كتبت من تونس:دنيا فهمي.الجسد والذاكرة البصرية:مقاربة في البنية التشكيلية لأعمال: فيصل لعيبي.

الجسد والذاكرة البصرية: مقاربة في البنية التشكيلية لأعمال فيصل لعيبي
دنيا فهمي، تونس
لا تبدو شخصيات فيصل لعيبي وكأنها تنتمي إلى لحظتها الزمنية بقدر ما تبدو مستقرة خارجها، كأنها خرجت من نظام بصري أقدم وأعادت تموضعها داخل مشهد يومي معاصر. رجل في مقهى، امرأة في فضاء داخلي، أدوات بسيطة تحيط بالمشهد كل شيء يبدو مألوفًا، ومع ذلك لا يُقرأ بوصفه عابرا.
هذا الإحساس لا يتأتى من الموضوع، بل من بنية الصورة نفسها. فالمشهد، على بساطته، محكوم بنظام بصري يعيد ترتيب العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الجسد وفضائه. ومع التمعّن، يبدأ هذا النظام بالكشف عن مرجعيته، لا كاقتباس مباشر، بل كامتداد بصري يعيد تفعيل صيغ أقدم داخل بناء معاصر.
في هذا السياق، يمكن قراءة تجربة لعيبي بوصفها اشتغاللا واعيا على إعادة تأسيس صلة بين الفن العراقي المعاصر ومرجعياته الرافدينية. هذه الصلة لا تقوم على استدعاء الرموز أو الموضوعات التاريخية، بل على استعادة منطق في بناء الجسد ذاته. تظهر الأكتاف في وضعية مواجهة تمنح الشخصية ثباتًا وهيبة، فيما يحتفظ الوجه بانحراف جانبي خفيف، مولدا توترا محسوبا بين المواجهة والانزياح. هذا التركيب لا يحاكي نموذجا تاريخيا حرفيا، لكنه يعيد تشغيل مبدأ بصري عرفته الجداريات الرافدينية، حيث يبنى الجسد عبر تعددية في زوايا الرؤية تمنحه طابعًا أيقونيا مستقرا.
ولا يتوقف هذا الاشتغال عند الجسد، بل يمتد إلى كامل البنية التشكيلية. فاللون يستخدم بوصفه عنصرًا بنائيا، عبر مساحات صافية ومسطحة تتجاور ضمن علاقات دقيقة، بعيدًا عن الإيهام بالعمق. اللون هنا لا يصف الواقع، بل يعيد تنظيمه، ويُسهم في تثبيت الإيقاع العام للعمل. كما تحاط الكتل بخطوط واضحة تمنحها استقلالًا بصريًا، في توازٍ مع تنظيم هندسي للفضاء يوازن بين الامتلاء والفراغ، ويعزز من استقرار التكوين.
ضمن هذا النظام، تكتسب التفاصيل اليومية كفنجان الشاي، أدوات العمل، أو مفردات البيئة المحلية وظيفة تتجاوز التوثيق. فهي لا تُقدَّم كعناصر وصفية، بل كعلامات دلالية تُثبت المشهد داخل سياق ثقافي محدد، وفي الوقت نفسه تفتح على بعد أوسع، حيث يتحول اليومي إلى حامل لذاكرة ممتدة.
وهنا تحديدا يحدث التحول الأهم: الشخصيات لا تبقى أفرادا داخل لحظة، بل تتحول إلى صيغ بصرية مستقرة تتجاوز زمنها المباشر. فالعامل، والمرأة، ورواد المقهى، يُعاد تقديمهم بوصفهم امتدادات لذاكرة حضارية، لا بوصفهم موضوعات آنية. هذه المعالجة هي ما يمنح العمل طابعه التأملي، حيث يتداخل اليومي مع التاريخي دون قطيعة.
إن ما ينجزه فيصل لعيبي يتجاوز فكرة الاستلهام، ليقترب من مشروع بصري يقوم على إعادة تفعيل القيم التشكيلية الكامنة في الفن الرافديني داخل سياق معاصر. الماضي هنا لا يستعاد كمرجع جاهز، بل يعاد بناؤه داخل لغة بصرية جديدة، حيث يغدو عنصرا فاعلا في تشكيل رؤية حديثة.
خاتمة:
في ضوء ذلك، لا يمكن النظر إلى تجربة فيصل لعيبي بوصفها توثيقًا للحياة اليومية فحسب، بل بوصفها ممارسة بصرية تعيد تعريف العلاقة بين الحاضر وطبقاته العميقة. إن ما يرسخه الفنان ليس صورة للواقع، بل طريقة في رؤيته طريقة تجعل من الجسد وسيطًا لذاكرة ممتدة، ومن اللوحة فضاء تتعايش فيه الأزمنة بدل أن تتعاقب.
ومن هنا، تكتسب هذه التجربة أهميتها، لا لأنها تعود إلى الجذور، بل لأنها تعيد صياغتها داخل أفق معاصر، مؤسسة لإمكانية قراءة الفن العراقي بوصفه امتدادا حيا لذاكرته البصرية، لا انقطاعا عنها.

دنيا فهمي #فيصل لعيبي #نقد فني #فن عراقي #فن معاصر #الحضارةالرافدينية #تاريخ الفن #تحليل بصري #تشكيل #الهوية_البصرية

ArtCriticism

ContemporaryArt

أخر المقالات

منكم وإليكم