كتبت الشاعرة الإماراتية:ظبية خميس.دليلُ انطولوجيا الشِعْر العربي الحديث..(شعراء من الإمارات).

دليلُ انطولوجيا الشِعْر العربي الحديث
(شعراء من الإمارات)
اللؤلؤ  ومنازل الفتنة

ظبية خميس
1958-

شاعرة
من مواليد الإمارات /دبي
تحمل شهادة بكالوريس علوم سياسية من جامعة انديانا بأمريكا .
درست في مجالات الأدب والسياسة في جامعات في الولايات الأمريكية، بريطانيا ومصر-
تعمل منذ عام 2991، في جامعة الدول العربية، وحاليا في منصب سفيرة وكانت آخر مهامها سفيرة للجامعة العربية في نيودلهي، الهند
تم تكريمها من قبل ديوان العرب تقديرا لجهودها الأدبية والفكرية، وقد منحت درع المجلة في الثامن من كانون ثاني، يناير 2005
ببلوغرافيا:
من دواوينها الشعرية:

خطوة فوق الأرض، أو خطوة فوق الأفق، 1981
الثنائية: أنا المرأة الأرض كل الضلوع، 1982
صبابات المهرة العمانية، 1985
قصائد حب، 1985
عروق الجير والحنة، 1985
السلطان يرجم امرأة حبلي بالبحر، 1988
انتحار هادئ جدًّا، 1992
موت العائلة، 1993
جنبة الجنرالات، 1993
المشي في أحلام الرومانتيكية، 1995
البحر..النجوم..العشب في كف واحدة، 1999
* تلف، 1999
خمرة حبّ عادي، 2001
درجة حميمة، 2002
رسائل حب: شغف، 2005
روح الشاعرة، 2005
الجمال العابر، 2011
مقام الإعرابية الرائية، 2015
من ترجماتها:

الشعرية الاوربية وديكتاتورية الروح، 1993
طفلة شنغهاي، وي هوي
قرابين الغناء، رابندرانات طاغور، 2008
التعليم وقيمة الحياة، جدو كريشنامورتي، 2009
من رواياتها:

الحياة..كما هي، 2011
حجر الطريق، 2012
رحيل وإياب، 2017
من مجموعاتها القصصية:

خلخال السيدة العرجاء وقصص أخرى، 1990
من مؤلفاتها في الدراسات وغيره:

الشعر الجديد: انا وأصدقائى شعراء المتاهي، والبارات، والسجون، 1993
الذات الأنثوية: من خلال شاعرات حداثيات في الخليج العربي، 1997
صنم المرأة الشعري: البحث عن الحرية، ويقظة النثى، 1997
قفطان الذاكرة: قراءة في الموروث العربي: النقد، الشعر، الصوفية، الخمريات، والأسفار، 1998
صاحبة الزمان، شرق وغرب وما بينهما، قراءة نقدية، 2007
على جناح الهوى؛ المرأة والإبداع، 2014
منفى جامعة الدول العربية، بيوغرافيا ومذكرات، 2013

ما كتب عنها:
لم تحسم التجارب الشعرية الجديدة الجدل الذي طال مسألتي الشكل واللغة، منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن. وضرورة الحسم لا تتأتى من كونها ضرورة معيارية بل لأنها تسهم في الاقتراح الشعري الذي يميز جيلاً من جيل.

كتب عهد فاضل مستطرداً :
في هذه النقطة ليس الحسم مسألة انتصار للنموذج وإقصاء لآخر، بل هي الإضافة أو التعديلات الطفيفة التي يمكن أن تجترحها حساسية وهي في طريقها إلى المعايرة. إذا قرئ أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط ومحمود درويش، وسواهم، في المعنى المشار إليه، نفهم كيف أن الحسم لا يعبِّر عن لا نهائية المعيار بل يعبّر عن قابليته التلقائية لتدمير نموذجه الذاتي.
ولكن ما يحدث في التجارب الشعرية الجديدة أن الجدل، ذاك، لم يعد موضوعاً من داخل النص، بل أقصي، وكأن الأمور تسير في شكل جيد ولا حاجة، بعد، إلى قلق الشكل. صار في القصيدة ما يشبه التعبيرية الحادة واتجاهها السريع إلى القول والتوضيح. عندما يختفي قلق الشكل، وهو المعاصرة بأكثر معانيها، بنيوياً، ينفتح المجال، بقوة، للتعبير، ولا يعود الصوغ ممتلكاً سحره الذي صار، على ما يبدو، كلاسيكياً.
في كتاب الشاعرة الإماراتية ظبية خميس “درجة حميمية”، الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، نجد الكثير مما يمكن قوله في مسألة الصوغ. ففي الكتاب تأرجح عنيف بين مستويين، مستوى تعبيري حاد، ومستوى كتابي فني يعتمد الاختزال والإيقاع الداخلي. في المستوى الأول تتفوق الحكاية، وفي الثاني يتجسد الانخطاف. بين هذا وذاك تتجلى، في معنى ما، أزمة الكتابة الشعرية الشابة. لكن الأزمة (وهذا ما نضطر إلى إيضاحه دائماً) التي تعكس المختبر والأسئلة، وليس الأزمة بالمعنى التشخيصي “الطبي” للمسألة.
المستوى الأول الذي أشرنا اليه، التعبيري، تتجلى فيه طاقة التوصيل والشرح وما يتضمنه من جمل خبرية واسمية، وهذا ما يمهّد الطريق للروي، إذ فتِحت كل الحدود ولم يعد هناك من موانع تقنية معينة:

