قراءة في سردية ديستوبية للمصري “أشرف العشماوي”- الكاتبة: ريم محمد / سورية..

«استخدام الرمزية في سرد مكتظ بالملامح الفنية»
قراءة في سردية ديستوبية ل “#أشرف_العشماوي”
“الجمعية السرية للمواطنين”
☆في مكان معلوم وزمن معلوم عاش أبطال الرواية بظروفهم وماضيهم وحاضرهم، وبديكورات محسوبة بدقّة، لترسم لنا وسطاً أنموذجياً لسردٍ كئيب متراوح صعوداً وهبوطاً، ماضياً وحاضراً “ديستوبي /رمادي فنياً” خالٍ من الألوان،  صحيح أن زهرة الخشخاش صفراء وقد رسمها الفنان قبل انتحاره بثلاث سنوات عام” ١٨٨٧”، لكن اللوحات مليئة بالألوان الرمادية والشخوص متشعبة، فنحن لم نلحظ في الوسط السردي إلا مشتقات الأبيض والأسود “رمادي وتدرجاته”،  سرد مرّ على الأمكنة والأزمنة والشخوص والأدوات بريشة فنان وقلم كاتب ليظهر لنا سوداوية هذه الحقبة، وعلى الطريقة الروسية في السرد وبأنموذج قريبٍ جداً من ميخائيل شولوخوف في” قصص الدون”،  ومقاربةً مع كل من كتب عن ألم الإنسان ابتداءً ب جورج أورويل ومروراً بكل من كتب عن آلامه وواقعه ضمن ظروف بيئته..
☆فمن هم هؤلاء المواطنون، وكيف تم تشكيلهم سردياً؟

٭الرسام/الممثل/الجندي/ الصحفي/التاجر/المعلمة/ الطالبة/المحامي/الطبيب/….
كلهم ابناء الوطن، ليس كل الوطن،  أبناء ذلك المكان البعيد عن الاهتمام” المظلوم” والذي يقرر أحد أبناءه الانعتاق عن مسار الظلم باحثاً ضمن خياراته الهشة والقليلة عن دربٍ أقل تكلفة وأقرب للحرية “معتوق” ليتوه في المنتصف دون أن يستطيع نيلها ولا التراجع عن مطاردتها
ليبقى دون انعتاق”
٭يلدُ زهرتين، زهرة من أنامله “تقليد لزهرة فان كوخ” يتقنها لكن لا احد يصفق له لأنها موسومة ومقلدة،  وزهرة من صلبه خرساء كلوحته وتضيع منه وتسرق كما ضاعت اللوحة قبلاً، ثم تصبح أمامه وليست له.
“فلا زهرة تكلمت، ولا اللوحة نطقت”
٭يقول
“سرقت مني الزهرة مرتين”
٭راوية التي تروي الجزء الحقيقي المغيب من التاريخ لا أحد يسمعها ولن تنال حظوتها”تظلم وتفصل ولاتنال  مارغبت”
٭الجندي الذي خسر ساقه وكرامته اللاحقة بفقره،  لم يعترف أحد بجميله ولم ينصفه أحد “جندي مجهول”
☆تدور الشخوص وتتغير ملامحها في بوتقة واحدة،  تحاول الحصول على السلام والاطمئنان دون جدوى، ترغب بالمساعدة وتتعاون في سبيل ذلك،  لكن هيهات للمسحوق أن يستطيع الانعتاق..
☆اللغة سلسة جميلة،  مزينة بالاستعارات وثرية بالتشابيه في مواقع،  وشعبية وقريبة من القارئ في الحوارات
★دلالة وجود المرأة وارتباطاتها الوثيقة بمجريات أحداث الرواية:
————————————————-
لدينا أربعة نماذج إنسانية نسائية للمرأة وهي كلها مولودة من رحم الأرض ومرتبطة بالمكان والزمان تألم لألم الأرض وتذوب بها…

