كتب:د.عصام عسيري.تعليم الفنون في السعودية:رحلة الإبداع من التتلمذ الحرفي للاقتصاد المعرفي.

تعليم الفنون في السعودية: رحلة الإبداع من التتلمذ الحرفي للاقتصاد المعرفي

د. عصام عسيري

الفن ليس مجرد رفاهية بصرية، بل هو لغة إنسانية وُلدت مع الإنسان الأول حين سعى لستر جسده وبناء مسكنه وزخرفته. وفي المملكة العربية السعودية، لم تكن رحلة تعليم الفنون استثناءً من هذه القاعدة، بل مرت بتحولات عميقة تعكس تطور المجتمع والدولة. فكيف بدأت هذه الرحلة؟ وما هو واقع التربية الفنية في مدارسنا اليوم؟ وكيف يمكن للفن أن يكون محركاً لاقتصاد المستقبل؟

تستند هذه القراءة إلى ورقة بحثية أعدتها، بعنوان (تعليم الفنون في المملكة العربية السعودية بين الواقع والمأمول).

جذور مبكرة: حينما كان الفن حرفة تُتوارث
قبل أن تعرف البلاد التعليم النظامي، كان تعليم الفنون يعتمد على أسلوب التتلمذ. كانت الفنون تتجسد في الحرف الشعبية والعمارة التي تكيفت مع جغرافية الأقاليم؛ فمن بيوت الحجر في الجنوب، إلى بيوت الخشب والقش في السواحل، وبيوت الطين في الوسط والشمال. كانت أسرار الصناعة والزخرفة تنتقل من الجد إلى الأب ثم الإبن فالحفيد عبر الممارسة والمشاهدة.

أما البدايات الحقيقية لتعليم الفنون النظامي، فقد انطلقت من منطقة الحجاز قبل الحكم السعودي الثالث. وتبرز هنا محطات تاريخية مبكرة ومدهشة:

مدرسة الفلاح بجدة عام 1905 ثم مكة 1912: شهدت تدريس مادة الخط العربي على يد رائد تعليم الفنون الخطاط محمد طاهر كردي.

المدرسة الخيرية العارفية بمكة المكرمة 1908: أدرجت مادة الرسم ضمن مناهج الصفين الثالث والرابع الابتدائي.

المدرسة الناصرية بالمدينة المنورة 1925: كانت تُدرّس مادة الرسم، وهو ما يُعد من أقدم التواريخ الموثقة لتعليم الفنون في المملكة.

:رعاية الدولة وصناعة الرواد
مع نشوء الدولة السعودية الحديثة، أخذ تعليم الفنون طابعاً رسمياً. ومن المحطات المضيئة في تاريخنا الثقافي، رعاية الملك سعود رحمه الله شخصياً لأول معرض فني تشكيلي طلابي عام 1958، والإنفاق عليه بسخاء رغم الظروف الاقتصادية آنذاك، مما يعكس إيمان القيادة المبكر بأهمية الفن.

ولعل نقطة التحول الكبرى كانت في عام 1965 بتأسيس معهد التربية الفنية الثانوي للبنين، الذي استقطب أساتذة من العراق ومصر. هذا المزيج أثمر عن تخريج الرعيل الأول من مبدعي الحركة التشكيلية والمسرحية في السعودية، والذين تأثروا بأساتذتهم، لينطلقوا بعدها في بعثات خارجية إلى إيطاليا وأمريكا، ويعودوا لتأسيس الأقسام الأكاديمية في الجامعات السعودية منذ منتصف السبعينات.

المناهج الحديثة: بين شمولية النظرية وصعوبة التطبيق
في عام 2002، شهدت التربية الفنية نقلة نوعية حين أُسند تطوير مناهجها إلى قسم التربية الفنية بجامعة أم القرى. تم الاعتماد على نظرية التربية الفنية النظامية (DBAE) الأمريكية، والتي حولت الفن إلى مادة دراسية رصينة تعتمد على أربعة محاور: الإنتاج الفني، تاريخ الفن، النقد الفني، وعلم الجمال.

نجحت هذه المناهج في تعزيز الهوية الوطنية وإدراج التراث والفنون الإسلامية والشعبية. إلا أن الواقع الميداني كشف عن تحديات جوهرية:

  • عقبات فلسفية: واجه المعلمون صعوبة بالغة في تدريس محاور مثل علم الجمال والنقد الفني للأطفال والمراهقين، نظراً لتعقيدها الفلسفي.

-نقص التدريب: لم يحظَ المعلمون والمشرفون بتدريب كافٍ على هذه المناهج العميقة، مما أدى لعودة البعض لطرق التدريس التقليدية المعتمدة على الإنتاج فقط.

  • تكاليف مادية: تنوع المجالات (خزف، نسيج، طباعة.. الخ) أثقل كاهل الأهالي بتوفير خامات مكلفة، في ظل نقص المعامل والأدوات داخل المدارس.
  • توقف التطوير: تجمدت المناهج عند نظرية (DBAE) متجاهلة النظريات الأحدث عالمياً مثل الثقافة البصرية والتربية الإبداعية. نحو مستقبل تقوده الصناعات الإبداعية:
    لا يمكن للتربية الفنية أن تبقى بمعزل عن التحولات الكبرى. ففي ظل توجه الدولة نحو استراتيجيات اقتصاد ما بعد النفط، يجب أن يكون الفن شريكاً في الاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة. الاقتصاد القادم سيعتمد بشدة على الإبداع، الذكاء الاصطناعي، والصناعات الثقافية.

ولكي تقود التربية الفنية هذا التغيير، طرح الباحث توصيات منها:

-تطوير الفنون الإسلامية والشعبية لتقديم بدائل للمدارس الغربية، بما يتوافق مع الهوية المحلية

  • زيادة الحصص الأسبوعية وتقسيم المادة لتشمل فنوناً مسطحة (2D)، مجسمة (3D)، وثقافة بصرية.

-إجراء بحوث أكاديمية تقيس الأثر الفعلي لتعليم الفنون على الاقتصاد المحلي والتنمية الاجتماعية والمستدامة.

ختامًا: إن الفن في جوهره هو مرآة المجتمع ومحرك لابتكاراته، وإعادة صياغة تعليمه اليوم هي استثمار مباشر في بناء شخصية الفرد وصناعة عقول مبدعي الغد.

رأيكم وخبرتكم تثري الموضوع؟

أخر المقالات

منكم وإليكم