“كادت الرحلة تتوه منا
ولم تكن الطائرة نفس الطائرة
هكذا بالكاد وجدنا الكراسي
وحين وجدناها كانت مبعثرة
أربعة منا
كل منهم جلس في كرسي بعيد بمفرده”.

ثم يأتي المقطع الثاني، في الصفحة التالية، ويتتابع السرد:

“حين حطت الطائرة
تحدثنا قليلاً مرة ثانية
واحد منا عاد إلى زوجته
واحد منا أكمل رحلته
في آخر الليل مضى كل منا
إلى النوم بمفرده”.

قد ينتمي مثل هذا المقطع إلى الملاحظات التي يمكن أن يسجلها الروائي لتضمينها في كيان سردي يبررها، أما تركها كما هي، وفي حالتها هذه، فهو، ولا شك، سيضعها في موقف يبعدها عن شعريتها، هذا إذا اتفقنا على أن الشعرية موضوع لغوي في المقام الأول، وليس تعبيرياً صرفاً كما في المقطع المشار اليه. وما يجب التأكيد عليه أن الحركات الأدبية العربية، أو المجلات، بدءاً من مجلة الديوان وأبولو وانتهاء بـ”شعر” اللبنانية، وسواها، ليست هي أول من أشار إلى موضوعة الشكل والصوغ أو ذلك الفارق بين القول واللغة، بل ان لهذه الحركات موروثاً قوياً تجلى في النقد الأدبي عند العرب والذي أسس للشكل والكيفية أكثر من التعبير، كالأصمعي وابن سلام الجمحي والمبرد وابن طباطبا وابن قتيبة وقدامة بن جعفر وسواهم. أي أن إمكانية المعايرة، مبدئياً، يمكن أن تتحقق من داخل ثقافة هذه اللغة. من أجل هذا فإن الخبريات والاسميات والحكائيات تسقط في الفحص الاوتوماتيكي الذي تجريه مختبرات اللغة العربية النقدية. لكن، والحق يقال، إن حركات التجديد المعاصرة في الشعر العربي أعادت إحياء هذا المختبر المجسد للقلق الشكلي ونعرف نتائجه ويعرفه القارئ وتوقف هذا المختبر هو الذي سهّل الحكائيات والتعبير على حساب الصوغ.
مثل هذه النثرية المفرطة والقائمة على الخبري والاسمي تتكرر في أكثر من مكان، فنراها في قصيدة “عملية تجميل صغيرة” وقصيدة “عروسة الخشب” وقصيدة “يحدث في مكان آخر”. ولكي ندلل على هذا الإفراط نقرأ مقطعاً من الأخيرة:

“في الطريق إلى البيت ومنه
أشياء كثيرة تحدث
وصدف ليست بالتحديد
سعيدة
كأن أرى جثة ملقاة على قارعة الطريق
لا أحد يعبأ بها
أو شاحنة تحاول جهدها أن
تخبطني….”،

