قراءات نقدية لأعمال الاديب المصري: يوسف خليل السباعي ..في قصصه القصيرة المختلفة.

نشرت هذه القراءات النقدية بمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية وكتاب القصة القصيرة وبصفحتي بفيسبوك

يوسف خليل السباعي

قراءات نقدية في قصص قصيرة مختلفة

مقالات

اللوحة للفنان غويا

القسم الثاني

التباس السرد وفتنة “الهنا والآن” في قصة “هواجس” لرشيد مليح Rachid Malih

ليست قصة “هواجس” القصيرة لرشيد مليح قصة تقرأ بوصفها مسرودا مكتمل الأركان، ولا تستقبل باعتبارها سردا تقليديا يتوسل الحدث أو الحبكة أو تطور الشخصية.
إنها نص إشكالي، مراوغ، يشتغل على تخوم الزمن والذاكرة والوعي، ويقترح على القارئ تجربة وجودية أكثر منها تجربة قصصية بالمعنى المألوف. ومن هنا ينبع التباسها الخلاق،  لأنها في عبورها تشبه الواقع دون أن تكونه، وتحاكي الحياة دون أن تدعي تمثيلها.
يحضر الزمن في قصة “هواجس” لا كخط مستقيم، بل ككتلة شعورية متداخلة، يتجاور فيها الماضي والحاضر والافتراض، وتتحول الذاكرة إلى فضاء حي يعيد إنتاج اللحظة عوضا عن استعادتها لاغير.
إن الأشياء اليومية البسيطة (المقهى، الشجرة، الشاي، القهوة، الجريدة، الأغاني) لا تؤدي وظيفة تجميلية، بل تتحول إلى علامات كثيفة الدلالة، تثبت القصة في لمسيتها الحسية، قبل أن تدفعها إلى الانزلاق نحو التأمل الفلسفي والوجودي.
هذا التجوال بين الأماكن، الواقعية منها والمتخيلة، يخلق نوعا من السحر الشعري الهادئ، حيث يبدو السرد وكأنه يمشي على حدّ رفيع بين الحلم واليقظة.
لا يستثمر رشيد مليح الحكاية بقدر ما يعطلها. فالمسرود لا يتقدم، بل يدور حول ذاته، ويتشظى إلى هواجس وأسئلة وتأملات. كذلك، فإن هذه القصة لا تسعى إلى إقناع القارئ بما حدث، بل إلى إشراكه في كيفية حدوث التفكير ذاته. إننا لا نتابع ما يجري للشخصية، بل ما يجري داخل الوعي وهو يراقب نفسه، يتذكر، يشك، ويعيد مساءلة الزمن والحياة والمعنى.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في قصة “هواجس” هو اعتماد ضمير المخاطب. هذا الضمير لا يستعمل هنا بوصفه صيغة شكلية عابرة، بل باعتباره جوهر التجربة السردية. فالسارد لا يحكي عن “هو”، ولا يعترف بـ”أنا”، بل يوجه الخطاب مباشرة إلى “أنت”. وبهذا الاختيار، يربك القارئ ويزحزحه من موقع المتلقي السلبي إلى موقع المشارك القسري. أنت من يرى، أنت من يتذكر، أنت من يطرح الأسئلة، وأنت من يجلس على كرسي المقهى، و أنت من يحدق في الشجرة، ويستمع إلى الأغاني، ويواجه فزع الزمن المتسرب. والحقيقة أن ضمير المخاطب هنا ليس أمرا، ولا غيابا، ولا حضورا مكتملا، بل هو منطقة وسطى توحد بين السارد والمسرود والقارئ في لحظة واحدة. فما يحدث في القصة يحدث في الوقت نفسه داخل ذهن القارئ. كل حركة، كل استذكار، كل هاجس، يشبه شراكة يوتوبية صغيرة بين النص والوعي المتلقي، حيث يتقاسمان التجربة والقلق والأسئلة.
هكذا تتأسس قصة ” هواجس” لرشيد مليح على “الهنا والآن” بوصفه محركها البعيد الغور، أي الزمن الٱني الذي يتكثف، ويتحول إلى مركز ثقل دلالي، تتفرع منه كل الاستعادات والافتراضات.
وفي حقيقة الأمر، إن التباس قصة “هواجس” لرشيد مليح لا يعني غموضا مجانيا، بل انفتاحا واعيا على كتابة قصصية مختلفة، تفكك الحقل السردي التقليدي، وتقترح أفقا مغايرا للقصة القصيرة المعاصرة، أفقا ينهل من الرمزية ومن الحس الوجودي، دون ادعاء فلسفي مباشر.
إنها كتابة تراهن على القارئ الواعي، والناقد المتحرر من القيود الضاغطة، القادر على تقبل الاختلاف، وعلى إدراك أن الجودة في السرد اليوم لا تكمن بالضرورة في وضوح الحكاية، بل في عمق الأسئلة التي تتركها معلقة، وفي قدرتها على أن تجعلنا نرى ذواتنا ونحن نقرأ.
في هذا المنحى، تشكل قصة “هواجس” نصا شعريا وقصصيا لايقرأ، بل يعاش على اعتبار أنها قصة ملتبسة نعم، لكنها التباس ضروري، يفتح السرد على احتمالات جديدة، ويؤكد أن القصة القصيرة ما تزال قادرة على تجديد دمها، حين تكتب بوعي الاختلاف، وبشغف اللحظة، وبجرأة مساءلة الزمن والوجود.

