. ✦✿✦العلامة محمد خير الدين الأسدي✦✿✦
✿✦✍إعداد الأستاذ الباحثة عبد الله حجار✍✦✿
✦✦✿✦✦✿✦✦📚✦✦✿✦✦✿✦✦
✿✦معرفتي بالعلاّمة خير الدين الأسدي إلى بداية اتصالي بجمعية العاديات في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته (1969 – 1971 ) عندما كنت أشارك في رحلات الجمعية داخل القطر تمهيداً لانتسابي إلى عضوية الجمعية الذي تم العام 1970.
✿✦ومازلت أذكر مشاركة الأسدي في رحلات الجمعية القريبة داخل القطر مثل زيارة قلعة سمعان وقلب لوزة والتي كانت تتم بالباص (الهوب هوب آنئذ). وكنا نضطر إلى إيقاف الباص وقفات فنّية (أسميناها وقفات الأسدي)، كل نصف ساعة تقريباً أو أكثر قليلاً، لتمكين الأسدي الذي كان يشكو من داء السكّري من النزول «لمحاسبة السوّاس» في إحدى الزوايا المهجورة أو بين أشجار الزيتون في أحد الحقول.
✿✦وأذكر أنه كان يفضّل الجلوس في المقاعد الخلفية من الباص يدردش مع المقرّبين والأحبة وما أكثرهم. وأذكر قوله، دلالة على الاعتداد بالنفس، الموجّه إلى مستشار الجمعية آنئذ المرحوم صبحي الصواف: «أنت إذا متّ ستحزن عليك زوجتك أم سليم، أما أنا إذا متُّ فستحزن عليّ مدينة حلب بأكملها».
✿✦ ومازلت أحتفظ بصورة تذكارية أُخذت لنا معاً بتاريخ الجمعة 17/4 /1970 في إيوان قصر العظم، الذي حوّل إلى متحف التقاليد الشعبية في حماة.
✿✦وأذكر أنه كان يتحدّث بهدوء وبجمل بسيطة وكان في ذلك الحين يدرّس في مدرسة الحكمة (مستشفى ألطونيان سابقاً، وقد هدم البناء). وكم كان يتبادل التعليقات «المدهنة» والمزاح مع عضو الجمعية المرحوم المهندس نشأت شحادة.
✿✦وعندما مرض الأسدي آخر مرّة وأدخل مستشفى «الكلمة» كان الاستاذ جبرائيل غزال يزوره غالباً، ويصطحب معه بعض الموز الذي كان الأسدي يستسيغ أكله بمتعة. ويحضرني هنا، ما كان قد ذكره لي يوماً الأستاذ جبرائيل غزال عن رحلة إلى أوروبا شارك فيها والأسدي مع أساتذة وطلاّب السنة الرابعة لكلية الهندسة بحلب في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي .
✿✦وفي طريق العودة من استنبول إلى إزمير أو اسكندرون عن طريق باخرة تركية كانت تحمل بين ركابها أحد الدراويش الأتراك من المتصوّفة، وكان «على البَرَكة»، كما يبدو من ثيابه المهملة، وقد عقد معه الأسدي صحبة قوية للعظم ومضى يحدّثه طيلة الطريق بالتركية التي يتقنها، وقد انزوى به واعظاً ومرشداً لساعات عديدة. مما جعل الدرويش المسكين يقتنع بالرحيل إلى الآخرة بأسرع سبيل؟.
✿✦ أنا أعلم أن هناك قولاً: «فلان بحديثه يلهي الحمار عن عليقه». ترى ما الحديث الذي أوصل الدرويش إلى آخرته؟ كان المرحوم الأسدي ذا ماض مجيد في التدريس والتأليف وقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة في جمعية العاديات.
✿✦كان يحتفظ بمجموعة هائلة، يعتزّ بها، من الصور (بالأسود والأبيض) لرحلاته العديدة داخل القطر وخارجه في البلاد العربية والأوروبية والآسيوية. وكان من أصدقائه المقرّبين الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي والدكتور إحسان شيط والأديب وليد إخلاصي.
✿✦كم كانت جملته الأخرى تحزّ في النفس، وكان يردّدها غالباً:«اكسبوني قبل أن أموت». وعندما أحسّ بدبيب الموت أوصى بأن يقام له ضريح تكتب عليه فقط عبارة «خير الدين الأسدي».
