كتاب الفن الحيوي تجميع لمقالات منشورة بالدوريات البيروتية والعراقية والسورية. للكاتب الفنان العراقي شاكر حسن ال سعيد،

شاكر حسن آل سعيد : الفن الحيوي
(تمهيد)

يشتملُ هذا الكتاب على تآليف غير معروفة في غالبها للفنان العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد؛ وإذا كان بعضُها عرفَ النشر في دوريات بيروتية وبغدادية في خمسينيات القرن المنصرم، فإن بعضها الآخر مخطوطٌ، ممَّا عرفتُه وتوصلتُ إليه في محفوظات الفنان. وهي تآليف ذات أهمية، لا لكونها مبكرة، ومغمورة وحسب، وإنما لأنها تكشف عن صيغة فكرية-فنية غير معروفة لرائد الحروفية في الفن العربي الحديث: “الفن الحيوي”.
هذا ما أقدمتُ، بعد جمعِه، على توزيعه في أربعة أقسام، ما لم تكن مصنفة، أو مجموعة، على هذه الحال، لا في كتب آل سعيد، ولا في محفوظاته التي عدتُ إليها. إنها الأقسام التالية: في السيرة الفنية، في الفن الأوروبي الحديث، في الفن العراقي الحديث، وفي الفكر الفني.
هذا ما انتهيتُ إليه في تفقدي لدوريات عربية مختلفة، وفي تفقدي وفحصي لبعض محفوظات الفنان الراحل. فلقد وجدتُ عدة مقالات له في المجلتَين البيروتيتَين: “الأديب”، و”الآداب”، وفي المجلة العراقية: “الأقلام” وغيرها . وهو كذلك ما تمكنتُ من جمعه لجهة المحفوظات، في لقاءات عديدة مع الفنان، في بغداد أو باريس، ومنها خصوصاً اللقاء الأخير به في عَمان، في الشهر العاشر من سنة 1996.
هذه التآليف المختلفة هي ما اجتمعَ في هذا الكتاب؛ وهي متفاوتة الحجم، تعود، في غالبها الأغلب، إلى سنوات واقعة بين تأسيس “جماعة بغداد للفن الحديث” (1951)، ودراسته العالية في باريس (1955-1958). وتجدر الإشارة إلى أن اثنتَين من هذه المخطوطات ظهرتا لاحقاً في كتابه: “الحرية في الفن”، الذي صدر عن منشورات “مديرية الفنون العامة” بوزارة الإعلام العراقية، في العام 1974.

ما تَكشَّفَ، في قراءة هذه المواد الكتابية المختلفة، أنارَ مدَّةً مجهولة، أو مغمورة، في بدايات آل سعيد، حيث إن حضوره كان يتعين، في تلك السنوات، بين دراسته الفن، وإسهامه ومشاركته في نشاطات ومعارض “جماعة بغداد للفن الحديث”، ليس إلا. قراءةُ مواد هذا الكتاب تُظهر للمتابِع والمدقق عدة أوجهٍ للفنان الراحل:

  • وجه الطالب وهو يصير فناناً، أي جوانب من سيرته الذاتية، خصوصاً الفنية، ولا سيما ما سبقَ، وما تلا مباشرة، تأسيس “جماعة بغداد للفن الحديث”، ما يشير إلى مسار الطالب والفنان معاً في هذه المدة المبكرة من التعلم والتمرس والتفكر في مجال الفن؛
  • وجه الناقد، والشارح، في مجموعة من المقالات التعريفية-النقدية بنزعات الحقبة “الحديثة” في الفن، بين: كلاسيكية، وانطباعية، وتكعيبية، وسوريالية وتجريدية وغيرها، ما يشير إلى تعلمه وتثاقفه، من جهة، وإلى خياراته الفنية المتوائمة مع طروحات الحقبة “الحديثة”، من جهة ثانية؛
  • وجه الناشط في المجال الفني العراقي (إلى جانب جواد سليم، وباستقلال عنه)، والذي تعيَّنَ في جملة من المقالات التي عاينتْ عروضاً للفن العراقي الحديث، كما تعيَّن كذلك في ردود على انتقادات طاولتْ مشاركات آل سعيد الفنية الأولى؛
  • وجه المفكر الفني، إذ يتضح، في عدد بارز من المقالات، انشغالُ آل سعيد ببلورة نزعة فنية، حديثة ومحلية في آن، خاصة به، ما يُعتبر التجليات الأولى لتنظيره الفني، وهو ما لا يَظهر، ولم يُعرَف، بالمقابل، عن إسهامات آل سعيد في النظرية الفنية.