المرآة بوصفها جهازًا سرديًا في قصة ” لقاء مع بورخيس  ل سعيد رضواني

تضعنا قصة “لقاء مع بورخيس” لسعيد رضواني عند الانتهاء من قراءتها، في صلب الشخصية الأدبية والثقافية، وذلك باستدعاء واستذكار اسم بورخيس. ويبدو أن القارئ الذي لا يعرف بورخيس يعتقد أو يفكر في شخصية خيالية أو مخلوق ورقي، لكن هذا القارئ قد يعرف بورخيس وقد لا يعرفه كما تعرفه الأنتلجنسيا.
إن بورخيس قد حُوِّل من طرف الكاتب سعيد رضواني، وسارد القصة القصيرة، من كاتب إلى شخصية. لم يعد من لحم ودم، بل شخصية، كما حللها سعيد رضواني، وعرفها سارد القصة القصيرة، الذي ليس هو سعيد رضواني.
إن الأمر، على هذا الحال، ربما مركب، لكن يمكن الغوص في الشخصية القصصية بورخيس، لنعرف من هو.
تنهض قصة “لقاء مع بورخيس” على وعيٍ نظري بالسرد، يجعلها أقرب إلى قصة تفكر في نفسها، وهو ما يتيح قراءتها عبر مفاهيم فيليب هامون، خاصة ما يتصل بالوصف، والتشخيص، والتمثيل القيمي، وأفق التلقي.
إن هذه القصة لا تكتفي بسرد لقاء متخيَّل مع بورخيس (لندرك أن المتخيل، بنظر رولان بارت، هو عدم وعي اللاوعي)، بل تبني جهازًا سرديًا مركبًا يجعل من هذا اللقاء أداة لاختبار معنى الكتابة، والهوية، والعلاقة بين الأدب والعلم، وإذا أردنا، المعرفة في تجلياتها الكبرى.
أول ما يلفت انتباهنا بجلاء هو مركزية الوصف، ليس من الناحية التزيينية، بل من حيث هو آلية دلالية تُنسِّق المعنى. إن الأماكن (ملتقى الطرق، البحر، المعرض، الرصيف) لا تُوصَف لذاتها، بل بوصفها أماكن عتبية، انتقالية، تعكس فكرة البرزخ التي تتكرر دلاليًا بين الأدب والعلم، بين الذات والآخر، بين الأصل والانعكاس. علاوة على أن الوصف هنا ليس محايدًا، بل إنه أيديولوجي، أو بعبارة أدق، مؤدلج، إذ يحمل قيمة فكرية واضحة، ويؤدي وظيفة تأويلية تتجاوز الحسي إلى المفهومي.
أما بخصوص التشخيص القيمي، فإن الشخصية يمكن قراءتها، في إطار المفاهيم التي اشتغلنا عليها، حيث يتبدى بورخيس ليس مجرد شخصية مرجعية تاريخية، بل علامة سردية مشحونة بدلالات وبقيم ثقافية، كما هو حال المتاهة، والمرآة، والعمى، والإيجاز، والحكمة (هنا يغدو مخلوقًا ورقيًا)، وهذه مثبتة عند بورخيس في كتاباته. في المقابل، السارد ليس ذاتًا فردية مكتملة، بل ذات في طور التشكل، تُعرَّف بالأساس من خلال علاقتها ببورخيس. هذه العلاقة لا تقوم على التماثل، بل على جدل التناظر والاختلاف، وهو ما يحوّل الشخصيتين إلى بنيتين وظيفيتين داخل خطاب فكري حول الأصالة والتأثر.
إن قصة “لقاء مع بورخيس” القصيرة تستدعي على غورها القصصي الثقافي ما يسميه فيليب هامون “القراءة الموجهة”، إذ تزرع داخل القصة علامات تأويلية صريحة (الإحالة إلى كافكا، الألف، المتاهة، علم التعقيد)، توجه كذلك القارئ نحو تأويل بعينه، دون أن تلغي انفتاح القصة كأثر ولمسة. فالقارئ يُستدرج ليكون شريكًا في لعبة المرايا، بإيهامه أن اللقاء قد يكون واقعيًا، متخيَّلًا، أو استعارة عن فعل القراءة نفسه، حيث يلتقي الكاتب بأسلافه داخل النص.
ومن زاوية أفق التلقي، تقوم القصة على انتهاك متكرر لأفق الانتظار، سواء عبر المفارقة (عدم اللقاء في المعرض)، أو عبر قلب المسلَّمات (“لعل كتب الأدب هي آخر ما ينفعنا في كتابة الأدب”). هذا الانتهاك، الذي يتقاطع مع ما يسميه فيليب هامون بالوظيفة الاستفزازية للوصف والخطاب، يجعل النص واعيًا بتلقيه، ومشتغلًا على خلخلة يقين القارئ، وهذا ما يجعل من الكتابة متعة ومعرفة في حدها الأقصى.
يمكن القول، وبوجه الإجمال، إن قصة “لقاء مع بورخيس” لسعيد رضواني قصة مرآوية بامتياز، لا لأن المرآة موضوعة مركزية وجوهرية فيها فحسب، بل لأن السرد ذاته يتحول إلى مرآة تعكس شروط إنتاجه، ولأن قوة القصة، على وجه من الوجوه، لا تكمن في مسرودها، بل في جهازها الوصفي والتشخيصي، الذي يجعل من اللقاء “حادثًا” دلاليًا، ومن المتاهة بنية للمعنى، ومن القارئ عنصرًا فاعلًا في اكتمالها.