✿✦وكانت وفاته المأساة المفاجئة في 29/12/1971 التي لم يشعر بها أحد. ويحضرني هنا القول الساخر المؤلم:«المتزوج يعيش عيشة الكلاب والأعزب يموت ميتة الكلاب».
✿✦ أجل الأعزب الذي يعيش وحيداً، عند اقتراب وفاته لا يكون هناك من يعتني به و«يدير باله عليه».
✿✦وهذا ما حصل مع علّامتنا الأسدي، توفي دون أن يحسّ به أحد. مأساة وفاة الأسدي: وأذكر هنا من باب المشاركة بالألم ما كتبه الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي عن مأساة وفاة الأسدي .
✦✿✦في صباح التاسع والعشرين من كانون الأول عام 1971 جاء الدكتور إحسان شيط ليزور صديقه في «المبرّة» (دار المبرّة الإسلامية)، سأل الممرضة: كيف حال الأستاذ اليوم؟ قالت: هو في خير! أسرع إلى غرفته فوجده قد أسلم الروح منذ مدّة، عاد إليها ليقول لها إنه ميت. اتّصلت المبرّة بالبلدية، واتصلت البلدية بدائرة الدفن، وتهاونت المبرة بالاتصال بذويه وأصدقائه من الأدباء. وحضرت سيارة بيك آب وُضعت فيها الجثّة بلا تابوت، وأخذ السائق ينهب الأرض إلى مقبرة الصالحين حيث استلمه التُرَبي (حفّارالقبور) وحمله تحت إبطه قائلاً:
«ميّتكم خفيف مثل الريشة».. وعادت السيّارة لم تنتظر أن يُدفَن.
✦وقف التربي متحيّراً .. أين يدفنه، وربما قال في نفسه: إنه غريب لا أهل له ولا أصدقاء.. ولا قبر.
✦ وضعه على الأرض في زاوية المقبرة وأخذ يحفر في ممرّ بين قبرين، حتى إذا وجد أن العمق قد أصبح كافياً مدّد الجثّة في الحفرة وراح يهيل عليها التراب.
✿✦هكذا حُمل الأسدي إلى مثواه الأخير وحيداً غريباً .. بلا جنازة ولا مشيّعين. وفي تربة المدينة التي عشقها وخلّدها لم يجد مساحة مترين تكون له قبراً تهدأ فيه عظامه. بعد أيام ذهب القاضي نبيه الجبل والأستاذ وليد إخلاصي إلى المقبرة يسألان التُرَبي عن مكان دفنه..
✿✦وبعد جهد تذكّر التربي أو كاد.. ذلك الميت الخفيف الوزن الذي قال عنه سائق سيارة الدفن إنه أديب وعالم واليوم ..لا يزار.. ولا يعلم أحد أين دُفن غير تلميذه القاضي نبيه الجبل الذي سجّل في كرّاس صغير اسم القبرين اللذين دفن بينهما الأسدي كما ادّعى التربي.. ولربما ضاع ذلك الكرّاس الآن وضاع معه مدفن الأسدي إلى الأبد.
✦✿✦(إلى هنا انتهى نص الأستاذ قلعه جي)✦✿✦
✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦
✦✿✦ واليوم: والسؤال الآن، بعد أربعين عاماً على وفاة الأسدي، هل صحيح أن رفاته لم تزل في ممر بين قبرين بلا ضريح في مقبرة الصالحين؟! لقد كتب على قبر أحد الجنود في معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية: «لم تنقصني الشجاعة ولكن نقصني الحظ». وهكذا كان حال الأسدي العالم الزاهد في هذه الحياة مع أهل بلده. بعد وفاته، استيقظ المسؤولون بناء على لفتة كريمة من الرئيس الراحل حافظ الأسد وألّف محافظ حلب الأستاذ أحمد إسماعيل بتاريخ 12 /1 /1972 (أي بعد أسبوعين من وفاته) لجنة لدراسة الوثائق والآثار التي تركها الأسدي وتقديم الاقتراحات لإحياء ذكراه ونشر آثاره. وقرّرت اللجنة إقامة حفل لإحياء ذكراه، وطبع موسوعة حلب، وتخصيص قاعة باسمه في كلية الآداب تعرض فيها آثاره، وإقامة ضريح له، وكذلك نصب له في الحديقة العامة، وتسمية شارع باسمه.