وهكذا في تتابع يتحرر من انضباط شكلي لمصلحة الإفراط في التعبير والنثرية. ولكننا وقبل الدخول في المستوى الثاني الذي يتضح في الكتاب على هيئة صوغ نشير إلى أن التأرجح في هذين المستويين قد يكون تابعاً أيضاً لتحرير الكتاب المشار اليه، فلربما لو حرر في شكل يمنحه الاتساق والتنقيح لما تحصلنا فقط على غياب النثرية والتعبير بل لكنا تحصلنا على كتاب خالٍ من المشكلات الإملائية واللغوية الواضحة.
وكما ابتدأنا فإن موضوعة الحسم لا تعني إقصاء معيار مقابل تعزيز آخر، بل هو نوع من الاشتغال على اللغة يجعل من الاهتمام بالكيفية أمراً أساساً والتعبير فرعاً. ولأن الشاعرة ظبية جزء من التيار الجديد، في الكتابة الشعرية، وصدر لها الكثير من الكتب الشعرية، فهي تعكس شيئاً من قلق الشكل، أو العلاقة بين الشكل واللغة (الشكل هو من عناصر التمهيد والتنامي). لهذا نقرأ عندها التكثيف بعد أن قرأنا الإسهاب، والانخطاف بعد الخبر، والصوغ بعد التعبير. إذا وضعنا مسألة تحرير الكتاب، جانباً، سيكون تأرجح شعريتها بين الإخبار والصوغ سببه تتابع موضوع الجدل الشعري، خصوصاً بعد قوة أو انتشار – أو انتصار – قصيدة النثر. ونحن نفضل مثل هذه القراءة لإعطاء التجربة بعداً تراكمياً.
التخلص من إرث الجدل له أكثر من وجه، أشرنا إلى وجه منه في نقد الإفراط في النثرية والسرد، لكن وجهاً آخر له يظهر في صفاء التجربة مما يعزز من التلقائية والإيحاء بأن ثمة حدثاً شعرياً طبيعياً يجري:

“أداعب الحصان بمحاولة أن أتذكره
فالشهب بين يدي
تضيء أزماناً أخرى
حينما كنت أنا والحصان روحاً واحدة”.

وهنا حيث المناخ الأسطوري يتحول واقعاً:

“ذات مرة رحلنا معاً أنا وأنت
في المدن الهرمة
كانت بلقيس تراك وتظنني الهواء”.

وهنا حيث يتحد المعقول باللامعقوله، أيضاً على خلفية سريان الأسطورة واقعاً حياً وليس مستعاداً أو متذكراً:

“أرى النور يخرج من بين أصابعي ضياء
أراه على شكل طير يطير…”.

في كتاب ظبية خميس نجد -في المستوى الثاني- ذلك التداخل بين الطبيعي والإنساني أو الأسطوري بالواقعي، في أسلوب يوحي بأن الحدث هو من داخل الذات الشاعرة، وليس من خارج الفعل الشعري أو سريانه. في كثير من المواضع نلمح بساطة الجمع بين النقيضين ونجاح الصوغ فيه، بما يتناقض كلياً مع المستوى الأول الذي سيطر عليه الأخبار:

“في موسم إجازة الأطفال
كان الجميع يجرجرون أطفاله
نحو المسلات
والفضاء الإرث
بصخب الرحلات المدرسية”.

السمة الأساسية المسيطرة بقيت في الإطار الذي تحدثنا عنه سالفاً، وهي تنتمي إلى الكتابة من خارج المختبر، حيث سيكون الابتداء من جديد وكأن التراكم قد نفى ذاته طوعاً. وهذا لن يحدث بالمطلق، فالموهبة صديقة ذاتها وتعمل بالسرعة القصوى على الكتابة من داخل المختبر ومن داخل تيارات الجدال والتجاذب. إذاك يتولد الاقتراح الشعري كما قرأنا وسنظل نقرأ. ووفرة مؤلفات الشاعرة تشي بذلك، بل تؤكده بكل ما تحمله من “أمل” شعري وإرادة أدبية على الكشف والتغير.
ظبية خميس في ديوانها “درجة حميمية”:
تأرجح بين التعبير الحاد والشكل الفني

بصمات:
ـ لك علاقة بالشعر منذ السبعينات ورغم هذا لا يزال الشعر الحديث يراوح مكانه. كيف نجعله خالصاً ومعاصراً وحياً؟
ـ أنا لا أعتقد أن الشعر يراوح مكانه أنا أعتقد انه تطور تطوراً كبيراً ومذهلاً والدليل الأسماء المهمة في التجربة الشعرية نزار قباني، أدونيس، سعدي يوسف، محمود درويش.
في الثمانينات هناك ظاهرة أخرى في العالم العربي هي ظاهرة تغلب الهامش على المركز، بعض الكتابات مشغولة باليومي وبعضها أكثر تسجيلا لواقع الحياة لا تنشغل بالجوهري هناك ندوة أقيمت في الكويت وتعتبر فاصلة وكان السؤال الشعر من أين إلى أين؟ وكان فيها الحديث عن معنى الشعر والقصيدة الحالية وعلاقتها بالجمهور.

لفترة طويلة كانت هناك حرب قائمة بين الأصالة والقصيدة الحديثة وهي حرب مفتعلة لأنها انتهت. ولان القصيدة الحديثة أوجدت مكانها.

ونعود لسؤالك ونرجع إلى الإمارات.. ما علاقة الجمهور في الإمارات بهذا الشعر؟ وأقول ما علاقة الجمهور بالثقافة عموماً. علاقتهم بالكتاب. من يقرأ لشعرائنا؟ لن تجد إلا النادر وهو طبعاً لا يعول عليه.