قصة “نور الهياكل” ل عبد الرحيم التدلاوي
حين يصير النور أثرا والقراءة امتحانا للرؤية

تضعنا قصة “نور الهياكل” لعبد الرحيم التدلاوي منذ عنوانها أمام التباس مقصود، عنوان لا يَعِدُ بالكشف بقدر ما يلمّح إلى بنية فارغة، إلى نور لا يقيم في الامتلاء بل في ما يشبه البقايا. فـ”الهياكل ليست الأجساد، بل آثارها، والنور هنا لا يفيض بل يتسرب، ما يجعل القصة منذ البدء تمرينًا على قراءة ما لا يُرى أكثر مما هو تمرين على تتبّع حدث.
نحن إزاء سرد لا يتحرّك بالأفعال، بل بالتحوّلات الدقيقة في الوعي، وبانزلاق المعنى من مركزه المألوف إلى هامشه.
نور، الشخصية / العلامة، لا تُقدَّم بوصفها بطلة تقليدية، بل بوصفها عينًا قارئة، ووعيًا تشكّل عبر الاعتياد. اعتياد القراءة، اعتياد الظلام، اعتياد النور نفسه. وهنا تكمن المفارقة الأساسية في النص: الظلام ليس نقيض النور، بل شرطه؛ والنور ليس كشفًا نهائيًا، بل عادة ذهنية تجعلنا نطمئن إلى ما نراه. أما القبو، بما يحمله من دلالة مكانية، ليس مجرد فضاء سردي، بل هو استعارة للذاكرة الثقافية، للتراث بوصفه مخزونًا لا يُستدعى إلا في العتمة، أي خارج الضوء الرسمي، خارج الخطاب المعلن.
الكتاب الذي يظهر بلا طلب، “هياكل النور”، يعمل كمرآة للنص نفسه.
إنه كتاب هوامش، أو بالأحرى كتاب لا يقول نفسه إلا في الهوامش. والهامش هنا ليس شرحًا ولا إحالة، بل صوت متردّد، أقرب إلى الهمس، وكأن اللغة نفسها تشكّ في حقها في الظهور.
إن الجملة المحورية “الناس يتعلّمون الظلام” ليست حكمة جاهزة، بل صيغة لغوية تُفَعِّل القلق، لأنها لا تفسّر، بل تسمّي ما نمارسه دون وعي. إنها جملة لا تُقرأ بل “تُمرَّر، كما يقول السارد، أي تُستدخل في اللاوعي، حيث تصبح جزءًا من بنية الإدراك لا من سطحه.
من هذا المنظور، يمكن قراءة القصة على ضوء تصور لاكاني ( نسبة إلى جاك لاكان) للاوعي بوصفه مبنيًا أو مهيكلا كاللغة. ما تبحث عنه نور في القبو ليس كتابًا ماديًا، بل ما هو مكتوب فيها سلفًا، ما استقر في لغتها الداخلية دون أن تنتبه
إن. الكتاب لا يوجد في المخطوطات، بل في طريقة القراءة ذاتها. لذلك لا يحدث الكشف في اللحظة الأولى، بل ينسحب أثره تدريجيًا، حتى تفقد الجملة قدرتها على الإزعاج. حين “تؤدّي وظيفتها وتنسحب”، تكون قد غيّرت البنية الداخلية للوعي، لا محتواه الظاهر.
البعد السياسي في هذه القصة القصيرة، التي قد تزعج القارئ العادي، لأنه لاينبغي قراءتها بشكل سطحي، لا يأتي عبر مواجهة مباشرة، بل عبر لغة التلميح: المراقبة، كلمات “التوازن”. و”الحساسية”، الخوف من الأسئلة لا من الأجوبة. السلطة هنا لا تمنع، بل تُهذِّب القلق، تحوّله إلى جزء من النظام. في مقابل ذلك، لا يقدّم السارد فعل مقاومة صاخبًا، بل ممارسة قراءة عارية من الوصاية، قراءة تترك القارئ يضلّ وحده. الضلال هنا ليس فشلًا، بل شرط الحرية، لأن الطريق المرسوم سلفًا هو أخطر أشكال النور.
كذلك، فإن اللحظة الختامية في القصة  تتبدى لنا لحظة نضج سردي وفكري في آن. فحين ينقطع الضوء مرة أخرى، لا تبحث نور عن المفتاح. هذا التفصيل الصغير يختصر كل ما سبق: لم يعد الظلام هو المشكلة، ولا النور هو الحل. المشكلة كانت في الاعتياد على الرؤية، على الاطمئنان إلى أن ما نراه هو ما يجب أن يُرى. الفراغ الخفيف الذي تشعر به ليس طمأنينة ولا قلقًا، بل حالة بينية، تشبه ما بعد التفكيك، حين تسقط المسلّمات دون أن تُستبدل بيقين جديد.
“نور الهياكل” قصة قصيرة لا تُغلق على معنى، ولا تمنح قارئها خلاصة مريحة. إنها نص يدرّب العين على الشك، ويقترح أن النور الحقيقي ليس ما يكشف الأشياء، بل ما يجعلنا نعيد النظر في حاجتنا الدائمة إلى الكشف. نور، في ٱخر المطاف، ليست شخصية تمضي وتترك خلفها كتابًا وجملة، بل هي استعارة للعين التي تعلّمت أن ترى حدود رؤيتها. وهذا، في تقديري، هو أكثر أشكال النور قسوة وصدقًا.