    هذه الأوجه الأربعة تكشفتْ خصوصاً عن عملِ آل سعيد، منذ هذه السنوات المبكرة في مسيرته الفكرية والفنية، في بلورة منظور لفنه في المقام الأول. هذا ما يتضح في اشتغاله البين على ما يمكن تسميته بالنزعة الحيوية، أو “الفن الحيوي”؛ وهو ما يرد بلفظه، أو بمعانيه، أو بعروضه التحليلية في هذه التآليف المختلفة.
    هذا يعني، بالتالي، أن هذا الكتاب يُقَدِّم للقارئ مجهولاً أكيداً في فكر آل سعيد الفني، كما في فنه في تشكلاته الأولى. إذ إن المتداول والمعروف عن بدايات آل سعيد يتعين في إسهامه، لا سيما النظري، في البيان الأول لـ”جماعة بغداد للفن الحديث” الذي كتبَه بنفسه (على ما هو معروف)، من دون أن ينجلي تصوره الفني الخاص به في هذه الجماعة. هذا ما يتكفل هذا الكتاب باستبيانه؛ وهو ما يتضح بصورة أشمل، إذ تشتمل هذه التآليف على زوايا نظر مختلفة إلى عالَم الفن: ابتداء من السيرة الشخصية، ومن الانشغال النظري بتيارات الحداثة الأوروبية، ومن معاينة تجليات الفن العراقي الحديث، بلوغاً إلى بلورة آل سعيد لاشتغالاته النظرية وفكره الجمالي.
    تَرتسم، إذن، في هذا المسار، بين بغداد وباريس، في خمسينيات القرن العشرين، سردية تشكيلية مختلفة لِما سينتهي إليه الفنان في العقود التالية من نشاطه الفني والفكري بين “البيان التأملي” (1966) و”بيان الحروفية” (1971) وغيرهما (…).

هذا ما يتوصل المحقق إلى التعرف إليه في جوانب من سيرة آل سعيد، كما تتبدى في صفحات مجهولة (منشورة في هذا الكتاب) كتبَها بنفسه، خصوصاً وأنه لم ينصرف، في ما خلَّفه من كتابات، إلى كتابة سيرته الذاتية، أو بعضٍ منها . فلقد وجدتُ ما يشير إلى جوانب ولحظات منها، ومنها التعبير عن بعض أحواله النفسية “القلقة”، كما في المخطوط الأول: “مذكرات حول الإنشاء الفني”.
“لا أزال متعباً”؛ ثم يضيف: “وهذا دأبي. فما وراء عَظْمِ الجمجمة، يكمن ذلك الحوت الذي يلتهمني”. غير أن هذا البوح (العائد إلى العام 1951) قليلٌ في المدونة المعنية؛ فهو – إن دلَّ على أحوال نفسية في مقتبل العمر، مع امرأة “ذات عينَين شريرتَين” (كما يتضح) – يُعبِّرُ عن ميلٍ تصويري إلى وجوه بعينها، كما لو أن اللوحة تَستظهر صور الذكريات، لاسيما في الطفولة. إلا أن حديثه عن بعض أعماله، لا سيما التي تعود إلى نشاطه إثر تأسيس “جماعة بغداد”، يشير إلى مشاهدات ومعايشات بين بعقوبة (حيث كان يَعمل) وبغداد (حيث كان يَدرس)، كما في هذه اللوحة الفنية: العودة إلى القرية: “كنتُ ألمح، في طريقي من البيت إلى المدرسة، عشرات الوجوه. وجوه قروية، وآلاف السحنات. سحنات متألمة، كادحة. فما كان أقربها إلى قلبي (…)، تتألم، وأتألم لها: الفلاح يحمل آلات حرثه؛ والفلاحة قلقة (…). ما كان أقربهما إلى قلبي! وفي الطريق أيضاً، كنتُ أنظرُ في أحداق المواشي الناعسة”. ثم يتابع: “لقد كان يخيل لي أحياناً أننا نتحاور. وكذلك كان هديرُ الموج، ونقرُ قطرات المطر، وحفيفُ أوراق شجر الحَوْر همسَ في أذني منذ زمن بعيد.