يجب أن تتحرر الأذن، أذنك التي كانت في القديم تسمع حداء الإبل لم تعد تسمع الآن. أنت الآن في مدينة حديثة وجديدة لا تسمع إلا أصوات الطائرات والسيارات والشعر القديم الباقي في الذاكرة ليس شعراً مقدساً وبحوره عندما صنعت صنعت من علاقة الإنسان بالطبيعة.

ولا يتوجب أن أرغم إنسانا بعد مرور 15 قرناً أن يعيد انتاجه. الحياة تغيرت. وبالنسبة للشعر النبطي والشعبي يعتبر حالة أخرى لانه شعر يتكئ على فكرة البداوة وهي فكرة حية.

ولا أستطيع الآن أن أطلب من هذا الجيل أن يكتب بزمن الجيل القديم لا يجوز هذا.

المسألة الأخرى مسألة الثيمة الشعرية في الستينات مثلاً كانت حركة المد القومي والتحرري وكانت القصيدة السياسية تهمك لأنها تداعب أحلام الحرية والتحرر الآن هل هي نفس الثيمات السابقة بالطبع لا لأن الحياة تغيرت.

عموماً الشعر في العالم ليس في انحسار كما هو مشاع.

ـ ما هي محرضات الكتابة لديك وكيف تمرنين ذهنك وذوقك لالتقاط الجوهري والمهم؟

ـ منذ سن مبكرة اكتشفت ان الكتابة مهنتي في الحياة. الكتابة ضرورة حيوية بالنسبة لي.. وهي طريقة حياة، أنا أحيا بالكتابة أكثر وحين بدأت مبكراً ذهبت لعوالم جميلة أعطتني الثقة والتوازن والامتلاء الداخلي وكم تكون سعادتي كبيرة عندما أكتب عن الحب مثلاً وأنا بعيدة عنه. أكتب عنه بعمق وتجلٍ وسعادة.

الكتابة بالنسبة لي طقس ضروري ويومي وحياة وإلى جانبها القراءة والتي بالنسبة لي الكفة الأخرى من الميزان. أتغذى بالقراءة والتأمل ورصد التجربة.

ـ أنت كشاعرة وفي ظل مجتمع يقدس الرجل هي ترين أن هذا الوضع يحفز للإبداع؟

ـ من البداية علاقتي ندية بالرجل شاء أم أبى. وأعتقد أن المرأة القوية بحاجة لهذه الندية خذ مثلاً ليلى العثمان القاصة والروائية امرأة قوية جداً بكتاباتها وعندما تقرأ كتابات منيرة الفاضل من البحرين تشعر بهذه القوة.

قد يكون سؤالك يتعلق بمرحلة السبعينات والثمانينات.

وأعتقد أن أهم مظاهر هذا الحرمان هو عدم الاعتراف بك. وضمن مقاييس إنجازات الرجل.

ـ الشاعر بحاجة للقلق والتوتر. أي توتر نعني هل هو الإبداعي فقط؟ وأي قلق نريد؟

ـ أنا لا أعتقد ان القلق والتوتر ضرورة للشاعر، الشاعر بحاجة للتأمل حتى يصل إلى إحساسه. الشعر قد يصنع هذه الحالة التوترية أثناء ولادة القصيدة وتزول هذه الحالة بالكتابة الإبداعية لكن الشاعر بحاجة للتأمل والعزلة. الشاعر لا يستطيع أن يغرق في شؤون العالم وعليه أن يصنع مسافة ما في العالم وعليه أيضاً أن يحسن الإصغاء تجاه ما يحدث بداخله من انفعالات وأحاسيس.

ـ سفرك الدائم ألا يساهم في قطيعة فعلية مع المكان والوطن والأهل والأحباب؟

ـ هل تعرف كم طال علي سفري؟ وكم هو موجع ومؤلم وكم خسرت في هذا السفر؟ منذ سنة 1975 ونحن الآن في 2006 وطوال الثلاثين سنة لم أقم في الإمارات إلا سنة ونصف متقطعة.

الغربة لم تكن ضمن مخططاتي لكن هذه هي الظروف. مازالت كتبي مكدسة في الكراتين مازلت أحن للمكان ولأهلي وأحبابي وعندما أزور الإمارات أتذكر أصحابي وبقية الحكايات التي نسجناها في الماضي.

ـ الثمن صعب جداً لكن بالمقابل لولا السفر لما كان هذا الكيان؟

ـ الارتحال والحياة في مجتمعات أخرى والدراسة والعمل وتراكم الكتابة. هل كان بإمكاني خلق هذه التركيبة لو كنت في الإمارات لا أعتقد.