شوارع الله للقاص سعيد الشقيري: سيرة العراء أو
تأويلية النجاة في عالم بلا أبواب

كنت ألح على القاص والناقد والفنان التشكيلي الراحل سعيد
الشقيري أن يجمع ما ينشره من قصص في كتاب، وكان هو يدرك أن هذه القصص إذا لم تنشر في كتاب ستضيع، وهذا ما فعلته مع أصدقاء ٱخرين.
كان سعيد الشقيري قد أدرك أخيرا أنه لابد من نشر قصصه المنشورة وغير المنشورة في كتاب، وهكذا خرجت ” شوارع الله” إلى الشمس لتضيء الحقل القصصي المغربي والعربي المتنوع والمختلف.
والحقيقة أن سعيد الشقيري كان يقرأ قصصي المنشورة في كتب مثل ” الظل”و ” أسرار” و غيرها، وكانت له نظرته الخاصة لها، وبالطبع، فإن سعيد الشقيري له أراءه المختلفة، وهي شيء مميز في الحقل الأدبي، إذ لايمكن لهذا الحقل أن يتطور بعيدا عن الاختلاف: التعددية.
كان سعيد الشقيري كاتبا قاصا ومبدعا ومترجما وفنانا تشكيليا وعازفا على العود، وكانت مقهاه المفضلة الزهراء بتطوان، هنا، تراه يحتسي قهوته… يتحدث مع أصدقاىه، ويدخن  من وقت لٱخر سيجارته. كما أنه كان مثلنا موظفا، ومبدعا.
ومن أهم ما كان يعرف عندنا نضاله، وأراءه المختلفه، ونقده الصارم، لكن ابتسامته كانت تذيب الثلج وتكسر الجمود والخمول. كان عاشقا للموسيقى، عازف عود، وكان يهوى القراءة في زمن عجز القراءة.
قصصه ذات تركيب وعمق وغرائبية لايشعر بها القارى، لكنها ذات نفس بعيد الغور، ونظرة للذات والعالم في أبعادهما المتعددة. قصصه مختلفة تجرح، وتصرخ، وتضيء كالشمعة وسط الظلام.
وفي قصته من- الجماعة القصصية- ” شوارع الله” ( المنشورة في صفحتي بفيسبوك، لمن يرغب في قراءتها) وليس المجموعة القصصية كما هي العادة، يكتب ذاته في العالم ويجعل القصة تلمع مثل الذهب في فيض أسلوبي ممتد، وعميق، لا تقدم نفسها كحكاية فقر أو تشرد أو مغامرة حدودية مع الموت فحسب، بل كتجربة وجودية مكتملة، تكتب من داخل الجسد وهو يستنزف، ومن داخل الوعي وهو يجرد، ومن داخل اللغة وهي تختبر في أقصى طاقتها على تسمية ما لا يحتمل.
هكذا، وأنا أقرأ ” شوارع الله” أجد نفسي أمام قصة تراكم “الواقعي” حد الفضيحة في علاقته ب “الحلمي”، وفي تداخله ب”الكوابيسي” إذا صح التعبير، ليس لإرباك القارئ، وإنما لإعادة إنتاج شرط الإنسان المعاصر حين يرمى خارج كل الأطر: العمل، البيت، القانون، المدينة، وحتى الاسم.
منذ البداية، يؤسس السارد منطقه الخاص: كل ما سيأتي “بديهي” لأنه حدث. هذه الجملة المفتاحية ليست مجرد تمهيد أسلوبي ( مع أن أسلوب سعيد الشقيري فيضي)، بل إعلان فلسفي عن عالمٍ انقلبت فيه القيم، وصار البقاء نفسه فعلا بديهيا لا يحتاج إلى تبرير أخلاقي.