كنا نتحاور: يقول بعض أفراد القطيع: إننا ذاهبون نعمل. ويقول بعض الفلاحين: إننا سنحرث الحقل. ويقول الطفل البائع: ألا نشتري من هذا التفاح؟ وتقول المرأة: ألا تشتري من أجل عينيّ؟ أـما أنا فكنتُ أجيبُهم جميعاً بأنهم من الزملاء”. عن أي زمالة يتحدث؟ وماذا عن هذا الحوار؟
يعترف آل سعيد في المخطوط عينه: “لعلي الآن أكثر فردية من ذي قبل. لستُ ذو طبيعة مترفة. فأنا لا أجدُ حرجاً في معاشرة زميلٍ تلميذٍ، وأن من معارفي رجلاً عامياً، وآخر سائق عربة. كلا، لستُ مترفاً. لأني لا أدين بالطبقية، حتى ولا الذهنية. وإني لأساوي بين جميع الناس، دونما تمييز اجتماعي، أو ثقافي. وعندي أن ما يميزُهم هو مدى تقديري لهم كعوالم حرة التفكير، أو لسبب لا أعلمه. ولكن هذا لا يعني أنني ذو طبيعة شعبية (بالمعنى الجماعي). نعم، أنا شعبي في عواطفي. أحبُّ أبناء جلدتي، وإن كان بعضهم لا يحبني. وأنا أرى أنني أرسم لهم أيضاً. ولكن هذا لا يقضي على تلك “الدعوة” في نفسي، الدعوة إلى حريتي”. هذا ما يرسم علاقة “شعبية”، و”عاطفية”، مع الغير، إلا أنها لا تنفي “فرديته”، التي تعني حريته. وهو تعالقٌ وتجاذبٌ غير بعيدّين عن مناخات “يسارية” في عراق الخمسينيات، في التصور والموقف، إذ يربط فيها المثقفُ بين ميله “الشعبي” وتمايزه الحر عن غيره. وهو موقفُ تمايزٍ عمّا يقوم به فنانون، لا سيما في جماعة “أصدقاء الفن”، التي يقول فيها آل سعيد إنها “محاولة عامة”، و”تَخدم الفن”، إلا أنها “لا تروج فكرةً ما في الفن، وهنا نقطة الضعف فيها”. إلا أن هذا المَيل، أو التوجه إلى الجمهور العريض يصدر كما يتفاعل مع منظور “حيوي”، أكثر شمولاً واتساعاً، وهو ما يمكن اختصاره بأن آل سعيد ليس مؤيداً لـ”فن الطبيعة”، وإنما لـ”فن الحياة”، (ما لي عودة إليه أدناه).