أنا أرى الإمارات من خلالي لأني بنت المكان، التحول الذي يحدث في هو نفس التحول.

من البداوة إلى الحضارة. وأنت تبحث عن كتابة تنبش في الماضي الذي لم يعد له وجود.

لا يتوجب عليك أن تحتفظ بروح الماضي وأمام هذه الحضارة عليك أن تواكب العصر والمطلوب منا أن لا نتوقف، علينا أن نلهث كي نتأقلم مع هذا التحول.

ـ تحولك لكتابة القصة هو تخلٍ عن الشعر أم رغبة في التنويع؟

ـ القصة كتبتها بالتزامن مع الشعر وأول مجموعة قصصية خرجت للنور سنة 1984 وهي «عروق الجير والحناء».

(خلخال السيدة العرجاء) سنة 1993، (السماء الماكرة) سنة 1995.

وأيضاً سيرة ذاتية «الحياة كما هي».

القصة بالنسبة لي تعبر عن حالة معينة ولا أعتقد ان الشعر هو المناسب لهذه الهواجس والأحلام.

لجأت للقصة حتى أكون أكثر واقعية وأسجل ما أريد حتى لو كانت حقيقة فجة ومباشرة. ولم أجد أنسب من القصة لتسجيل هذه الحقيقة وهذه المباشرة.

أشعر ان الكتابة نهر متداخل فأنت تكتب لكن هناك أرواح متداخلة تكتب معك قبلك وبعدك لكنك تكتشف ان الكتابة لم تأتِ هكذا بل هي أرواح متداخلة مع روحك وهي في النهاية طريقة حياة ولأننا في مجتمع خليجي متسارع النمو ينظر البعض في الكتابة على انها شيء هامشي وغير مجد ومنذ كتاباتنا المبكرة.

وبداياتنا لم نر احتفاء بها وتشجيعاً بل العكس ثمن أن تكتب أصعب من الصمت. فعل الكتابة الحضاري غير مقدر من مجتمعاتنا العربية، ان تخلص في الكتابة معناه انك تمارس الخطيئة كيف تستطيع أن تنمو ككاتب في ظل هذه الظروف الصعبة.

ـ أخيراً ما حكاية عقد اللؤلؤ الذي تتزينين به وما قصته؟ وهل هو حنين للمكان والماضي؟

ـ هذا عقد لؤلؤ لم أشتره، كل حبة لؤلؤ فيه أحضرها أبي وغاص في الأعماق كي يقدمها هدية لي وأمي من قامت بثقب اللؤلؤ ووضع الخيط فيه وأنا أعتبرها أجمل وأحلى هدية وصلت لي في حياتي.. وعندما أسافر آخذه معي كتعويذة وحظ.

مازال اللؤلؤ يحتفظ بأسراره ومازالت رائحة البحر فيه ومازال يذكرنا بماضينا الجميل لا نستطيع التخلي عن البحر حتى لو ابتعدنا عنه سيظل حاضراً فينا ومحرضاً للعودة له.

(i)

طقوس:

هواجس ظبية ذات سرد نثري، إنما شعريتها تنضح من أحوال النصوص أو أحوالها في النصوص. أشكالها وتقنياتها مرسلة… بلا نمط بعينه تدل ملامحه وحيثياته واستداراته الصورية والتعبيرية عليها هي بالذات (كما هو الحال في عدد من شعراء قصيدة النثر: محمد الماغوط، أنسي الحاج، عباس بيضون، وديع سعادة، عبده وازن… الخ)، فتقنياتها الكتابية تنتقل بها من حيّز لآخر. يلاحظ على سبيل المثال الإلحاح الصوري المنهال كزخّ البرد على زجاج الورقة في قصيدة «المشهد عن قرب»… هنا نعثر (وبسرعة وبلا أنفاس تؤخذ بين سطر وآخر) «على رذاذ مطر، كابوس مخيلة، هاوية لها مصعد خصوصي ومضات كالسقطات خرافات بيضاء من العاج، كراكيب أزمنة متراكمة، سكين حادة تشطر أمعاء العصيان، خرائب مهولة، حيوانات كانت حبيسة تبقر بطون الهاوية بقايا عظام على الطاولة توابيت لا يغلقها أحد قبور تفتح أفواهها جائعة لرائحة النسيان… … كلٌ يجرجر وباله… الخ…».