إن الاشتغال في الهامش، في “البديهيات” ( أعرف أن كل ما هو بديهي عنيف) كما يسميها، ليس اختيارا بل قدرا، والقدر هنا ليس دينيا أو فلسفيا، بل اجتماعيا وسياسيا.
إن هذه القصة، في شكلها، تكتب سيرة ذاتية بلا بطولة، وبلا ادعاء طهر، حيث السرقة والتسول والعمل في الحمام وبيع الكتب المستعملة، كلها درجات في سلم واحد: سلم النجاة.
يمكن قراءة نقطة البداية، من الناحية التأويلية، كتأسيس لذاتٍ منكشفة على اعتبار أن السارد ليس ضحية بريئة، ولا مجرما، بل كائن عار من الأقنعة، يرى ويرى. ومن هنا تأتي موضوعة الرؤية كلعنة، بمعنى أنهارؤية عورات الآخرين في الحمام، ورؤية هشاشته في عيون النساء، ورؤية نفسه لاحقا كشاهدة قبر منسية. كل رؤية تقود إلى الإقصاء. وذلك أن من يراك حقا، أو تراه حقا، لا يعود قادرا على التعايش معك. لذلك يختفي الزبائن، وتختفي النساء، ويختفي العمل. إن الرؤية هنا فعل كسر للتواطؤ الاجتماعي القائم على التجاهل.
وأنا أقرأ القصة  سطرا سطرا أكتشف أن السرد يتحول إلى ما يشبه الوثيقة، خصوصا في المقطع السردي الخاص بمحضر الشرطة حيث يدرج  المحضر بلا علامات ترقيم تقريبا، وبلا نفس، وبلا جماليات ظاهرة.  فهذا الانزلاق من الأدب إلى اللغة الإدارية ليس اعتباطيا، بل هو قلب ساخر للعلاقة بين الإنسان والإدارة ( أو بشكل أعمق البيروقراطية، حيث يقربنا المشهد إلى البيروقراطية الكافكاوية، ولكن بشكل أقل).
إن هذا المحضر هنا يحفظ أدق التفاصيل، لكنه يعجز عن فعل بسيط: إعادة الرجل إلى مدينته، مما يلاحظ كذلك أن  اللغة هنا تفرغ من معناها الإنساني، وتتحول إلى آلة تسجيل لا خلاص فيها. هكذا، تكشف اللغة، من الناحية التأويلية، أن السلطة لا ترى الجسد إلا كبيانات، وحين يطلب الجسد العون، يطرد إلى الخارج، إلى الشارع، إلى “شوارع الله”.
إن الشارع، في هذه القصة، ليس فضاء جغرافيا، بل مقام وجودي. هو المكان الوحيد الذي لا يطلب أوراقا، ولا يغير أقفاله فجأة، ولا يدون محاضر. لذلك حين يغلق باب المنزل، لا يبدأ التشرد، بل يبدأ الامتحان. وعند الجدار الغربي، يدخل السارد في طقس تأقلم بدائي، يكاد يكون طقس عبور: الجدار، الخمر، الخبز، الزيتون، السيجارة.  إنها عناصر بسيطة تتحول إلى ليتورجيا شخصية. هنا يتقاطع النص مع بعد صوفي مقلوب: لا زهد، بل اكتفاء أدنى، لا خلوة روحية، بل خلوة جسدية مع الأرض والليل، حيث تحل غريزة التأقلم  محل أي يقين أعلى.
