغمومه فرنجي ) قال لها : ( المسا بجيب اش بضل عندي من الفرنجيات المستويات )
غربت الشمس وزحف الظلام فحمل ( الفرنجيات ) واغلق باب الدكان لكن ليس بشكل نهائي فهناك حالات شراء اسعافية ترد في الليل بسبب حضور ضيف مفاجيء او نفاذ زيت الكاز فلا بد حينئذٍ من فتح المحل من قِبل ( ام الخير ) بينما يكون هو مضطجع على ( الدشك ) مغمض العينين وليس بنائم يعمل بنصف الطاقه !! يفكِّر بالمواد التي سيجلبها يوم الغد للدكان حين ينزل على المدينة .
بدر الدين تلجبيني


