كتبت: سمر عزيز.مقالة عن:بسمة: حكاية (يولاند أسمر ) التي أطلقت ضحكتها من حلب (1930م-1988م).

بسمة: حكاية يولاند أسمر التي أطلقت ضحكتها من حلب (1930-1988)

في مدينة حلب عام 1930، حيث الأزقة العتيقة تحفظ أسرار الموسيقى والطرب، ولدت طفلة لم تكن تعلم أنها ستصبح يوماً أحد رموز الزمن الجميل، إنها يولاند أسمر التي عرفها الناس فيما بعد باسم “بسمة”. كان والدها أستاذاً في مدرسة الأرض المقدسة بحلب، وقد درس فن الإخراج في القدس، فجاء إلى بيته يحمل شغفاً دفيناً بالمسرح والثقافة، وكان هذا البيت هو الحاضنة الأولى لموهبة ابنته التي لم تتفتح بعد. في زمن كان خروج المرأة إلى خشبة المسرح أشبه بالمغامرة، وجدت يولاند الصغيرة في نادٍ كاثوليكي مسرحي أسسه والدها بين عامي 1945 و1946 ملاذها الأول، فوقفت على الخشبة تؤدي أدواراً من مسرحيات موليير العالمية، من “البورجوازي النبيل” إلى “النساء العالمات”، فصقلت لغتها الإلقائية وشحذت حضورها المسرحي. وفي كنيستها بحلب، كانت المرنمة الرئيسية في الفرقة الغنائية، تملأ الفضاء بصوت دافئ روحاني، وكأن جدران الكنيسة كانت تمنح صوتها ذلك العمق الذي سيأسر القلوب لاحقاً. وجاء اليوم الذي التفت فيه الأستاذ أنطوان زابيطا، مدير دائرة الموسيقى في إذاعة حلب، إلى ذلك الصوت الواعد وطلب منها الغناء عبر الأثير، فكانت تلك لحظة التحول الكبرى في حياتها. انطلقت يولاند من الإذاعة لتشق طريقها في عالم الغناء، لكنها لم تكن مطربة عادية، بل تميزت بتقديم أغنيات عالمية مترجمة إلى العربية الفصحى على ألحان عظماء الموسيقى مثل شوبان وموزار، صاغ كلماتها الشاعر شارل خوري وضبطها عزيز غنام، وأعادت إعدادها لاحقاً مع الموسيقار الكبير صلحي الوادي وسجلتها للتلفزيون السوري. تنقلت بين الأغاني العاطفية والأناشيد الوطنية والترانيم الدينية وأغاني الأطفال، حتى تجاوز رصيدها الغنائي خمسمئة أغنية مسجلة، وهو إرث هائل يصعب على كثيرين مضاهاته. ولأن الفن الحقيقي لا يعرف الحدود، انتقلت بسمة من الإذاعة إلى الشاشة الكبيرة، فكانت جزءاً من أروع ما أنتجته السينما السورية، وظهرت في فيلم “المخدوعون” عام 1972 عن رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” للمخرج توفيق صالح، وهو العمل الذي صُنف لاحقاً ضمن أهم مئة فيلم في تاريخ السينما العربية. وتوالت مشاركاتها السينمائية فكانت في “عنتر فارس الصحراء” و”أيام في لندن” و”زواج على الطريقة المحلية” و”حبيبي يا حب التوت”، وصولاً إلى فيلم “الحدود” عام 1984 مع الفنان دريد لحام، ذلك العمل النقدي الخالد الذي رسخ حضورها في الوجدان السوري. أما في الدراما التلفزيونية، فقد كانت حاضرة في العصر الذهبي للمسلسل السوري، فشاركت في “فوزية” و”حارة الملح”، وكان لها دورها المميز في مسلسل “أبو خليل” الذي تناول سيرة رائد المسرح العربي أبي خليل القباني. وفي عام 1988 أسدل الستار على هذه الحياة الحافلة، فرحلت بسمة عن عالمنا تاركة خلفها إرثاً فنياً لا يبلى. هكذا عاشت يولاند أسمر حياتها بين المسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون، لا يحدها لون فني واحد، ولا تكبلها قيود التصنيفات الضيقة، بل كانت فنانة شاملة تمثل نموذج المرأة السورية المثقفة والمبدعة في القرن العشرين. جمعت بين الغناء الكلاسيكي الرفيع والتمثيل الملتزم الهادف، وبقي صوتها وحضورها شاهدين على زمن الفن الجميل القائم على الدراسة والموهبة والاحترام العميق للمتلقي. ويكفي أن اسمها الفني كان “بسمة”، تلك الابتسامة التي لم تفارق محياها طوال عمرها، فكانت بحق مرآة لروحها المشرقة وفنها النبيل.

سوريات_souriat

سمر عزيز

أخر المقالات

منكم وإليكم