في القصة حضور للحيوان كظهور الكلاب الذي يجسد   منعطفا تأويليا أكثر أهمية  في قصة ” شوارع الله” من الجماعة القصصية لسعيد الشقيري. في البداية، هي كابوس افتراس، امتداد للهلوسة، ثم تتحول فجأة إلى كائنات وفاء مطلق. إن الكلاب، في الثقافة العربية، كائنات ملتبسة، ينظر إليها ككلاب نجسة وحارسة. وهذه القصة تستثمر هذا الالتباس لإعادة ترتيب الأخلاق، وذلك أن الكلاب هي الكائنات الوحيدة التي لا تطلب تأويلا ولا وثيقة، ولا سببا. تحرس، ترافق، وتحب بلا حساب. في مقابل بشر أنيقين، وسائق حافلة، وشرطي، وصاحب مطعم، تتجسد الكلاب كآخر أشكال الرحمة الممكنة. يمكن القول إن الكلاب، من الناحية التأويلية، هي “الجماعة البديلة”، كما أن الجماعة ككلمة ومفهوم تترتبان عن لا وعي الكاتب ذاته وليس السارد ( لا حظ:جماعة من القصص وجماعة بديلة): أي المجتمع الأدنى الذي يتأسس على الغريزة لا على المصلحة.
إذا انتقلت إلى الأحلام والكوابيس ( ولو أنني لا أحب كلمة كوابيس لا مفردا ولا جمعا)، خصوصا حلم كلاب البوليس السوداء، تنقل القصة من مستوى الحدث إلى مستوى البنية العميقة. هنا تتكثف الرموز: الجسد الممزق، العربات، الصور، الأم، الزغاريد المختلطة بالبكاء. هكذا أقف أمام لاوعي معذب، يخلط بين العيد والجنازة، بين الزفاف والقمامة.
إن الأم كدلالة على الأصل، لا تتلقى الرسائل وإن الانقطاع هنا ليس فقط اجتماعيا، بل أنطولوجيا، فضلا عن أن الذات تصرخ ولا يسمعها أحد.
ولعل تجربة الحريق  أخيرا المكتوب بدقة يغلق الدائرة. فالنار كدال تعتبر أقصى امتحان، حيث تعيد السارد إلى الغريزة الصافية: الجري. لا حلم، لا لغة، لا تأمل. فقط مواجهة.  على هذا المستوى تجرد القصة نفسها بالتقريب من البلاغة، لتصل إلى جوهرها، حيث لا معنى للنجاة، ولكن يتعلق الأمر بفعل ما، وعندما ينجو السارد، لا يكافأ، بل يتهم. ماهي التهمة؟ إنها التهمة بإشعال الحريق التي  تعيدنا إلى الجملة الأولى: الأمور ما إن تحدث حتى تصبح بديهية.  وهكذا، تكون نهاية القصة في بدايتها، فالسلطة تحتاج دائما إلى فاعل، والناجي الهش هو أسهل تأويل، والتأويل هنا لا يخضع لمنطق، بل يخضع هنا لهوى، وهو ضار.
يبدو لي، وهذا نظري الخاص، أن  قصة”شوارع الله” لسعيد الشقيري تكتب العراء الإنساني بلا استعطاف، وتقترح أخلاقا بديلة تنبني خارج المؤسسات والبيروقراطيات، وخارج اللغة الرسمية، وخارج المدينة. إنها قصة عن الجسد حين يترك وحيدا، وغرائبيا، وعن الروح حين تكتشف أن النجاة لا تأتي من الأعلى، بل من السير، ومن الصحبة العابرة، ومن قبول الشساعة. ولعل عنوان ” شوارع الله”  لا يلمح إلى قداسة ما، بل إلى فراغ مفتوح، بمعنى أنها  شوارع بلا مالك، بلا وعد، لكنها، بالمفارقة، الشوارع الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يكون فيها نفسه بالكامل، عاريا، وممكنا.

