أولاد حارتنا | الحلقة الثالثة
أدهم — السقوط على منحدر هادئ
قبل أن تكون الحارة، كان البيت الكبير.
وقبل أن يُغلق بابه الضخم، كان فيه حياة. كان فيه الجبلاوي وأبناؤه الخمسة: إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم. ويوماً جمعهم الجبلاوي في البهو المتصل بسلاملك الحديقة. جاء الخمسة في جلابيبهم الحريرية فوقفوا بين يديه، من إجلاله لا يرفعون أبصارهم إلا خلسةً. أمرهم بالجلوس ثم راح يتفحصهم بعينيه النافذتين كعيني الصقر، وقام متجهاً نحو باب السلاملك ووقف ينظر إلى الحديقة المترامية في صمت. ضجَّت الحديقة بالحياة والغناء على حين ساد الصمت بالبهو. وخُيِّل إلى الإخوة أن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطوله وعرضه خلقاً فوق الآدميين. ثم التفت دون أن يبرح مكانه وقال بصوت عميق تردَّد في أنحاء البهو:
“أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف…”
وتراخى إدريس في مجلسه — فالأمر محسوم له بحكم الأكبرية، وما يشغل باله إلا ثقل العبء لا الفوز بالمنصب.
ثم استطرد الجبلاوي:
“وقد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافي.”
وولَّى ظهره لهم جميعاً وقال في عدم اكتراث: “لهذا دعوتكم.”
تبودلت النظرات في سرعة وانفعال — فيما غض أدهم بصره حياءً وارتباكاً.
حين طالب إدريس بالسبب جاء الجواب: أدهم يعرف المستأجرين بأسمائهم ويُحسن الكتابة والحساب. سخر إدريس. فأشار الجبلاوي نحوه بضجر: “هذه إرادتي، وما عليك إلا السمع والطاعة!”
لم يكن في هذه الأسباب المُعلنة كل الحقيقة. فالذي اختار ابن الجارية الأصغر على الأكبر الأجمل الأقوى — رجل يعرف أبناءه كما لا يعرفهم أحد.
تلقَّى إدريس الصدمة في صمت متوتر. اقترب من أدهم حتى كاد يلاصقه، وانتفخ كالديك المزهو ليُعلن للأبصار فوارق الحجم واللون والبهاء بينه وبين أخيه، ثم انطلق:
“إني وأشقائي أبناء هانم من خيرة النساء، أما هذا فابن جارية سوداء!”
شحب وجه أدهم الأسمر دون أن تندَّ عنه حركة. ولوَّح الجبلاوي بيده: “تأدب يا إدريس!” لكن الغضب كان قد اقتلع جذور العقل، فصاح إدريس:
“ما أهون الأبوة عليك! فلم تعرف إلا أن تكون فتوةً جباراً، ونحن أبناؤك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين!”
اقترب الجبلاوي خطوتين في بطء كالتوثُّب، وقال بصوت منخفض وقد أنذرت أساريره المنقبضة بالشر: “اقطع لسانك!” لكن إدريس واصل، ورمى بكلمة لا تُغتفر — اتَّهم الجارية بأنها هي التي بغَّضت الأبناء إلى أبيهم. فتعلَّت نبرات الرجل واخشوشنت: “إنها زوجتي يا عربيد، فتأدب وإلا سوَّيت بك الأرض!”
وفزع الإخوة وأولهم أدهم، لدرايتهم ببطش أبيهم الجبار. لكن إدريس كان قد بلغ من الغضب درجة لم يعد يدرك معها خطراً، كأنه مجنون يهاجم ناراً مندلعة. واكفهرَّ الوجه الكبير حتى حاكى لونه النيل في احتدام فيضانه، وأيقن الجميع أن إدريس قد انتهى. حتى إدريس نفسه، بكري الجبلاوي وشبيهه في القوة والجمال، أدرك ذلك. وتقدَّم الجبلاوي وهو يقول:
“لا أنت ابني ولا أنا أبوك، ولا هذا البيت بيتك، ولا أم لك فيه ولا أخ ولا تابع، أمامك الأرض الواسعة فاذهب مصحوبًا بغضبي ولعنتي، وستعلِّمك الأيام حقيقة قدرك وأنت تهيم على وجهك محروماً من عطفي ورعايتي!”
