حكايا الخوابي والبياطس: من غرفة مؤونة قدامى العائلات السورية في منطقة ديونيزياس (Dionysias) السويداء
وقد اكتسبت هذا الاسم نسبة إلى الإله “ديونيسوس” (إله الخمر والاحتفالات عند البيزنطيين والرومان
… ذاكرة لا تهرم
في زاوية قصية من بيوت السويداء القديمة، حيث تسكن رائحة الزعتر الجبلي وأحلام الأجداد، كانت تقبع “غرفة المونة”. لم تكن مجرد حيز هندسي في البيت، بل كانت صندوق الدنيا، وضمانة العائلة الوحيدة لمواجهة قسوة الشتاء حين تنقطع السبل وتغرق القرى بالثلوج. هناك، احتضنت جدرانُها السميكة صفوفًا من آنية الفخار الأسطوانية والبيضاوية، في مشهد صامت يختزل فلسفةً كاملةً في الصبر والاقتصاد وتوقير النعمة. إنها حكاية قدامى عائلات جبل حوران … وكلمة حوران ترجع للأصل الأرامي السرياني وهي حورين اي ارض الخصب و ارض الكهوف ، الذين نسجوا من الطين والخير إرثًا ثقافيًا فريدًا، عنوانه الأبرز: البيطس، الزلعة، والخابية.
كانت النساء يستقبلن الخريف بطقس مقدس، فيفرغن تلك الأواني الفخارية ويُعرضنها لشمس الجبل كي “تتنفس” وتستعد للموسم الجديد. فالخابية، وهي الجرة الفخارية الضخمة، كانت بمثابة الخزانة الاستراتيجية للبيت، تُصنع من تربة جبل العرب السوداء ورمل المقالع، وتُبنى على مراحل تبدأ بقاعدة عريضة وجسم يتسع لعدة قناطير من الغلال. كانت تنقسم داخليًا إلى أقسام، وتُحكم إغلاقها بغطاء من الطين نفسه، لتحفظ القمح والبرغل والطحين والقطين والزبيب والبندورة المجففة، مستفيدة من خاصية الفخار في عزل الحرارة وحماية المخزون من التسوس، حيث تبقى حرارتها ثابتة صيفًا وشتاءً. أما السوائل الثمينة فكان لها أسياد آخرون: البيطس والزلعة. البيطس هو وعاء فخاري ضخم، يتخذ شكلًا بيضويًا أقرب إلى المخروط، بسعة تصل إلى مئة لتر، وله قبضتان متقابلتان تسمحان بحمله بعناية. استخدمه أهالي السويداء لحفظ زيت الزيتون البكر معصورًا طازجًا من حقولهم، أو لحفظ دبس العنفوان الحلو، بينما استخدمه الرومان من قبل لحفظ النبيذ والزيت، وما زالت بقايا “بياطس” أثرية تروي تلك الحكاية. أما الزلعة، والتي تسمى أيضًا “الأمفورا”، فهي وعاء فخاري طويل بعروتين (يدين) استُخدم خصيصًا لحفظ النبيذ الجبلي الفاخر وخزين زيت الزيتون الصافي والعسل البري. وفي البيطس المطلي بطبقة عازلة من الداخل، كانت ربات البيوت تخبئ أثمن ما لديهن: السمن البلدي الذي يغلي على هدوء، والجبنة المخضرة المحفوظة في مصل اللبن داخل “الزلعات” الصغيرة.
كان مشهد إعداد “مونة الشتاء” طقسًا عائلياً لا يقل احتفالية عن الأعياد. في موسم القطاف، يجتمع الرجال لعصر العنب في المعاصر الحجرية، فيتدفق النبيذ الأحمر كالياقوت ليُخزّن في “الزلعات” الكبيرة، وتُحكم إغلاق أفواهها بسدادات من خشب السنديان والطين المختمر، ثم تُدفن في التراب لتظل باردة طوال العام. وما تبقى من العنب يُطبخ في قدور ضخمة حتى يصير دبسًا حلوا، فيُسكب في “البياطس” لحفظ حلاوته التي تمنح الطاقة في أيام الصقيع. أما الزيتون فكان يُعصر على البارد، ويُعبأ زيته الأخضر الغالي في “البياطس” المخصصة للزيت، والتي كانت تُدهن من الداخل بطبقة من الطين المطلي بالشمع كي لا تتسرب منه أي قطرة. وفي زاوية أخرى، كانت النساء يخضن اللبن في “الزلعات” الصغيرة حتى ينفصل الزبد عن المخيض، ثم يطبخنه ببطء على نار هادئة حتى يتحول إلى سمن ريفي أصفر كالتبر، يُصفى ويُسكب حاراً في “بيطس” السمن، ويُغطى بقماش نظيف ويُربط بحبل حتى لا يدخله الهواء. أما الجبن فكان يُصنع من حليب الماعز الجبلي، ويُترك ليتخثر ثم يُصفى ويُملح ويُحفظ في “زلعات” مليئة بماء الورد أو الزعتر البري، ليظل طازجاً حتى منتصف الشتاء. علّمت الجدات بناتهن أن حفظ الجبن في الفخار يمنحه نكهة ترابية لا تُضاهى، وأن سر الجبنة “الحادقة” يكمن في نسب الملح ونقاء الطين. كانوا يقولون: “الخابية أمانة، والبيطس حياة”. وعندما يأتي الشتاء بقسوته، وتنقطع القرى عن العالم لأسابيع، كان أهالي السويداء يفتحون غرفة المونة بثقة الواثقين بالغد. فيشعلون النار، ويستخرجون من الخابية الكنوز: زيتًا للسُّلَّة، سمنًا للبرغل، جبنًا يذوب على الخبز المحمص، ونبيذًا يفيض دفئًا في الأمسيات الباردة، حيث كانت تجتمع العائلات المسيحية الأوائل حول المدفأة تروي حكايات الزمن الجميل.
اليوم، ومع هيمنة البرادات والمواد الحافظة، توارى البيطس في زوايا المتاحف، وتحولت الخوابي إلى ديكورات صامتة في الشرفات. لكن الجيل الذي خبر تلك الأيام يعرف أن غرفة المونة لم تكن مجرد مخزن، بل كانت روح البيت وقلبه النابض، وشاهدة على زمن كان فيه الصبر هو قانون الحياة. إنها إرث ثقافي حي يذكرنا أن أجدادنا البيزنطيين والسريان في السويداء لم يكونوا مجرد فلاحين، بل كانوا فلاسفة الأرض، يعرفون كيف يختزلون الشمس في إناء من طين، وكيف يحولون الحب إلى خابية تفيض بالخير في وجه العدم … R-A
#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت،…