الحب بين الكوليرا والكوميرا: تناص السخرية وذاكرة الجسد الاجتماعي في قصة قصيرة للقاص الساخر الحسين قيسامي 

في قصة ” الحب في زمن الكوميرا” للقاص الساخر الحسين قيسامي يضعنا السارد في قلب قصة حب تنمو وسط الفقر والاحتجاج، حيث يصبح الخبز رمزا للكرامة والحب معا. وبين موت” العم الميلود” وتحول الكريان إلى “منتزه الميلود”، يظل الحب ذاكرة متجددة لا تنطفئ، كما يرى غابرييل غارسيا ماركيز أن الحب يشتد قرب الموت.
هكذا، استطاعت القصة أن تجسد تناصا عميقا مع رواية ” الحب في زمن الكوليرا” للروائي والقاص غابرييل غارسيا ماركيز،  اشتغل عليه الحسين القيسامي بذكاء ملموس تطلب بحثا عميقا، لكنه تناص ممزوج بالسخرية وبفضح السلطة وجبروتها.
في رواية “الحب في زمن الكوليرا” للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، تعد شخصيتا فلورنتينو أريثا وفيرمينا داثا من أهم وأبرز الشخصيات في الرواية. فلورنتينو أريثا شاب رومانسي حالم يقع في حب فيرمينا منذ المراهقة. يتميز بالعاطفة الجياشة والإخلاص الشديد، إذ ينتظر حبيبته أكثر من خمسين عاما بعد زواجها من رجل آخر. يعمل في شركة الملاحة النهرية ويصبح مديرا لها لاحقا على الرغم من تعدد علاقاته النسائية، يبقى حبه لفيرمينا ثابتا في قلبه.  وهو يرمز إلى الحب المثالي الصبور الذي يتحدى الزمن. أما فيرمينا داثا فهي فتاة قوية الشخصية وواقعية التفكير، تحب فلورنتينو في شبابها، لكنها تقرر الزواج من الطبيب الثري احتراما لمكانتها الاجتماعية. تتزوج من الطبيب خوبيـنال أوربينو، وتعيش حياة مستقرة نسبيًا. بعد وفاة زوجها، تعود لتجديد علاقتها بفلورنتينو في سن الشيخوخة.
تمثل الرواية من خلال قراءة قديمة ذكرنا بها الحسين قيسامي لقصته القصيرة الساخرة الصراع بين العقل والعاطفة، وبين الحب والواجب الاجتماعي. علاوة على أن العلاقة بين فلورنتينو وفيرمينا تجسد فكرة أن الحب قد يمرض ويخفت، لكنه قد يبقى حيا عبر الزمن مهما طال الانتظار.
تتشكل قصة “الحب في زمن الكوميرا” للقاص الساخر الحسين قيسامي على شبكة نصية متداخلة تجعل من العنوان عتبة دالة ومفتاحا قرائيا. فمنذ الوهلة الأولى يستدعي النص، عبر تحوير لفظي ساخر، رواية الحب في زمن الكوليرا للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، ليس كإرجاع يسترد بحرفيته، بل باعتبارها رواية غائبة حاضرة، تتسرب إلى النسيج السردي ليعاد إنتاجه داخل سياق اجتماعي مغربي موسوم بالفقر  والفقر والقمع والتهميش والاحتجاج.
إن استبدال “الكوليرا” بـ”الكوميرا” (الخبز) ليس مجرد لعبة لفظية، بل هو انزياح دلالي ينقل مركز الثقل من الوباء البيولوجي إلى وباء اجتماعي قوامه الجوع والتهميش
في هذا المنحى، يتحول التناص إلى أداة تفكيك، ويغدو العنوان فضاء حواريا تتقاطع فيه نصوص العشق الكوني مع يوميات القهر الاجتماعي والقمعي السياسي والسلطوي.
في هذا المنظور، الذي يشكله سرديا ووصفيا كاتب هذه القصة القصيرة  الحسين قيسامي في بنائها الكلي لايفهم الحب باعتباره تجربة فردية معزولة، بل كعلامة تتشكّل داخل جسد اجتماعي مثخن بالجراح. فالكاريان، ببراريكه وإقصائه الممنهج، ليس خلفية محايدة للأحداث، وإنما نص مواز يكتب هشاشة الوجود اليومي.
إن أصوات الأطفال وهم يدخنون أعقاب سجائر “ماركيز” (في مفارقة ساخرة تفصل بين اسم الدخينة التجاري واسم الروائي) تخلق بدورها تناصا تهكميا مزدوجا: فـ”ماركيز” هنا ينحدر من علياء الأدب إلى قاع الاستهلاك الرديء، في حركة تقويض تسائل الفجوة بين المثال الجمالي وواقع البؤس والفقر والعوز. بذلك تتشظى المرجعية الكبرى وتعاد كتابتها من داخل الهامش.