كأننا حين نفتح باب القصيدة نكون نفتح باب مقبرة قديمة، أو نستعرض شريطاً لمشاهد الرعب وأسبابه. فثمة في هذا النص إلحاح صور كابوسية أو كراكيب كوابيس. ومن حقها أن تكون نثرية… فالكوابيس لا تكون مكيّفة (كما هي كوابيس هنري ميلر في وصفه لأميركا.
تلاحظ تقنية الإلحاح نفسها في قصيدتين أخريين في المجموعة: حياة ما، و «موت» فالأولى تبدأ بسؤال: «عندما يمنحك أحد ما حياة… ما الذي تفعله بها؟» والإجابة نقرات سريعة متتالية كانفجار أجوبة على سؤال منتظر… وهذه النقرات السريعة تترك على صفحة الروح بقعها السود، غير الأنيقة بالتأكيد، إنما جمالها يرشح من قسوتها. هنا العذاب كمعطى إنساني جميل. كمرض إنما يمنح الجسد والوجه شحوبه الجميل: حبر يسيل على دم لوتس/ صفائح/ عطر محرق/ أدغال من الروح/ مصيدة كلمات/ مسودات/ كآبة تسقط في كأس/ تنين بلسان مشطور زمنين/ مخازن خوف/ جنون كالمطر/ خزعبلات… الخ». ونسأل: إذا كانت هذه هي الحياة فما الموت؟ وننتظر إجابة تأتي من خلال نص يتلو قصيدة «حياة ما» وهو قصيدة «موت ما»، لنكتشف أن الحدود بين الحياة (ككابوس) والموت (ككابوس) معدومة… حتى أنك تستطيع أن تنقل أثاث قصيدة الموت الى منزل الحياة، فما هو الموت الذي تسرده الشاعرة بضربات قاطعة ومؤلمة كالسكاكين المغروزة في لحم حي؟. فالصور والأسئلة هنا وهناك تقرقع على ظهر وجود مفترس كأنه تمساح. لا الحياة بين فكيه جميلة ولا الموت مريح وخلاص.

هذه التقنية في رصف الصور والمشاهد رصفاً تراكمياً (كمياً) بلا تعليق أحياناً، لا تتبعها الشاعرة في جميع نصوصها. إنها توضح أحياناً مراميها وتطلقها على صورة خطاب أو طلقة مباشرة تتجه نحو هدف مباشر. مثال ذلك قصيدتها في هجاء أميركا… حيث اللغة ليس فيها مجاز أو تشبيه، تأتي كشتيمة عارية: «أميركا/ التفتي حولك/ لا أحد يحبك/ حتى أطفالك يكرهونك/ أميركا…/ ألا تدركين: ان الطفل يحتاج الى ثدي أمه؟/ والغزالة تحتاج الى عشبها؟/ وأن الجبال تحتاج الى قممها/ وأن البحار بحاجة الى أعماقها…؟:… الخ.

فهنا لا مجاز ولا الصورة ولا تشبيه، بل جمل مباشرة وخطابية وعارية… إذاً، هنا تقنية أخرى لكتابة نص شعري بالنثر الحاف… أو الحافي (على غرار الخبز الحافي).

يهمني أن أشير الى ثلاث مسائل في شعر ظبية خميس، من خلال «روح الشاعرة»… الأولى كافكاوية مناخ هذه الروح. وهي تطل برأسها بين سطر وآخر وبين نص وآخر وبلا هوادة. الحياة ما هي من خلال هذه الروح ومن خلال تحققاتها في النصوص؟ هي «هجوم كومة ذباب على أشلاء جثة» (من قصيدة «حياة ما»)… ولا وقت لأي فرح أو ضوء. بل ثمة نقاش ضمني في القصائد مع من يدّعون أن الحياة جميلة. تسأل في قصيدة «لماذا»: «إذا كانت الحياة جميلة الى هذا الحد/ فلماذا لا أشعر بها؟». فالوجود (وجود الحياة في الشاعرة) وجود غير مريح تستعمل في وصفه قاموساً من فحيح (قصيدة فجوة) حيث تتكاثر (في النص) خلاخيل وخناجر، قبلات من طاعون، فحيح أفاعٍ وأنياب متآكلة لضباع وبنات آوى…

وفي استكمال أوصاف هذه الكابوسية، في نصوص الشاعرة، أو في صفحة روحها الطيبة (البيضاء) تظهر لنا الحياة على صورة «فجوة»، والناس عميان ساقطون في الفجوة، وثمة وهم أسطوري (كوحش أسطوري) أكبر من الحياة يفترس الحياة «لي صنم من الثمر يأكلني ولا آكله»… وكل ما تدعوه في «روح الشاعرة» يأتي وبكفّه السمّ وتدور في ما يشبه العبث الكوني اليائس أو كأنها تعيش في ما أسميناه «ورشة القتلة»… بالطبع داخل الشاعرة خصب لكنه مخرّب. خارجها جدب وخارجها افترس داخلها… وترسم حياتها على صورة لوحة بمثل هذه الملامح، حتى لكأنها رسامة من رسامي المدرسة الكابوسية الألمانية، أو كأنها فرنسيس بيكون المصاب بقرف العالم وبحالة من الجسد المنبعج دائماً على مغسلة… انبعاجاً مرضياً… للقيء…