غير أن الحديث السِّيَري عن الذات يتعين (في أكثر من مخطوط منشور في الكتاب)، في علاقاته مع زملاء وأصدقاء وأساتذة وغيرهم؛ وهو ما يَنطلق (وفق كلام آل سعيد نفسه) من الدور التأهيلي الذي تولاه ساطع الحصري (1880-1968) لكثير من فناني الجيل الثاني، المحترِف، في الفن العراقي الحديث. فجيل “الأوائل” من التشكيليين العراقيين (عبد القادر الرسام، محمد سليم وغيرهما) لم يكونوا محترفِي فن، بل وجدوا في بعضِ ما تعلموه، أثناء إعدادهم العسكري في الجيش العثماني، ما ناسبَهم من عملٍ ومكانةٍ بعد تسريحهم من الجيش إثر سقوط السلطنة، إذ بدت نُخَبٌ في بغداد قابلة لتجليات هذا الفن المستساغ في الذائقة التي كانت تتشكل في العراق الملكي تحت الرعاية البريطانية: هكذا قام البعضُ منهم بممارسة تعليم الفن في مدارس، وبإنتاج لوحات راح البعض يُقبل على اقتنائها، ورفعها فوق جدران البليوت والصالات…
هذا ما تكفلتْ به، بعد الجيل الأول، سياساتٌ ملكية في إيفاد بعثات تعليمية لدرس الفن في مدن ومعاهد أوروبية، بين لندن وباريس وروما، منذ العقد الثالث في القرن العشرين. وهو ما رعاه ساطع الحصري، بعد انتقاله من دمشق إلى بغداد مع الأسرة الهاشمية، بعد فشل “الحكومة العربية” بقيادة الأمير فيصل، ثم تولي هذا الأخير العرش العراقي ابتداء من العام 1921. فقد تولى الحصري منصب “مدير المعارف” في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم مدير “المتحف العراقي” في الأربعينيات منه؛ ولقد قام، في مسؤولياته هذه، بتجميع أعداد من الفنانين وطلبة الفن حوله، وكلفهم بمسؤوليات، مبنية على توجهات وسياسات قاضية بابتعاث المخزون الرافديني من أحجاره، والاستثمار فيه فنياً وثقافياً وسياسياً. هذا ما يكتبه آل سعيد عنه في أحد المخطوطات: “كان (الحصري) اللولبَ الفكري المؤكِّد على أهمية التراث في تأكيد الاستقلال السياسي للعراق (…). لقد كانت حقاً توعية داخلية مهمة، تلك التي واكبتْ نمو الشعور القومي، أو الحاجة إلى الاستقلال عن قوى الاستعمار بأي شكل كان، فألهبت نفوس الفنانين، وهم من طليعة المثقفين”. وهو ما ارتسم في تحلق أعداد من الفنانين حوله: “كان (الحصري)، وقتئذ، قد احتضنَ عدة عبقريات شبابية في “المتحف العراقي”، وهم: أكرم شكري، وجواد سليم، وعيسى حنا، وحافظ الدروبي، وعطا صبري، وربما كان منهم جميل حمودي، وخالد الرحال. فكان يوحي لهم، بعد أن كلفهم ظاهرياً بوظيفة صيانة الأعمال الأثرية في المنحوتات والفخاريات وما إلى ذلك، بأهمية هذه الآثار في النهضة الفنية”.
إذا كان ساطع الحصري قد رسم هذه السياسات، واحتضنَ ووجَّهَ هذه المواهب الشابة، فإنه ابتعث، في فكره وتوجيهاته، ما له أن يكون أن يكون المثال، وهو: يحيى الواسطي. فقد كان، برسومه المبنية على “مقامات الحريري”، أن يكون “الملهِم” سواء للفنانين حول الحصري، أو لشاكر حسن آل سعيد نفسه. هذا ما يكون موضعَ تذكرٍ وسردٍ في أكثر من مخطوط (في الكتاب)، ما يُظهر الانبثاق المفاجئ والمثير لتصاوير الواسطي، سواء لدى الحصري، أو عطا صبري، أو جواد سليم، أو عند آل سعيد نفسه، الذي عملَ على معاينة المخطوط الفني الشهير المحفوظ في “المكتبة الوطنية” بباريس، أثناء