✿✦ يذكر الأستاذ قلعه جي في كتابه عن الأسدي المطبوع عام 1980 أنه لم ينفّذ من هذه القرارات سوى إقامة حفل تأبين في دار الكتب الوطنية بحلب في 28/4/1972 ولم تزل مخطوطاته عن موسوعة حلب غير مطبوعة، ولم يزل جثمانه في ممر بين قبرين بدون ضريح.
✿✦ لقد كنتُ أستمع إلى صوت الأسدي مسجّلاً لدى الدكتور إحسان شيط في عيادته، وكان الأستاذ غزال يقلّد لهجة الأسدي في طريقة حديثه عندما تأتي سيرته في إحدى الجلسات الحميمة في مكتبه للمحاماة في زقاق الصفية.
✿✦ ولا أنسى الجهد الكبير الذي بذلته جمعية العاديات وعضو مجلس الإدارة الأستاذ القاضي المرحوم نبيه جبل للحفاظ على الموسوعة، ومن ثمّ العمل على إصدارها وطبعها بعد تحقيقها في معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب، وقد شارك في التحقيق عضو الجمعية البارز المرحوم الخالد الذكر المطران نيوفيطس إدلبي بالإضافة إلى الأستاذ محمد كمال بجهده الكبير. إن عمل الأسدي في موسوعته تعجز عن القيام به مؤسسة كاملة، وقد أعاد كتابتها، وعدد صفحاتها تسعة آلاف صفحة، بخط يده أربع مرات دون استعمال الآلة الكاتبة أو الحاسوب الذي لم يكن معروفاً زمن الأسدي.
✿✦ لذلك كان فيها تكرار يَختصر، في حال حذفه، ثلث حجم الموسوعة، كما ذكر مبرمجها على الحاسوب الصديق الدكتور أحمد أديب الشعار. وما كان يجعلني أنظر إلى الأسدي بإكبار سعيه الحثيث وراء المعرفة، وبشكل خاص اتصاله بشيخ اللغويين في اللغات الشرقية وهو العلاّمة الألماني إنّو لتمان Enno Littmann الذي رافق البعثات الأمريكية الأثرية لجامعة برينستون إلى سورية في الأعوام 1899 و1904 و1909 وكانت بقيادة هوارد كروسبي بطلر، وأعدّ دراسة جميع نصوص الكتابات الشرقية المكتشفة من آرامية وسريانية وعربية وتدمرية ونبطية وصفائية..
✿✦ لقد قام الأسدي بمراسلته العام 1938 مستفسراً عن أصول بعض الكلمات التي تهمّه معرفتها في موسوعته الغالية عن حلب. رحمك الله يا أسدي، وكم كنت تُسعَد بسماع مَثَل لم يبلغ مسامعك من قبل كي تسجّله في موسوعتك الشعبية الرائعة. وها أنا، في ذكرى السنة الأربعين لرحيلك عن محبيك، أهديك هذين المثلين اللذين روتهما لي الوالدة، وكانت، رحمها الله، تذكرك مع كل مثل يخطر في بالها وتذكره في موقعه من الحديث: بوابة الياسمين والوالدة والأسدي: من بين الأمثال التي سمعتها عن الوالدة، رحمها الله، مثلان أضعهما تحت تصرّف لجنة تسجيل التراث الثقافي اللامادي، يرتبط أحدهما بالبيئة الحلبية و«حي الجديدة» إذ كانت الوالدة من سكان حارة«المبلّط» في الجديدة، ولم يذكر في موسوعة «حلب» لخير الدين الأسدي أو في مجموعة الأمثال الشعبية للأب يوسف قوشاقجي، وهو: – اللي بيسحب عشرة ويصرف عشرين آخرته عاطلة ببوابة الياسمين. (أي سيصبح شحّاذاً يستعطي من القادمين للصلاة في كنائس الصليبة في حي الجديدة والتي مدخلها من بوابة الياسمين).