يتكثف البعد التناصي أيضا عبر الاقتباس الممهور باسم ماركيز حول اشتداد الحب قرب الموت. غير أن القصة القصيرة ” الحب في زمن الكوميرا” لا تكتفي باستدعاء العبارة، بل يعيد تموضعها داخل سياق احتجاجي، حيث يصبح الموت حدثا سياسيا لا قدريا، ذلك أن سقوط “عمي الميلود” برصاص القوات الأمنية ينقل الحب من مدار العاطفة إلى مدار الشهادة، ومن الحميمي إلى العمومي. هنا يتقاطع العشق بالمظاهرة، ويتحول الخبز من مادة غذائية إلى علامة احتجاج، ومن حاجة بيولوجية إلى راية كرامة.
إن الكوميرا المرفوعة في وجه السلطة يجاور القلب المرفوع في وجه الفقد، في تماه رمزي ودلالي يجعل من “الكوميرا” معادلا موضوعيا ونسقيا لـ”الكوليرا” على اعتبار أن كلاهما يكشف هشاشة الجسد، لكن الأول يفضح هشاشة العدالة.
يبدو أن الاستثمار الجيد للسخرية من طرف القاص الحسين قيسامي من خلال القصة القصيرة، وهي تقنية تتفشى في العديد من قصصه القصيرة، نهج اختطه لأدبيته، هو استثمار  للسخرية ليس من حيث إنها زينة أسلوبية، بل استراتيجية كتابة. فهي تمارس تقويضا هادئا للسلطة عبر مفارقات حادة؛ فالكاريان الذي كان مركزا للمقاومة يتحول بعد استشهاد الميلود إلى “منتزه الميلود”، في حركة تحويل للذاكرة من فضاء احتجاجي حي إلى أثر تجميلي مؤسسي. إن تسمية المنتزه تكريما للشهيد تمثل ذروة المفارقة؛ فالسلطة التي أنتجت المأساة ( إن الأمر هنا يتعلق بالمأساة وليس بالدراما) تسعى إلى احتوائها رمزيا ودلاليا. هكذا يفضح الحسين قيسامي عبر سيرورة السرد منطق التدجين، بالقيام بتحويل الدم إلى لوحة، والجرح إلى مساحة خضراء. غير أن ” الحب في زمن الكوميرا” يقاوم هذا الاحتواء عبر إصرار رقية على ملازمة المنتزه، كأنها تستعيد المعنى من براثن التشييء، وتحول الفضاء الرسمي المؤسسي إلى محراب ذاكرة شخصية.
إن قصة الميلود ورقية، بما تحمله من “عشق ممنوع” وزواج مرتب وضغوط اجتماعية، تحاور قصة فلورنتينو وفيرمينا في رواية ” الحب في زمن الكوليرا”، لكنها لا تستنسخها بل تعيد كتابتها داخل شروط طبقية صارخة. فالحب هنا لا ينتظر نصف قرن كي يتحقق، بل يسحق سريعا تحت وطأة السلطة الأبوية والاقتصادية. ومع ذلك، يظل الحب قابلا للانبعاث، حتى بعد الطلاق والشيخوخة، في حركة دائرية تذكر بأن الحب ليس نقيضا للتاريخ، بل أحد أشكاله. إن بذور “زهرة الخلود” (الهليكريزم) التي تنثر في المنتزه تشكل استعارة مزدوجة: فهي من جهة تجميل رسمي للمكان، ومن جهة أخرى رمز لاستمرار الحب أوالأثر العاطفي رغم الفقد.
في قصة ” الحب في زمن الكوميرا” للحسين قيسامي يتحقق التناص ليس من الجانب الاستشهادي أو التأثيري، وإنما باعتباره حوارا نصيا تتجاور فيه أصوات متعددة: صوت رواية ” الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز، وصوت الاحتجاج الشعبي، وصوت السخرية المغربية الفريدة.
إن هذه القصة القصيرة  لا تخضع لإرجاعية ما أو لنقل بدقة: لمرجعية، بل يمتصها القاص ويعيد توزيعها داخل سياق جديد، فيغدو كل تناص كتابة جديدة مستقلة ومختلفة، وكل إحالة تفكيكا. ومن خلال هذا التشابك، تتأسس دلالة الحب باعتباره طاقة مقاومة، تشتد كلما اقتربت من الموت، لا لأنها تهرب منه، بل لأنها تفضحه.
إن القصة القصيرة قادرة على أن تكتب نصيتها من خلال القراءة أيضا، ومن خلال تناسخ اللغة وتداخل النصوص، من حافتها، وقصة ” الحب في زمن الكوميرا”  تقدم كتابة ساخرة تعري آليات القهر والقمع عبر لعبة تناصية ذكية، تجعل من العنوان جسرا بين عالمين، ومن الخبز استعارة للكرامة، ومن الحب ذاكرة عصية على المصادرة. هكذا يتجاوز النص حدود الحكاية العاطفية ليصير مساءلة للسلطة و

أخر المقالات

منكم وإليكم