دراسته فيها. وهو ما ترددتْ مفاعيله في حياة هؤلاء، وخياراتهم الثقافية والتشكيلية، بما فيها خيارات آل سعيد خصوصاً. وهي علاقاتُ تفاعلٍ تجلتْ – إضافة إلى “الملهم”، أي الواسطي – مع: جواد سليم نفسه. إذ سيكون هذا الأخير أستاذاً لشاكر في “معهد الفنون الجميلة”، وسيدعوه للعمل معاً على إطلاق “جماعة بغداد للفن الحديث”. وهي شراكة تعليمية، و”روحية” (كما يسميها آل سعيد)، وتفيض بالامتنان والعرفان من قبل الطالب-الفنان. وهو ما يتسع (في مخطوطات هذا الكتاب) ليشمل أساتذة آخرين في “المعهد”، مثل فائق حسن وغيره، بما يوضح التلاقيات، ولا سيما التباينات في الأسلوب الفني، أو في الفعالية الفنية نفسها: ما يتضح في خيارات سليم-آل سعيد، هو أن خيارهما التأسيسي في مجال الفن لم يكن يستجيب (كما مع غيرهم ممن سبقوهما في تأسيس جماعات فنية) لتلبيةِ نزعات أسلوبية في التشكيل، متلاقيةٍ مع ما تعلموه وتمثلوا به في معاهد وتجارب أوروبية، وإنما يستجيب خيار سليم-آل سعيد، في المقام الأول، ويطلبُ تموقعاً محلياً في مجال الفن. هذا ما ظهرَ في الاسم، بداية، أي: جماعة بغداد (بعد أن تداولوا باسم بابل قبله، على ما يتضح في هذا الكتاب)، فيما كانت تتوزع أسماء الجماعات الفنية السابقة عليها على مدارس ذات إحالات أسلوبية أوروبية، أو إلى إحالات خاصة بالمتحلقين في المجال الفني (“أصدقاء الفن”). كما يمكن التنبه أيضاً إلى أن خيارات “جماعة بغداد” طلبت السند الحضاري-الثقافي-الفني العراقي القديم، بين الرافديني والإسلامي، ما تمايزت به تماماً عن الخيارات لدى غيرها من “الجماعات” والفنانين.
هذا الجمع بين السند المحلي والأسلوبية الأوروبية “الحديثة” لا يعدو كونه الجمع – في تجربة آل سعيد نفسها – بين الفن وفكر الفن، كما يتجلى في كثير من تآليف هذا الكتاب. فقد اشتملتْ أقسامٌ منه على ما يشير إلى المعاينة، والتثقف، والتفكر، في آن: معاينةُ تجلياتِ فنانين وتجارب عراقية مختلفة، والتثقفُ والتعريفُ بالتجليات “الحديثة” في التشكيل الأوروبي، لا سيما بعد الانطباعية، والتفكر في صياغة منظور خصوصي للفنان.

هذه السيرة – في إلماحاتها النادرة والمقتضبة – تتلاقى وتتفاعل في أشكال متفرقة مع ما كتبَه آل سعيد في تثقفه الفني، كما في نقده الفن العراقي الماثل له في جماعات فنية، وفي معارض. فغير مقال له طلب التعريف بمعلِّمي الحقبة “الحديثة” (بين إدوار مانيه وفان كوخ وبول كلي وبيكاسو وغيرهم)، وبأساليبهم ونزوعاتهم الفكرية في تجديد الفن. بل تبدو هذه المقالات في صورة مزدوجة: بين كونها وسيلة نشر ثقافة فنية مجددة عبر مجلتَين بيروتيتَين (“الأديب”، و”الآداب”)، وبين كونها مدونة تعلمِ آل سعيد للفن في مناهله التي اختارها وطلبَ التزود منها. هكذا تتجلى، في عدد من مقالاته، خطة تصميمية مستقاة من كتب ومن طروحات، بل أكثر من ذلك (…).

لهذا تلتقي في منظوره “الحيوي” الحرية مع الموقف، ما يعني أن الفنان بات هو ناظم العمل الفني، لا “الأكاديمية”، ولا المقتني، صاحب “الطلبيات الفنية”: “فالفنان العصري المبدع – عندي – هو الكائن الحر الذي يلتزم في التعبير الفني موقفاً وجودياً، كما يلتزم مواقفه في الحياة”.