٭النموذج الأول: ” الابنة زهرة ” جميلة ولاتستطيع الكلام
كالوطن وهي استعارة مميزة
٭النموذج الثاني “المرأة المقابلة للبطل /الحبيبة /المتعلمة والمثقفة والجميلة”  أيضا تشبه الوطن الصادق،  تتألم لتألمه وتتكلم عنه،  تتحدث عن كل تاريخه الحقيقي المحذوف من الكتب، وتعاقب لمحبتها من كل النواحي
٭النموذج الثالث:  المرأة الضعيفة المهانة المغتصبة “حربية” والذليلة والتي فقدت كل شيء حتى جنت وخسرت ابنها “نموذج متطور عن اشتداد الظلم” 
٭النموذج الرابع: المرأة التي تترك وحدها ضعيفة ودون مؤهلات للحياة،  تمتهن أعمالا مشبوهة لتعيش،  وهذا النموذج الناتج عن الظلم والفقر والفاقة
تدور الأحداث لتتضح المعالم، الظالم يشتد ظلمه،  يسرق ويكذب ويؤذي ولا أحد يستطيع ردعه، فهو ابن المنطقة لكن غريب عنها بأفعاله”غريب” ولذلك يموت غريباً،  لايقدر عليه أحد إلا الله..

※فهل تكتمل الدائرة بموته ويزول الظلم؟
لا فآلة الظلم الحقيقية مستمرة وماهو الا أداة تزول لينتج غيرها…
♡ماذا لو بدأنا قراءة “الجمعية السرية للمواطنين” كلوحة؟
———————————————————————-

ماذا لوفاقت بروعتها لوحة “ڤان كوخ”؟
فظروف الرسام لاتختلف كثيراً عن ظروف الكاتب،  وفي النهاية كلاهما مبدعان،
أليست الفنون تتكامل وأحياناً نجاهد لنستطيع الفصل بينها!
أنا شخصياً أدعو لوحدة الفنون ولديّ رسالة ودعوة لجميع المبدعين لتطبيقها…

☆بالعودة للرواية:
معتوق فنان /وهو الراوي المتخفي خلف الراوي العليم /أي هو المحرك والبطل،  ليس فقط لأنه قلد لوحة زهرة الخشخاش، بل لأنه ابتدع لوحته الخاصة بظروفه الخاصة ومع أزهاره الخاصة “الشخوص جميعها والتي انتمت للجمعية” 
※كل فرد منهم هو زهرة خشخاش غيّر مكانها وألوانها وأبعادها مراراً على طول الرواية،  تغيرت ملامحها لكن الغالب بقي بالنسبة لنا كقراء سوداوي كئيب كلوحة بالأبيض والأسود من زمن أفلام الستينات..

٭زهرة الخشخاش صفراء واضحة بهية،  بينما لوحة المواطنين والتي أبعادها” ٣أمتار ب مترين”، كئيبة حزينة،  ظلّت أدوات الرسم والفرشاة تعمل بها بالتزامن مع القلم والأحداث والسرد.
هذه هي العلاقة المتكاملة بين الفن والأدب،  بين لوحة ڤان كوخ ولوحة معتوق،  بين ڤان كوخ المظلوم الغريب في  مجتمعه وفي زمنه وبين معتوق الذي تشابهت ظروفهما وتلاقت أوساطهما الاجتماعية والنفسية نوعا ما مع احتساب فروق الثقافات والسياسات طبعاً،  وهو حق محفوظ للكاتب..
★فهل خدم الرسم وحضور اللوحات التصاعد والحبكة السردية، هل خدم الثيمة؟
نعم، المجتمع الذي اعتاد الظلم وتبدّلت أنواعه وسلطاته،  وانعدم تكافؤ الفرص وفُقد المال وبالتالي انتشرت المهانة حتى غدا الغريب “وهو ابن المنطقة” غريباً فعلاً بأفعاله وشريراً وناشزاً عن مجتمعه فهل نجح وأخذ فرصته كما أرادها؟
هل اكتفى؟
هل ندم؟
هل حُلّ الأمر برمته بموته؟
لا قطعاً فالسلطات تخلق أمثاله على طول الأزمان وبكافة المجتمعات، وهذه هي دورة الحياة والتي لزمتها تلك الحبكة الدائرية…
نهاية
سردية متألقة، تستحق تسليط الضوء كاللوحات تماماً
توفيقنا للكاتبة:
ريم محمد / سورية

أخر المقالات

منكم وإليكم