كتب م / رمضان بهيج
قرار النسر: مخاض الولادة الثانية واستعادة السيادة على الذات
في كثير من الأحيان، حين يطرق الإنسان أبواب الستين، يجد نفسه عند نقطة حرجة تُشبه “نقطة الانهيار”. يشعر المرء حينها أنه استنزف طاقته، وأنه بات مُثقلاً بعادات قديمة، وخيبات محفورة، وذكريات مؤلمة لم تعد تصلح كوقود للمستقبل. تصبح أدواتنا القديمة قاصرة عن اصطياد أحلام جديدة، وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل تستسلم للذبول في منتصف الطريق، أم تمتلك الشجاعة للنهوض وتجديد كينونتك؟
أسطورة التجديد: حين يختار النسر حياته
لنتأمل قصة النسر، ذلك الطائر الذي يُعد رمزاً للشموخ وطول العمر، إذ قد يمتد به العمر إلى ٧٠ عاماً. لكن الوصول إلى هذا الرقم ليس نزهة، بل هو قرار بطولي يتخذه عند بلوغه سن الأربعين.
عند الأربعين، يواجه النسر خريف جسده:
المخالب: تفقد مرونتها وتصبح عاجزة عن قنص الفريسة.
المنقار: ينحني بشدة ليقترب من صدره، مما يجعله عائقاً أمام الأكل لا وسيلة له.
الأجنحة: تثقل بسبب كثافة الريش القديم وتراكم السنين، فيصبح الطيران عذاباً لا يُطاق.
هنا، يجد النسر نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام لقانون الجاذبية والجوع والموت ببطء، أو خوض “رحلة التغيير المؤلمة” التي تستغرق ١٥٠ يوماً من العزلة.
العزلة: محراب التطهير من العجز
يختار النسر الشجاع الحياة، فيعتزل في قمم الجبال، بعيداً عن صخب السماء التي كان سيدها. تبدأ المرحلة الأكثر قسوة في حياته، وهي مرحلة “تفكيك الذات القديمة” لبناء ذات جديدة:
تحطيم القيود: يبدأ النسر بضرب منقاره المنحني بصخرة صماء مراراً وتكراراً، بضربات قاسية وإرادة حديدية، حتى يقتلعه من جذوره.
الصبر الجميل: ينتظر في صمت مريب حتى ينبت له منقار جديد حاد.
انتزاع الماضي: باستخدام منقاره الجديد، يبدأ بخلع مخالبه القديمة واحدة تلو الأخرى. ألمٌ يفوق الوصف، لكنه ثمن البقاء.
الخفة والتحليق: حين تنبت المخالب الجديدة، يبدأ بنتف ريشه الثقيل الذي كبّل طيرانه لسنوات، لينتظر نمو ريش جديد خفيف وقوي.
خمسة أشهر.. وثلاثون عاماً من المجد
بعد خمسة أشهر من الألم، الجوع، الصبر، والتحول المنفرد، يفرد النسر جناحيه الجديدين، وبمخالب من فولاذ ومنقار صلب، يطلق صرخة النصر ليحلق في السماء من جديد، مكتسباً ثلاثين عاماً إضافية كملك غير متوج للأعالي.
“الألم مؤقت، أما مجد الولادة الجديدة فهو خلود لا يدركه إلا عشاق الحرية.”
إن القسوة التي مارسها النسر على نفسه لم تكن غاية، بل كانت وسيلة للتطهير من العجز. هكذا هي النفس الحية؛ لا تخشى التفتت إذا كان في ذلك سبيل للبعث من جديد.
رسالة إلى جيل الستين: السماء لا تزال تتسع لكم
يا من عبرتم حاجز الستين، لا تركنوا لليأس، ولا تقبلوا بالرحيل الصامت في زوايا الانتظار. إن “التقاعد” لا يعني التوقف عن الحياة، بل هو فرصة لتغيير “المنقار” الذي أثقلته الكلمات القديمة، و”المخالب” التي أعجزتها الدروب المنهكة.
اكسروا قوالبكم القديمة: غيروا عاداتكم، تعلموا ما كنتم تؤجلونه، وحطموا قيود الخوف من الفشل.
استعيدوا السيادة: تخلصوا من ريش الذكريات الثقيلة التي تمنعكم من التحليق نحو آفاق جديدة.
الحياة ليست سوى سعي وعطاء مستمر. فلتكن الستين هي “ولادتكم الثانية”، ولتكن انطلاقة لاستعادة النشاط والحيوية. حلقوا كالنسور، فالعمر مجرد رقم، أما الروح فهي شابة ما دامت تملك شجاعة التغيير.
علما … رغم أن قصة تجديد النسر لمنقاره هي “أسطورة ملهمة” في الأدب التحفيزي وليست حقيقة بيولوجية علمية، إلا أن رمزيتها تظل من أقوى الدروس الإنسانية في الإرادة والتجديد.
طاقة إيجابية مذهلة ودعوة صادقة للأمل، وهي لمسة إنسانية نحتاجها جميعاً، خاصة عند الوقوف على أعتاب مراحل عمرية جديدة.
استعادة السيادة على الذات
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