ولقد وجدتُ مناسباً ذكر بعض تعبيراته في خصوص الفن الحيوي: “هناك عالم يحتويني، لا يتسنى لي أن أتعداه، ولا يتسنى له أن يتعداني. وهذا العالم، هذا الكون، هو “إنسانيتي”. وهو ذلك الفلاح الماشي نحو الأفق برجولته وأنثويته، بشبابه وطفولته وشيخوخته، “بقطيعه” الذي يلبس فيه جسد الإنسان، ويذوب في دمائه”. كما يكتب: “العمل الفني فعلٌ حيوي يُظهر موقف الفنان من الحياة. وهذا هو الموقف العصري للرسام”؛ و”يقتضى هذا الوضع الجديد، بالطبع، اتخاذ الحياة موضوعاً للرسام، يعاد وضعها على السطح التصويري. أمّا الطبيعة، فلن تعامل حينئذ إلا كوسيلة تحدد نظرته إليها، مظهراً كانت أم مضموناً. وسيكون موقف الفنان المعاصر من الحياة موقف فان كوخ من الطبيعة” (…).

لطالما سألني أكثر من صديق عراقي، وأكثر من فنان عربي، عن علاقتي، التي امتدت لعقود، بشاكر حسن آل سعيد. ولطالما استوقفَهم، وغيرهم، كتاباتي الكثيرة عنه. هذا ما أُحسن الإجابة عنه أكثر بعد ألفتي المتمادية مع ما اشتملَ عليه هذا الكتاب من تآليف (وغيرها مما لم يرد فيه). فقد اشتهر آل سعيد بكونه المنظر الأول للحروفية، وفي كونه (قبل ذلك) كاتبَ البيان الأول لـ”جماعة بغداد للفن الحديث” وغيره من “بيانات” تالية. إلا أن ما خفي، في هذا، هو كونه لم ينقطع، منذ بداياته وحتى أخريات حياته، عن الانشغال الفكري والنقدي بالفن: سواء لفنه، أو لما يستثيره في تجارب فنانين عراقيين عديدين. ما خفي – في اختصار – هو أن شاكر حسن آل سعيد اعتنى بفكر الفن، بين تأريخٍ له، ونقدٍ له، وتفكرٍ فيه، ما لا نجده، لا في زمنه، ولا بعد وفاته، في أي فنان عربي. وهو انشغالٌ فكري، ووجودي، بقدر ما هو انشغالٌ فني، وحضاري: انشغالٌ يَسترشد بطروحات الفكر الفني، هنا وهناك في عالَم الفن، بما يؤسس ويبني “صيغة” للفن، له كما لغيره. فما يمكن التحقق منه، في تحولاته وانعطافاته، هو أنه، مثل الفنان “الحديث”، لا ينقطع عن الجمع بين الفكر والعمل الفني، ما جعل الفن أعلى وأبعد من ممارسة وحرفة ومهنة، بل جعله أقرب إلى الرؤية الوجودية و”الخلاصية” كذلك. يكتب في “مقدمة” الطبعة الأولى لكتابه “الحرية في الفن”: “ولعلي غير مغالٍ إذا قلت إن ما أهدف إليه في الكتابة، بالإضافة إلى الرسم، هو أن أحقق وجودي في العالم” .

ما جعلني أقتربُ منه، وأختلفُ معه في كثير من القضايا، هو أنني كنتُ أتعلم عليه، وأمتحنُ معه، في ما يُنتج، ما يمكن أن يكون عليه الخطاب عن الفن، سواء العربي الحديث، أو الإسلامي القديم.
وما ارتبط بجواد سليم يتأكد في وجهة أخرى في مقال بعنوان: “بغداديات” (المنشور في دورية “الأقلام” البغدالدية). فهو مرفق برسم شهير عن بغداد لسليم (في نهاية المقال)؟، لكنه يتجه إلى الحديث عن أوجه اجتماعية، موصولة بأخبار عباسية وغيرها عن “مدينة السلام”.
(مقتطفات من التمهيد الطويل للكتاب الذي صدر مؤخراً عن دار خطوط وظلال الأردنية، ويكشف عن مرحلة فنية، نظرية وعملية، غير معروفة في مسار الفنان العراقي الراحل ابتداء من كتاباته غير المنشورة وغير المعروفة).

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم