الرهاب التطوري: لماذا نخاف الأفاعي أكثر من حوادث السيارات؟لو احتكمنا للمنطق والإحصاء في العصر الحديث، لوجب علينا أن نصاب بالهلع كلما اقتربنا من مقبس كهربائي، أو ركبنا سيارة، أو تناولنا طعاماً مشبعاً بالدهون، فهذه هي المسببات الحقيقية للموت اليوم. ومع ذلك، نجد أن الغالبية الساحقة من أنواع الرهاب البشري تتمحور حول العناكب، الأفاعي، المرتفعات، والمساحات المكشوفة. لماذا يوجه العقل البشري بوصلة رعبه نحو أخطار بدائية، متجاهلاً الآلات القاتلة التي صنعها بنفسه؟يتصدى علم النفس التطوري لهذه الإشكالية من خلال مفهوم يُعرف بـ “الاستعداد البيولوجي” أو “المخاوف التأهبية” (Preparedness)، والذي صاغه باحثون أمثال آرني أومان وسوزان مينيكا. تقترح هذه النظرية أن البشر لم يولدوا كصفحة بيضاء قابلة لتعلم الخوف من أي شيء بالتساوي، بل إن أدمغتنا —وتحديداً منطقة اللوزة الدماغية— مبرمجة جينياً لتشكيل روابط عصبية سريعة وعميقة للخوف من الأشياء التي شكلت تهديداً وجودياً لأسلافنا عبر ملايين السنين من التطور.لإثبات هذا الانحياز التطوري، أُجريت تجارب معملية حاسمة، أبرزها تجارب مينيكا ومايكل كوك على قرود الريسوس. في هذه التجربة، تم إحضار قرود نشأت في المختبر ولم ترَ أفعى في حياتها، وبالتالي لم تكن تخاف منها. عُرضت على هذه القرود أشرطة فيديو لقرود أخرى تظهر ردود فعل مرعبة. عندما كان الفيديو يظهر القرد وهو يرتعب من أفعى، تعلمت قرود المختبر فوراً الخوف من الأفاعي. ولكن، الصدمة المعرفية كانت عندما تم تعديل الفيديو ليظهر القرد وكأنه يرتعب من زهرة؛ هنا، فشلت قرود المختبر في اكتساب أي شعور بالخوف من الزهور.يشير هذا إلى وجود “وحدة نمطية للخوف” في الدماغ، تعمل بشكل تلقائي وبلا وعي. الخوف من الأفاعي متجذر بالفطرة، ولا يحتاج سوى لمحفز بسيط لتنشيطه، بينما الأخطار الحديثة كالسيارات، رغم فتكها، ظهرت في مرحلة متأخرة جداً من التاريخ البشري، ولم تحظَ بالوقت الكافي لترك بصمتها في السجل الجيني التطوري للأنواع. نحن نعيش في عالم حديث، لكننا نواجهه بجهاز إنذار صُمم لغابات العصر الحجري.#علم_النفس_التطوري #البيولوجيا_السلوكية #الرهاب#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت..