فمطبات ظبية غير رومانسية فادحة موجعة وأستطيع أن أسجل إنني أحب أحوالها المرضية هي التي تستقبل العام الجديد بطلب منه أن يتريث لأن الذي جاء قبله ترك الكثير من الأشلاء… ولأنها على عمود النار تقف ولأنها سوف تقفل النوافذ دونه من شدّة خوفها.
(ii)

ظلال:
لليالي التي لم تكفِ الشاعرة ظبية خميس، لتكتب بوحها، وسطوة الحزن على حروفها وموسيقى الليل الشاحبة، هي ذاتها الليالي التي تكتبها شعراً، مساحة عتمة لينير القلم شموساً حبريةً تسطع في ابتداء نهار جديد لشعر الحياة.
تلك الليالي السائرة إلى نهاياتها كما في ألف ليلة وليلة، “نحو الأبد” هي ليالي بوح شهرزاد ووقوفها عند حدّ السرد بين ذروة وأخرى، وهي التي تتقن الوقوف عند محطات كلامية متوهجة القول، كما في استحضار التراث ليقف، ليخرس في حضرة الشعر المؤنث، المؤسس لتراث لا يعرف إلا مكابرة الجرح، وفرح الروح بشفافية حضور اللغة، برمزية بيت من الشعر لأبي الطيب المتنبي، ناسباً عبقر الشعر إلى آخر، سمته ظبية خميس جرحاً في خاصرة الشعر، أو شوكاً وهي شاعرة الورد، فريسة القاطف، رفيقة الخائف كأنها ترتاح إلى الوجد، والسهد، والقلق والصمت الشاحب، تقول:
“رامني السير، فرمته
لا الخيل، ولا البيداء، ولا السيف”.
شاعرة تقرّب المسافة بين اليوم وأمسه، كأنه الآن، تستعيد تجربة امرئ القيس الضليل بين ممالك الأرض، الضيقة على ما يجيش في صدره من رغبات محمومة بالثأر، قاتلة للأحلام بالخيل والنساء، فهو الأمر عنده، عندها، عند حدّ القصيدة الصوتية، بما للكلمة من معنى حضور المخاطب وصراخ القول في أذن الأرض لتتوقف عن الدوران، في أذن الدهر ليستريح قليلاً من عدّ دقائقه المملة. تقول:
“قل للغريب في جوف أرضهِ
تموت بين غدين وبين زمنين
وتأكلك الأرض، ولا تأكلها”…
قل للغريب أن يقف، أن يقفا فنبكي، لذكرى حبيب ومنزلِ، كأنها تخط للشعر غايات أخرى غير الشعر، في فراغ الصفحة كما القلب، وانتظار ما لا يبدأ الآن، في رحلة امرئ القيس ذي القروح، إلى بلاد حمّلته همّين معاً: همّ الثأر لدم أبيه، وهمّ العشق الذي أضنى فؤاده، وفاطمة تظل جرحاً مفتوحاً على احتمالات الفرح ذات عمر.
ظبية خميس تقول للغريب وهو هي، ألا يملّ الموت بين موتين، أو يملّ الحياة حين ينفتح تابوت اللغة عن جثمانها هي، وهي التي لم تكفها الليالي لتكتب قصيدة خروجها عن نمطية الحياة، ورتابتها، إلى فرحها الذي يتحقق في التحدي، وهي للغريب أخته في الألم، والحزن كسرٍّ أكبر خبّأته في خزائنها، حين ختم الصمت على شفتيها المطبقتين على قصيدة لا تُقال لأنها من حروف المحال.
شاعرة “المخاتلة” التي تتآمر عليها في كل خطوة لها في الشعر، تبحث عن سبب لما لا تنتظره، وهي تشهر في وجوههم موتها، كما لو أنه السيف الذي شهره المتنبي ولكن من ماء العين، ودم القلب، وهي تشهر الشعر في وجوههم كأنه الصرخة الأخيرة لعشتار قبل موت أدونيسها على يد الخنزير البريّ، وهي يقتلها نسرها الجارح حين يحملها إلى الرؤى التي تخاتلها لتصيرها، تقول:
“في غمده أدرك الفريسة من نسرها الجارح
ومن طيور الجيف تحط بين سمائها والأرض
خاتلتني الرؤى
فصرتها”.
إذاً، هي ظبية خميس تصرخ في الشعر حدّ النزف، وتكتب قصيدة الإفناء ليبدأ الخراب الجميل كما قاله أدونيس يوماً، خراب مدن العالم المعتمة، بلياليها البائسة، همزة الوصل بين مدائن التيه، كما تسميها. خراب المدن بليالي موسيقى شاحبة، وسطوة وجد في أحزانه الكثيرة وبوحه القليل، حين تقطع قفار الممالك كأنها امرؤ القيس في القصيدة، ولا تقبله إلا باكياً.
هي كبرياء الشاعرات النسوة إذاً، ترتد عن تراث الشعر، لتشذبه، لتعطيه نضارة اللغة، حين الذكر لم يترك له إلا مساحة الفخر، حتى بالموت. أيّ انتصار هذا الذي تسجله ظبية خميس على ذاتها وقريناتها في الكتابة، حين تحيل الضعف قوةً، وتشير بإصبع اتهام إلى أبي الطيب المتنبي لتعيد سؤالاً تاريخياً لا يزال عالقاً في أذهاننا عمّن أحبّ هذا الشاعر، وأيّ خولة عرف فعشق، فعبق في شعره أريج عاطر أضفى عليه تلك العذوبة التي لولاها لتاه، وتهنا عن قوله الخفي، أن أنا وحبيبتي والشعر ثلاثةٌ نعلّم الكونَ اللغات”.
لا بالسيف ولا بالرمح بل بشوك الوردة، تسلحت ظبية خميس لتكتب القصيدة، وتدخل في مجهول تلك الليالي التي انفتحت على احتمالات الأبد، في نصها “تلك الليالي” من “نحو الأبد”، فهي تستعير القيمة الرمزية والأسطورية للأسرار الوجودية الكبرى، لتضعها في يد الشاعر بقدرة الكشف والتجلي الصوفيين، تقول:
“أودعتُ الخزائن أسراري
وأوسدتُ جثماني التابوت
وحين خيّم الصمت على شفاهي المطبقة
ذهب السرّ الأكبر معي”.
كبرياء شاعرة تتحدى نفسها، لتقول ما لم تقله، وتحتمل من الوجع ما لا تحتمله الليالي مفرطة الجوع، إلى موسيقا تريح الروح، وتعيد لليلنا رومانسيته الدافئة، بل تلعب بالزمن بين أمس وغد والآن، كأنه أمس لا يمضي، وماضٍ لا ننساه، وإن استطعنا الصمت على تفاصيله التي أتعبتنا طويلاً.
في لغة الإيجاز الإعجاز، تستطيع شاعرة كظبية خميس أن ترقى بالقول الشعري إلى أقلّه وأدلّه، في لغةٍ تعلن آخر العمر، وأول الشعر بما للشعر من امتلاك للأقصى من المستطاع، حين الجنازة نهاية الغياب، بداية الحضور الآخر لها وحدها دون سواها من البشر، وحدها دون تفاصيل وجوههم المريضة وحالات ضعفهم وارتجاف عظامهم بخوف الموت، والبوح بما تستطيعه من إماطة اللثام عن ثنايا روح لم تسترح يوماً في المكان، كأنه ضيق القلب عن احتمال الفرح أو هو قدر الشعراء في وجع أبدي يمضي بهم نحو الأبد، بخطى الشعر الواثقة والصراخ، تقول:
“إن في موتي موتهم
وإن يدفنوني بالأمسِ
لا يدفنون في موتي
موتهم”.
(iii)

فلاش
كتب أسعد الجبوري:الشاعرة ظبية خميس شاعرة باذخة في تنمية النصوص وسط الحرائق والكوابيس والحطام.وبذات القدر أو أكثر قليلاً ، فهي من الشيطلائكيين الذين يديرون نصوصهم بأشعة التأمل الجارف لمكونات الحياة التي لم تستطع الرسوخ في الشعر ولا استهلاك أرواحه.

نماذج:

نحو الأبد
تلك الليالي
كل تلك الليالي
همزة الوصل بين مدائن التيه
كل تلك الموسيقى الشاحبة
تقطع قفار الممالك نحو قلب يتأمل
سطوة الوجد في أحزانه
في بوحه القليل
ومزامير وحدته المتوجة بإكليل عيسى.
رامني السير، فرمته
لا الخيل، ولا البيداء، ولا السيف
في غمده أدرك الفريسة من نسرها
الجارح ومن طيور الجيف تحط بين
سمائها، والأرض.
خاتلتني الرؤى، فصرتها.
قل للغريب في جوف أرضه
تموت بين غدين وبين زمنين
وتأكلك الأرض، ولا تأكلها.
أودعت الخزائن أسراري
وأوسدت جثماني التابوت
وحين ختم الصمت عل

أخر المقالات

منكم وإليكم