في قلب ريف ساحلنا السوري الجميل حيث كانت تشرق في تلك الليلة المناسبة التي تحمل معها عبق التاريخ وأصالة الأرض. كانت القرى وسط تلك البقاع الساحرة تحتفل بعيد “القوزلة” الذي يصادف غداً وهو مناسبة تراثية عميقة الجذور تحمل في طياتها العديد من الرموز التي ترسخ ارتباط الإنسان بالأرض والزمان.
هذه المناسبة التي تعود بجذورها إلى العصور السحيقة لم تكن مجرد احتفال عابر. كانت بداية فصل جديد في حياة أهل تلك القرى بداية تتجدد فيها الأرض وتبزغ فيها شمس الأمل والخصب. وكان الوقت الذي تحل فيه القوزلة هو فترة الانقلاب الشتوي حيث ينتصر النور على الظلام وتستعد الطبيعة لتحية الربيع بعد أشهر من السكون والبرد.
تعود تسمية “القوزلة” إلى كلمة سريانية قديمة يُعتقد أن أصلها يعود إلى “كوكازال” أو “كُرْزالا” وتعني “رأس السنة”. وكانت هذه التسمية تستخدم في العصور القديمة للإشارة إلى بداية دورة جديدة في الطبيعة بداية تكون فيها الأرض مستعدة لاستقبال الحياة من جديد إذ كان أهل الساحل السوري يعتمدون على الزراعة بشكل أساسي وكان لهذه المناسبة دور كبير في تهيئة الأرض والشعوب لاستقبال عام زراعي جديد.
في ليلة 13 إلى 14 كانون الثاني التي تتوافق مع بداية السنة على التقويم الشرقي وفق التقويم الأرثوذكسي..
كانت قرى الساحل السوري تشهد حالة من النشاط والحركة التي تمثل الفرح بقدوم عام جديد. وها هي تلك الليلة التي تُشعل فيها النيران وتدق فيها الطبول وتصدح فيها الأغاني تحمل تاريخًا طويلًا من الطقوس التي تمزج بين الرغبة في تجديد الحياة وبين الاحتفال بقدوم الربيع.
منذ أزمانٍ بعيدة كان إشعال النار في تلك الليلة يُعتبر أمرًا حيويًا إذ كان يرمز إلى طرد الشرور والظلام ويعتبر بداية جديدة يودع فيها الناس شياطين الماضي وأخطائه. النار التي كانت تُشعل في الساحات أمام البيوت أو في أماكن مفتوحة كانت تشبه جمر الحياة الذي يشتعل داخل كل فرد في القرية. في بعض القرى كان الشباب يقفزون فوق النار كنوع من الطقوس الرمزية ليتطهروا من كل الشرور التي حملوها معهم من العام الماضي.
المأكولات والتقاليد:
أما على الموائد فكانت القوزلة تقدم أكثر من مجرد طعام كانت تمثل ارتباط الإنسان بأرضه. كانت الكستناء المشوية هي رمز دفء الشتاء وكذلك البلوط المشوي الذي يمثل ثمار الأرض التي كانت تعتبر من أولى نباتات الساحل السوري. لا تخلو الموائد أيضًا من الحمص والفول المسلوق وأطباق أخرى مثل “البرغل بالسمنة” أو “الرز بالعدس” أو الكبيبات باللحمة أو السلق التي كانت تُعد بعناية في كل منزل ويُحتفل بها وسط الضحكات والحكايات المتبادلة بين الأهل والجيران. ويستمر التبادل بين فنجان من اليانسون الدافئ ولقمة من اللب السوري المحمص حتى تنقضي الساعات في أحاديث لا نهاية لها.
لم تكن احتفالات القوزلة تقتصر على الطعام والاحتفال بنجاح موسم زراعي فحسب بل كانت فرصة للاحتفاء بالفلكلور الشعبي الموروث عبر الأجيال. كانت أقدام الفلاحين تتنقل في حركة دائمة على إيقاع الدبكة الشعبية تلك الرقصات التي كانت تعبر عن فرح الأرض بالخصب والنماء وتعبيرًا عن الارتباط العميق بالطبيعة التي لا تتوقف عن العطاء. ترافق الرقصات أصوات “الشبابة” والمجوز تلك الآلات الموسيقية التي كان صداها يتنقل بين الجبال لتضفي أجواء من الفرح والاحتفال.
تعتبر رمزية القوزلة في جوهرها رمزًا للرباط المتين بين الإنسان والأرض. كانت هذه المناسبة تمثل لحظة يتجدد فيها الأمل بعد موسم قاسٍ من البرد والظلام، حيث كان أهل الريف يرون في هذه اللحظة بداية دورة جديدة من الحياة الزراعية. كان هذا الاحتفال يعد بمثابة إحياء للطبيعة نفسها وتحضيرًا للأرض لاستقبال الربيع الذي هو بداية جديدة للمحاصيل والزرع. وفي هذه اللحظة، كان الجميع يشعرون بتجدد الحياة في داخلهم، وكانوا يأملون بأن يكون العام الجديد عامًا مليئًا بالخصب والوفرة.
انتقال العادات عبر الأجيال:
مع مرور الزمن تبقى القوزلة جزءًا من التراث الشعبي الذي يُنقل من جيل إلى جيل. كبار السن الذين عاشوا هذه الطقوس في أيام شبابهم، كانوا حريصين على تعليم الصغار هذا التقليد الجميل حتى لا يضيع بين أيديهم. ومع مرور السنوات بدأ الشباب في إحياء هذه العادات ليكونوا رابطًا بين الماضي والحاضر وليرسخوا في قلوبهم ذلك الحب العميق للأرض ولتقاليد أجدادهم.
القوزلة بكل ما تحمله من معاني تاريخية وطقوس شعبية كانت وما تزال تجسد روح الأرض السورية وجمالها. هي أكثر من مجرد عيد إنها حالة من التواصل بين الإنسان والطبيعة بين الماضي والحاضر. في كل شرارة من نار القوزلة تروي الأرض قصة الأجداد، وفي كل رقصة على إيقاع الدبكة يعيد الفلاحون الحياة إلى ذكرياتهم ويستقبلون العام الجديد بقلوبٍ مملوءة بالأمل والوفرة.
كل قوزلة وانتم بالف الف خير
د.غسان القيم
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
*****************
المصادر:
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع: الإمارات اليوم
موقع: photography world
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: النهار العربي
– موقع: CNN العربية
– موقع المواهب الفوتوغرافية
– موقع : mtv
– موقع الشرق الأوسط
– موقع: القدس العربي
– موقع صحيفة صراحة الإلكترونية
– مواقع: العربية .نت
– موقع : هسبريس
– موقع: شروق
– موقع اليوم السابع
– موقع :عالم التقنية
– موقع: مصراوي
– موقع: البيان
– الرياض – العربية Business
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع: إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
**************


