كتبت د.ميساء علي عن العلاقة بين ادونيس وابن عربي الذي امن بالجمع بين وحدة العقل والروح

 بين ابن عربي وادونيس.

د.ميساء علي

إبداع أنساق فكرية لديه متنوعة تمثلت في الرمز والشعر والنثر. إذْ تمكن من استيعاب العقلية الجماهيرية على تنوعها بِحبٍّ ومساواة دون أن يخسر أحداً منها وبنفس الوقت توقّى كل عنف وتطرف معرفي أو ديني.

 لكن إذا استبعدنا التجديد عند ابن عربي، ونظرنا إلى مضمون توجهه رأيناه يعكس مواربته المتعمّدَة للقول باللامساواة مع الآخر المختلف. فتكون معرفته تتضمن النقيض وضده معاً. لذلك لم يسلّم ابن عربي بوحدة العقل بمفردها ولا بوحدة الروح بل جمع بينهما، لأنه تنبّه إلى التنوع والغنى و الإبداع الحاصل من اجتماعهما، وقد عبّر ابن عربي عنه بمفهوم الفَتْح فقال: على قَدَرِ الهمّة…، فطاقات العقول مختلفة وطاقات الروح أيضاً، وكما تتباين كفاءات العلماء في الدراسة الظاهرية علواً وانفتاحاً وعبقرية هنا وجموداً هناك، كذلك تتباين كفاءات المتطهِّرين العابدين في الفَتح والكشف.

ما يجعل ابن عربي في تبني النقيض وضده أمراً متغلغلاً في كل فلسفته الصوفية، أمّا أدونيس لم يلجأ للمواربة بل كان صريحاً في كشف أكذوبة ديمقراطية الدين، حيث اعتبرها خدعة لا تتعدى كونها وَهْماً لاستمالة القطيع فكرياً واستباحة عقل الآخر بمفاهيم تسمح للأنا إحكام السيطرة . فالعدل يقرن بالمساواة لا التسامح، وإذا كان ولابدّ أن يقبل التسامح، فهو يرفضه تحت وصية الدين، وينحو به منحى إنساني يتضمن احتواء الآخر بكل تناقضاته بعقل منفتح على التغيير وإحياء الإنسان لا قتله، وبقلب وَسَعَهُ الله فكيف به لا يَسِعُ أخاً بالإنسانية؟!

أما الحب عند أدونيس جاوز به إلى المستوي الروحاني الذي يقتضي التشبه لدرجة التماهي في الآخر، فكل لقاء عاشقين هو لقاء روحي يمنح الحياة لكل منهما، هو انفتاح على الكون وأسراره لذلك كان للحب شبه النار حيث أننا نعيش النار بخبرتنا رغم عدم استمرارية فعل النار، يأخذ فعل الحب عنده فعل الإبداع الذي بتجاوز الحسي إلى عالم الروح فيَمنح العاشق رؤيا هي النور الذي به تنقشع الحجب وتشف ليرى مالا يمكن رؤيته.

لقد جعل أدونيس من الحب حالة عامة فهو حين يباشر اللغة يتماهى معها ويصبحان كياناً واحداً، حيث تنطق اللغة وتُبدِع الكلمة هذا هو النكاح الفكري والروحي الذي تحدث عنه ابن عربي الذي تحصل به المعاني المجردة والأرواح المعنوية، إنه التوجّه الإلهي لخلق صورة على مثال صورة الله بالنَّفخ ،غير أنّ هذا النكاح المعنوي يقتضي جعل المرأة صورة للألوهة الخالقة كونها المحبوبة، فيكون الانجذاب إليها من قبيل انجذاب الفرع إلى الأصل، ما يجعل المرأة مبدأ الوجود، وانجذاب المرأة إلى الرجل كونه زوج لها، والزوج يقتضي المشابهة، بالتالي وجبت المساواة بينهما على المستوي الأنطولوجي، لأن الاختلاف بينهما مردَّه إلى المستوى الأبستمولوجي لا الإنساني ولا الجنسي لديه.

أمّا المرأة عند أدونيس تعكس الاحتواء والعمق والانفتاح على سرّ الوجود والحياة بقوله:إذا ما بحثت عن الخالق، فاذهب إليه عبر المرأة، فهي النور الذي يصل السماء بالأرض، وكي نتوصل إلى جوهر الكون عليك أن تمر بالمرأة أي أن تمر بالحب.

أخر المقالات

منكم وإليكم