قراءة للتونسية:د. دنيا فهمي، في المنجز البصري للفنان: فهد خليف .بين جدارية المعمار وحركية الرمز..

بين جدارية المعمار وحركية الرمز..
قراءة في المنجز البصري للفنان فهد خليف

دنيا فهمي، تونس
كيف يمكن ترويض كتل المعمار الصارمة لتكتسب سيولة الحرف وحركية الرمز على سطح تصويري واحد؟
في التجربة المعاصرة للفنان فهد خليف، نجد أنفسنا أمام معالجة واعية تتجاوز المنظور التقليدي، لتستبدله ببناء جداري ممتد ثنائي الأبعاد يلغي العمق الوهمي والمنظور الإيطالي الكلاسيكي.
هنا تتحول الواجهات المعمارية إلى خلايا إيقاعية ومصفوفات متراصة تكاد تخلو من الفراغ المصمت. وتعمل الأقواس والنوافذ المعقودة كـ “وحدات قياس بصري” يتكرر بتناوب مدروس يتقاطع فلسفيا مع أسلوب الفنان النمساوي (غوستاف كليمت) في اختزال الفراغ وتحويل العناصر إلى زخرفة بنائية مكثفة، وكذلك مع جداريات الفنان التونسي الراحل (الهادي التركي) في تبسيط العمارة المشرقية والمتوسطية.
توازن الكتل وبليتة الضوء
ولمنع رتابة هذه الكتل المعمارية الصماء، تتدخل جذوع النخيل الباسقة وعناصر المآذن الرشيقة كفواصل رأسية وعناصر شد إنشائي تمنح التكوين توازنا استاتيكيا، يتكامل مع بليتة لونية تنقسم بدقة بين تيارين تعبيريين.
التيار الأول ترابي دافئ يحاكي وهج الضوء الصحراوي وسخونة الواجهات الطينية عبر درجات البيج والمغرة والبني، بينما يأتي التيار الآخر ليليا غامضا يهيمن عليه الأزرق المكثف والبنفسجي، ليستدعي روحانيات المدن العتيقة في سكونها وانطوائها على أسرارها التاريخية.
سريالية الرمز وحركة المنحنى
وبينما يفرض هذا المعمار سكوناً هندسيا على اللوحة، يكسر الفنان هذا الجمود بإدخال عناصر عضوية حركية تفتح النص البصري على عوالم متخيلة، ملتقيا في هذه النقطة مع رواد الواقعية السحرية مثل (مارك شاغال) في جعل الأشياء المادية تطفو بحرية خارج سياق الجاذبية.
حيث تبرز المراكب ذات الخطوط القوسية الحادة كعناصر مهيمنة تعبر فضاء اللوحة وتتداخل سيميائيا مع شكل الهلال لتتحول من مفردة فيزيائية ترتبط بالماء إلى رمز كوني طاف يعبر الزمن والذاكرة، وتتخذ في سياقات أخرى اتجاهات لولبية متقاطعة تقود عين المشاهد في حركة دائرية تصنع توازنا بصريا بليغا بين استقامة الخط المعماري وانسيابية المنحنى الرمزي.
مادية السطح والتشخيص التعبيري:
وتتعزز قوة اللوحة في هذه التجربة عبر التركيز على “مادية السطح” والتأثيرات الجدارية الناتجة عن تقنيات كشط وإضافة الطبقات اللونية المتتالية، لتظهر الأسطح كأنها جداريات أثرية عتيقة قاومت عاديات الزمن بحرفية تقنية عالية.$ ؟
داخل هذا السطح المجهد تقنيا، يستضيف الفنان شخوصا أثيرية تظهر في صورة ظلال ممتدة طوليا تذوب برقة داخل النسيج المعماري، مظهرة تأثرا واضحا بأسلوب التشخيص التعبيري عند الإيطالي (أمديو موديلياني) من حيث استطالة الأجساد واختزال ملامحها، وترافقها جرار تقليدية وأوان رمزية تعمل كروابط دلالية تجمع بين حيز المكان وثقل الذاكرة الغائبة.
التجريد الحروفي كطاقة نقية:
وفي عمق هذه الطبقات الجدارية, يتسلل الخط العربي في الخلفيات كإشارات جرافيكية مجردة تماما من دلالتها اللفظية التفسيرية، ليتحول إلى طاقة حركية خالصة وتجريد حروفي غنائي يمتزج بضربات إيمائية تحاكي رواد التجريدية الغنائية العالمية، حيث يصبح الحرف شكلا نقيا لا نصا مقروءا.

إن منجز فهد خليف يصيغ معادلة بصرية تتآخى فيها صرامة المعمار الهندسي مع سيولة الرمز والحرف، ليؤكد أن استدعاء الموروث لا يعني ارتهاناً للماضي، بل هو طاقة حركية متجددة، استطاع عبرها صهر الهوية الشرقية داخل بوتقة التشكيل العالمي المعاصر بكفاءة واقتدار.

                              *****

الصور المرفقة من صفحة الفنان:
فهد خليف

دنيا فهمي #فهد خليف #نقد فني # فن تشكيلي#فن سعودي#فن حديث

مدارس_فنية

أخر المقالات

منكم وإليكم