كتبت اميرة ناجي عن لوحات كارافاجيو ..التي يصلها الضوء كما لو انه يعرف اسرارها كلها.

كارافاجيو… ضوءٌ لم ينقذ صاحبه في لوحات كارافاجيو، يصل الضوء إلى الوجوه كأنه يعرف سرّاً عنها. يضيء جبيناً متعباً، ويداً خشنة، وعيناً اتّسعت أمام حدث لا تستطيع فهمه، ثم يترك بقية المكان غارقاً في العتمة. أمام هذه المشاهد، نشعر أن ما يجري قريب منا إلى حدّ الاضطراب؛ أن الشخصيات تستطيع مغادرة اللوحة، وأن الألم الذي نراه قد عرفناه في وجه إنسان مرّ بنا.وراء هذا الرسم، عاش رجل استطاع أن يمنح العالم صوراً استثنائية، لكنه عجز عن تهدئة حياته. امتلك قدرة نادرة على مراقبة الآخرين، وعلى التقاط ارتباكهم وضعفهم، بينما ظلّ غضبه يقوده إلى خصومات انتهت بإبعاده عن المدينة التي صنعت شهرته.وُلد ميكيلانجيلو ميريسي، المعروف بكارافاجيو، سنة ١٥٧١، وأصبح أحد أبرز المجدّدين في الرسم الأوروبي. جاءت قوته من واقعيته الحادّة، ومن طريقته في استخدام الضوء والظل لبناء مشاهد ذات تأثير عاطفي عميق. وكان اقتراب الأشخاص من مقدمة اللوحة يمنح المتلقي إحساساً بأنه يقف معهم داخل المكان، على مسافة قصيرة من أيديهم ووجوههم.لم تكن روما التي عاش فيها مدينة للفن والكنائس والقصور وحدها؛ كانت أيضاً مدينة تتجاور فيها المصالح والمنافسات، ويختلط فيها نفوذ الرعاة بخشونة الشارع. وجد كارافاجيو طريقه إلى دوائر الرعاية المهمة، وكان الكاردينال فرانشيسكو ماريا ديل مونتي من أبرز من احتضنوا موهبته. ثم جاءت تكليفاته الدينية الكبرى، ومنها أعمال حياة القديس متّى، لتمنحه شهرة واسعة وتضع تجربته أمام جمهور أكبر. غير أن دخوله تلك الدوائر لم يُبعد الشارع عن لوحاته. استعان بأشخاص من الحياة اليومية، بينهم متسوّلون ونساء يعملن في البغاء، ليجسّدوا شخصيات دينية. أثار ذلك اعتراضات، لأن بعض المتلقين كانوا ينتظرون وجوهاً مثالية تليق بالصورة المألوفة عن القداسة. أما هو، فقد منح الجسد العادي مكانه داخل المشهد؛ جسداً تظهر عليه آثار العمر والعمل والحاجةيمكن قراءة هذا الاختيار باعتباره موقفاً فنياً من الإنسان. فالوجه المتعب لا يفقد قيمته بسبب تعبه، واليد الخشنة تستطيع أن تحمل معنى الرحمة، والملامح التي أهملها المجتمع تستحق أن ننظر إليها طويلاً. بهذا الاقتراب، صار الحدث الديني عند كارافاجيو قابلاً لأن يُرى ويُحسّ، وصارت المسافة بين الحكاية القديمة والحياة اليومية أقصروتقوم تقنيته على تنظيم النظر بدقة. مساحات الظل تحجب تفاصيل كثيرة، فيتجه البصر نحو الجزء المضاء: حركة أصابع، ميل رأس، أو تعبير خاطف على وجه. ومن هذا الانتقاء تنشأ قوة المشهد. لا نحتاج إلى معرفة كل ما في الغرفة؛ يكفينا أن نرى ما يغيّر مصير الشخصيات داخلها. وقد أسهم هذا الاستخدام للضوء، مع الحضور القريب للأجساد، في تأثيره الكبير على رسامين جاؤوا بعدهلكن الدقة التي حكمت لوحاته لم تحكم سلوكه. ففي سنة ١٦٠٦، دخل في مواجهة بالسيوف قُتل فيها رانوتشو توماسوني. تختلف الروايات حول سبب النزاع؛ منها ما يربطه بلعبة كرة، ومنها ما يشير إلى خلاف على امرأة. أما النتيجة المؤكدة فكانت رحيله عن روما، وبداية سنوات من التنقل والخوف والسعي إلى العفو. هنا تتخذ سيرته قسوتها الحقيقية. فالشهرة لم تمنحه حصانة من عواقب العنف، والرعاة الذين أعجبوا برسومه لم يستطيعوا توفير الأمان الدائم له. غادر المدينة حاملاً موهبة تفتح له الأبواب، وماضياً يهدد بإغلاقها. وكل مكان يصل إليه يمنحه فرصة جديدة، لكنه لا يمحو ما سبانتقل إلى نابولي، ثم إلى مالطا، حيث وجد في الانضمام إلى فرسان مالطا أملاً في تحسين موقعه والسعي إلى عفو بابوي. وفي تلك المرحلة رسم «قطع رأس يوحنا المعمدان»، أحد أعماله الكبرى. غير أن نزاعاً جديداً مع أحد الفرسان أدخله السجن؛ ثم هرب، وطُرد من التنظيم. وبعد مالطا، مضى إلى صقلية، قبل أن يعود إلى نابوقد تغرينا هذه الوقائع بقراءة كل عتمة في لوحاته باعتبارها خوفاً شخصياً، وكل مشهد عنيف باعتباره اعترافاً. لكنها تظل قراءة محتملة، ولا يصح أن تتحول إلى تفسير وحيد لأعماله. فقد كانت لديه مسائل فنية ودينية يشغلها الرسم، وكانت خبرته في بناء المشاهد أوسع من تفاصيل سيرته. ومع ذلك، يصعب تجاهل التقارب بين حياة فقدت استقرارها، وأعمال متأخرة يتعمق فيها التوتر النفسي. ويشير متحف المتروبوليتان إلى أن رسمه في أواخر حياته أصبح أكثر اهتماماً بالبعد النفسي للحكاية.في هذا التقارب يكمن جانب من جاذبيته المستمرة. نحن نرى رساماً يعرف كيف يلتقط ضعف الإنسان، ثم نقرأ عن رجل لم يستطع حماية نفسه من اندفاعه. ولا يجعل ذلك الجريمة أقل فداحة، كما لا يلغي قيمة ما أنجزه. يضعنا أمام السؤال الصعب الذي تتركه بعض السير: كيف تجتمع حساسية استثنائية تجاه الألم مع القدرة على التسبب به؟مات كارافاجيو سنة ١٦١٠ في بورتو إركولي، وهو في الثامنة والثلاثين، خلال رحلة كان يأمل أن تقرّبه من العودة إلى روما.وتبقى تفاصيل نهايته وسبب وفاته موضع نقاش، فلا يصح تقديم رواية واحدة عنها باعتبارها حقيقة محسومة. انتهت حياته مبكراً، وبقيت الوجوه التي رسمها تحدّق فينا. وجوه تحمل الدهشة والخوف والتعب، وتمنح أصحابها حضوراً لا يستطيع الزمن إضعافه بسهولة. وربما كان هذا أعمق ما تركه: قدرته على جعلنا نتوقف أمام إنسان، ونرى في ملامحه ما كانت النظرة العابرة ستفوّته.عرف كارافاجيو أين يضع الضوء كي يكشف وجه الآخرين. أما حياته، فظلّت تبحث عن موضع آمن تقف فيه.

#الفن والنقد التشكيلي# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم