كتبت الصحفية المصرية ( إيستر فادي )..مقالة بعنوان: أيمـن السمـري… من التجريد إلى مفاهيمية ‘أمشـاج’ – مشاركة: د.حسن داود.

صبــــاح الخيــــر 🌿🌺🌺🌿
مقالي غداًبـــ”جريــدة القاهرة “
التابعة لوزارة الثقافة المصرية
الثلاثاء 20يناير 2026
صفحة “فنـــون “
وافر الاحترام والتحية لحضرتك ا/طـــارق رضـــوان 🌿🌺🌺🌿
Tarek Radwan
@highlight
Ayman Elsemary
Mohammed Talaat Ali

أيمـن السمـري… من التجريد إلى مفاهيمية ‘أمشـاج’

يطرح الفنان التشكيلي “أيمن السمري – 1965” في معرضه ‘أمشاج’ بجاليري مصر سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود الشكل واللون ليمس صلب الممارسة التشكيلية ذاتها، لا يأتي هذا المعرض كحلقة تالية في سلسلة متصلة، بل يقف عند منعطف حاسم يعيد فيه الفنان النظر في أدواته ومفاهيمه، فما كان يمثل في مراحل سابقة اشتغالاً على “التجريد الشكلي”، يتحول هنا إلى “تأمل مفاهيمي” في طبيعة السطح البصري وعلاقته بالزمن والذاكرة، هذا التحول من التجريد إلى المفاهيمية ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو “نقلة فلسفية” تضع العمل الفني أمام مرآة تساءله عن ماهيته ووظيفته، في هذا السياق، تتحول اللوحة من كونها حصيلة نهائية لعملية إبداعية إلى كونها سجلاً حياً لعملية التفكير ذاتها، إلى حقل مفتوح للأسئلة أكثر منه إجابات مغلقة.
من هذا المسار، يمكن قراءة ‘أمشاج’ بوصفها عملية “تفكيك نقدي” للمشروع الفني السابق للسمري، فالفنان لا يبني هنا على ما أنجزه سابقاً بقدر ما يحفر تحت أساساته، التجريد في أعماله السابقة كان بحثاً عن جوهر بصري خالص، عن لغة شكلية قادرة على التعبير من خلال العلاقات اللونية والخطية المجردة، لكن هذا البحث، مع الوقت، وصل إلى حدوده، فجاء ‘أمشاج’ ليقترح مساراً مختلفاً… ليس البحث عن الجوهر من خلال التجريد، بل الكشف عن “التعقيد من خلال التركيب”، السطح لم يعد مساحة محايدة لاستعراض العلاقات الشكلية، بل أصبح كياناً مستقلاً له تاريخه وذاكرته، هذا التحول يمثل مراجعة ذاتية نادرة في الوسط الفني، حيث يجرؤ الفنان على مساءلة مبادئه الخاصة، على تفكيك مقولاته البصرية لإعادة تركيبها من منظور جديد، إنها نقلة من الفن كحل لمشكلة شكلية، إلى الفن كتعبير عن إشكالية وجودية.
وحيث يتحول السطح من كونه حاملاً سلبياً للعمل الفني إلى كونه موضوعاً رئيسياً له، تقنية “السجرافيتو” التي يستخدمها السمري ليست مجرد وسيلة لخلق تأثيرات ملمسية، بل هي منهج استقصائي في طبيعة المادة والزمن، كل طبقة لونية يضعها الفنان، وكل عملية حك أو كشط يقوم بها، هي إضافة فصيلة إلى سجل اللوحة الزمني، السطح هنا يتحول إلى رقيم طيني حديث، تسجل عليه أحداث متعاقبة، ثم تكشف عنها عمليات الحفر والتنقيب.
هذا الاشتغال يحمل دلالة “أركيولوجية عميقة”… الفنان ليس خالقاً من عدم، بل هو باحث في طبقات الماضي، مستخرجاً للآثار المطمورة تحت تراكم القرارات الفنية، اللوحة تصبح بذلك حاملة لوعي تاريخي، ليس تاريخ الأحداث الكبرى، بل التاريخ الصغير للعمل الفني نفسه، تاريخ التجارب والتراجع والتعديل، إنها أنطولوجيا مصغرة للخلق الفني، تظهر أن العمل الفني ليس لحظة إلهام مفاجئة، بل هو عملية تراكمية معقدة.
يتجاوز السمري في ‘أمشاج’ البعد البصري المحض نحو خلق ما يمكن تسميته “الصوت البصري”، فعمليات الحك والكشط والخدش لا تنتج أشكالاً فحسب، بل تخلق إيقاعات بصرية قابلة للسمع بالتخيل، كل خدشة تحمل نبرة صوتية خاصة، حدة الخط المستقيم، نعومة المنحنى، خشونة المنطقة المحفورة ،هذه “السيمفونية البصرية” تتحول إلى استعارة لفكرة الزمن نفسه.
وفي قلب هذه الجمالية القائمة على التراكم والتآكل، يقدم السمري عنصراً مفارقاً… رقائق الذهب، ، حيث يصبح الذهب علامة ثرية بالدلالات المتناقضة، ففي الوقت الذي تعتمد فيه التقنية الأساسية على فكرة الإزالة والتقشر والتآكل، يأتي الذهب كرمز تقليدي للدوام والخلود والقيمة المطلقة، لكن السمري يفكك هذه الدلالة التقليدية ويعيد تركيبها في سياق جديد، الذهب في أعمال ‘أمشاج’ ليس تاجاً يعلو السطح، بل هو أثر يظهر من بين الشقوق، ككنز مخبأ في جدار قديم، أو كذكرى بعيدة تبرق بين ذكريات أخرى، هذا التوظيف يحول الذهب من رمز للثروة والسلطة إلى رمز للذاكرة الهشة، للقيمة المعنوية التي تبقى بعد زوال القيمة المادية، إنه يصبح شاهداً على التناقض الأساسي في التجربة الإنسانية… سعينا للخلود في عالم يخضع لحتمية الزوال، الذهب هنا ليس تكريساً للفخامة، بل هو تسجيل “للغربة، للفجوة” بين ما نسعى إليه وما نحققه، بين ما نريد إبقاءه وما يفرض عليه الزمن أن يزول.
يقدم ‘أمشاج’ تأملاً عميقاً في علاقة الجسد بالعمل الفني، فآثار اليد في عمليات الكشط ليست مجرد بصمات تقنية، بل هي شهادات على “الوجود الجسدي” للفنان في لحظة الخلق، كل حركة يد تترك أثراً فلسفياً… الضغط القوي يعبر عن قرار حاسم، الحركة الخفيفة تكشف عن تردد، التكرار يدل على اصرار، هذه “الجسدية المعلنة” تخلق حواراً بين جسدين… جسد الفنان العامل، وجسد اللوحة المتلقية، لكن هناك جسدية ثانية، أكثر خفاءً، وهي جسد المشاهد، فتجربة التلقي في ‘أمشاج’ ليست بصرية فقط، بل جسدية متخيلة… المشاهد يشعر بالتخيل، بمقاومة المادة للخدش، بصلابة السطح، بنعومة الذهب، هذه “الجسدية المزدوجة” (جسد الفنان/جسد المتلقي) تحول العمل الفني من كائن معزول إلى مجال للقاء جسدي متخيل، لقاء يذكرنا بأن الفن، في جوهره، هو ظاهرة جسدية قبل أن يكون فكرة مجردة.
وتؤدي هذه العناصر مجتمعة حيث بلورالسمري ما يمكن تسميته خطاباً بصرياً مصرياً مركباً، ‘أمشاج’ ليست معرضاً عن الذاكرة المصرية بالمفهوم الفولكلوري السطحي، بل هي تحقيق بصري في طبقات الهوية المصرية المعقدة، التقنية المستخدمة تستحضر حرفية البناء التقليدية، والذهبية تذكر بتراث مصر في صناعة الحلي والمشغولات المعدنية، والرموز الكتابية تشير إلى أحد أقدم أنظمة الكتابة في التاريخ، لكن هذه الإحالات لا تأتي في إطار استعراض تراثي، بل في إطار إعادة قراءة نقدية، السمري لا يكرر الماضي، بل يحاوره، يسائله، يعيد ترتيب عناصره في سياق معاصر، هذه العملية تنتج هوية بصرية جديدة، ليست انقطاعاً عن الماضي ولا خضوعاً له، بل هي حوار خلاق بين الأزمنة، إنها هوية قادرة على استيعاب تناقضاتها، على حمل ذاكرتها دون أن تثقلها، على التطلع إلى المستقبل دون أن تنكر ماضيها.
يتميز هذا الخطاب البصري بقدرته على تجاوز الثنائيات التقليدية التي ظلت حاكمة للفن المصري المعاصر لزمن طويل… التراثي مقابل المعاصر، المحلي مقابل العالمي، الحرفي مقابل المفاهيمي، ففي ‘أمشاج’، تذوب هذه الحدود لتظهر صيغة جديدة تجمع بين هذه الأقطاب في توليفة عضوية، التقنية الحرفية الدقيقة تخدم فكرة مفاهيمية عميقة، والرمز المحلي يصبح قابلاً للقراءة العالمية، والتراث يصبح مادة حية قابلة للتجديد، هذا التجاور الخلاق هو جوهر مفهوم ‘الأمشاج’ الذي يقدمه السمري… الخليط الذي ينتج كياناً جديداً، المختلف الذي يتحد، المتعارض الذي يتكامل.
ويخلق السمري في ‘أمشاج’ ما يمكن تسميته “اللامكان المصري” ، فضاء بصرياً يحمل روح المصرية دون أن يكون تمثيلاً لمكان محدد، فالشبكات الخطية قد تذكر بحقول الدلتا، لكنها أيضاً تشبه دوائر الحبوب في الصحراء، أو تقسيمات الأسواق الشعبية، أو حتى خرائط المدن العشوائية، الذهب قد يذكر بكنوز الفراعنة، لكنه أيضاً يشبه بريق النيل تحت الشمس، أو لمعان عيون تماثيل غائبة، أو حتى رنين العملات القديمة، هذا “اللامكان” ليس فراغاً، بل هو تركيز… فبدلاً من تمثيل مصر كمكان جغرافي، يمثلها السمري كـ”بنية روحية”، كنمط في العلاقات، كطريقة في التنظيم والتفكير، في زمن العولمة حيث تذوب الخصوصيات، يقدم السمري نموذجاً للمحلية التي لا تنغلق على ذاتها، بل تتحول إلى لغة عالمية قابلة للفهم من خلال التجربة الحسية المباشرة… الجميع يستطيع أن يشعر بمقاومة المادة، بغموض الرموز، بجمال الخدوش، المصرية هنا تصبح إيقاعاً، وليس شكلاً، تصبح طريقة في الوجود، وليس مجموعة من الرموز الثابتة.
يقدم معرض ‘أمشاج’ رؤية للفن لا كمنتج نهائي، بل كعملية مستمرة من البحث والتساؤل. اللوحة هنا ليست إجابة، بل هي سلسلة من الأسئلة المادية… ماذا يختبئ تحت السطح؟ ماذا تبقى بعد الزوال؟ كيف تتشكل الهوية من طبقات متعاقبة؟ هذه الأسئلة لا تخص السمري وحده، ولا تخص الفن التشكيلي فقط، بل تمس تجربتنا جميعاً كبشر نحمل ذاكرتنا في طبقات، ونبني هويتنا من أمشاج الماضي والحاضر، في هذا المعنى، يتجاوز المعرض كونه حدثاً فنياً ليكون تأملاً وجودياً في طبيعة الذاكرة والزمن والهوية.
وبهذا يضع أيمن السمري أساساً لممارسة فنية جديدة في السياق المصري، ممارسة لا ترضى بالتصنيفات الجاهزة، ولا تكتفي بالإجابات السهلة.،’أمشاج’ هو بيان بصري نقدي، يدعونا لا إلى النظر فحسب، بل إلى الحفر، إلى البحث، إلى التساؤل، يدعونا إلى أن نرى في السطح ليس غلافاً، بل عمقاً، ليس نهاية، بل بداية، ليس جواباً، بل سؤالاً ممتداً في الزمن والمادة والذاكرة.

أخر المقالات

منكم وإليكم