✿✦ ويعلمنا الرحالة بييترو دي لا فاله الذي زار «حي الجديدة» في حلب العام 1625م وجود كنيسة للسريان منعزلة وأربع كنائس ذات مدخل واحد تجمعها باحة واحدة، كنيستان منها للأرمن وواحدة للروم وأخرى للموارنة. وسكان الحي كانوا يأتون للصلاة يوم الأحد في هذه الكنائس عن طريق بوابة الياسمين (حيث متحف التقاليد الشعبية وسوق الصوف حالياً)، وعند البوابة كان يصطف الشحاذون للاستعطاء لذلك قيل المثل المذكور ابن البيئة والمكان، ولايزال الشارع والكنائس قائمة فيه حتى الآن. – أما المثل الثاني فهو «فِلِتْ مثل عُدْل الجوز» وقصته واقعية: قالت والدتي، رحمها الله: «إن طفلك هادىء ببكائه، بينما طفل ابن اختك عندما يبكي يفلت مثل عدل الجوز». ولما رأت الوالدة في نظراتي تساؤلاً حول معنى المثل، استرسلت تشرحه لي قائلة:« عندما يُدلق خرْج البائع الجوّال المليء بالجوز اليابس تُسمع جلبة كبيرة وعالية من ارتطام الجوزات ببعضها البعض وبالأرض ما جعل الأقدمين يشبّهون ضجيج الجوز المزعج عند انفلاته من العُدل بصراخ الطفل الذي يفلَت في البكاء دفعة واحدة ودون توقّف، فيقولون: « فِلِتْ مثل عدل الجوز».
✿✦ وأضافت الوالدة، رحمها الله، انظر في كتاب صاحبك الأسدي، وتقصد موسوعة حلب المقارنة، كعادتك مع كل مثل يمرّ بنا، لترى ماذا كتب عن هذا المثل. ولجأتُ إلى حرف العين وكلمة «عدل» فرأيت التالي: العدل: نصف الحِمل يكون على جنب البعير. وفي المنجد، العِدْل: الفرارة أي الجوالق. وهم جمعوه على العدول والعدولة. يقولون: إن كنت أنت العُدل أنا رباطو. من كناياتهم: استعنتُ عليك باللي نقبوا العدل (أي الفأر). من أمثالهم: لاتقول سُمسم حتى يصير بالعدل، الرمح ما بيتخبّا بعدل.
✦✿✦ (انتهى كلام الأسدي رحمه الله)✦✿✦
✿✦ فقالت الوالدة بسرور: أرأيت؟، إنه لم يذكر المثل: فلِتْ مثل عدْل الجوز. فقلت للوالدة: انتظري حتى أرى كلمة «الجوز» في حرف الجيم. وقرأت ما كتبه الأسدي عن الجوز، فكان من بين ما كتب: (من استعاراتهم): فلان جوزته زغيرة أي عقله صغير. وجوزتين في الخرج بقرقعوا. فقلتُ لوالدتي: أرأيتِ كم اقترب الأسدي من المثل الذي ذكرته، فقالت: أجل ، لكنه لم يذكره بالذات: «فِلِت مثل عدل الجوز». رحمك الله يا أسدي! كم كان سرورك عظيماً باستماعك إلى مَثَل جديد تضيفه إلى موسوعتك. أجل رحلتَ عنا قبل أربعين عاماً ولكنك باق في ذاكرة حلب متجذّرًا بأصولها مثل قلعتها الشماء.
✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦
✿✦ يذكر الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي الحادثة العام 1956 في كتابه عن الأسدي الذي صدر العام 1980 (2) لدى الاتصال بالأستاذ عبد الفتاح قلعه جي حديثاً (1/6/2011) للاستفسار عن ضريح الأسدي أعلمني أن ابن أخت الأسدي اهتم بعمل ضريح بسيط بعد الاستعلام عن موقع دفنه والذي كان بين قبر رجل من آل الجابري وقبر زوجته اختفى القبر بالإهمال ثانية. وكان المرحوم المهندس عدنان إخلاصي قد أعدّ تصميم ضريح فخم للأسدي كي تقوم البلدية بتنفيذه لكن ذلك لم يتمّ. وهناك تمثال نصفي صغير للأسدي لعله محفوظ في معهد التراث فَلَتَ: كلمة عربية فصحى تعني أطلق .
✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦
–المصدر: جريدة الجماهير
فضاءات الجماهير الثقافي
✍إعداد الأستاذ الباحث: عبد الله حجار✍
– موقع المصرى اليوم – موقع عكاظ
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
*********