ضرب إدريس البساط الفارسي بقدمه وصاح: “هذا بيتي، ولن أغادره!” فانقضَّ عليه الأب قبل أن يتَّقيه، وقبض على منكبه بقبضة كالمعصرة، ودفعه أمامه والآخر يتراجع متقهقراً، فاخترق به ممراً تكتنفه شجيرات الورد والحناء مفروشاً بالياسمين الذي يحبُّه أدهم، حتى البوابة الكبيرة فدفعه خارجاً وأغلق الباب. وصاح بصوت سمعه كل من يقيم في البيت:
“الهلاك لمن يسمح له بالعودة أو يعينه عليها!”
الممر الذي سُحب فيه إدريس إلى الخارج كان مفروشاً بالياسمين — نفس الياسمين الذي يعشقه أدهم ويستلقي تحته. كأن الحديقة التي هي جنَّة أدهم شهدت أول طرد في هذا البيت.
طُوي الأمر. ومضى أدهم إلى حيث تنتظره النظارة وأوراق الوقف.
قال لأمه قبل ذهابه: “باركيني يا أمي، فما هذا العمل الذي عُهد به إليَّ إلا امتحان شديد لي ولك.” فقالت بضراعة: “ليكن التوفيق ظلك يا بني، أنت ولد طيِّب والعقبى للطيبين.” رجل يرى في الأمانة امتحاناً لا مجداً، وفي المنصب مسؤولية لا انتصاراً.
واتخذ الأمانة شعاراً، وسجَّل كل مليم في الدفتر لأول مرة في تاريخ الوقف. وحين سأله أبوه يوماً: “كيف تجد العمل يا أدهم؟” أجاب بخشوع: “ما دمتَ قد عهدت به إليَّ فهو أعظم ما في حياتي.” فشاعت في الوجه العظيم البشاشة، إذ إنه على جبروته كان يستخفُّه طرب الثناء. كان أدهم يحب مجلس أبيه ويختلس منه نظرات الإعجاب والحب، ويسعده أن يتابع أحاديثه عن حكايات الزمان الأول ومغامرات الفتوة والشباب — ذلك الرجل الذي يبدو من كوكب هبط.
لكن أدهم كان يحمل في الوقت نفسه ما لا يُبوح به. كان يقارن كثيراً بين نفسه وإخوته، بين لونهم المضيء ولونه الأسمر، بين قوتهم ورقَّته، بين سمو أمهم ووضاعة أمه. لكن جو البيت المعبَّق بشذا الرياحين لم يسمح لشعور سيئ بالاستقرار في نفسه، فنشأ — كما يصفه محفوظ — “صافي القلب والعقل.”
وهذا الصفاء بالذات هو ما جعله هشاً من حيث لا يعلم. فالذي ينشأ صافياً لا يرى المنحدر حتى يجد نفسه عليه.
بينما كان إخوته يجتمعون فوق سطح البيت يأكلون ويشربون ويقامرون، كان أدهم لا يطيب له الجلوس إلا في الحديقة. كان عاشقاً لها منذ درج. فإذا فرغ من عمله استلقى تحت عريشة الياسمين:
“وراح يرنو إلى العصافير، وما أكثر العصافير! أو يتابع اليمام، وما أحلى اليمام! ثم ينفخ في الناي محاكياً الزقزقة والهديل والتغريد، وما أبدع المحاكاة! أو يمد الطرف نحو السماء خلال الغصون، وما أجمل السماء!”
وحين خلا لنفسه قال:
“الحديقة، وسكانها المغردون، والماء، والسماء، ونفسي النشوى، هذه هي الحياة الحقة. كأنني أجِدُّ في البحث عن شيء. ما هذا الشيء؟ الناي أحياناً يكاد يجيب. ولكن السؤال يظل بلا جواب.”
رجل يبحث عن شيء لا يعرف اسمه، ويعيش حياته كأنها موسيقى لا كلمات فيها.
وفي الحديقة نفسها رأى أميمة لأول مرة. سمراء مثله ومن عالمه نفسه. وحين رآها شعر بأنه لم يكن قط أشد اندماجاً مع كائنات الحديقة منه في هذه اللحظة — وأن الورد والياسمين والقرنفل والعصافير واليمام ونفسه نغمةٌ واحدة. فأحبها وتزوجها.
ولهذا كله اختاره إدريس — رجل صافٍ لا يرى المنحدر حتى يجد نفسه عليه.
إدريس يعود ذات يوم، سكراناً، يترنَّح في الخلاء أمام البيت يلعن ويصيح. ثم يأتي إلى أدهم في هدوء مُصطنع — يريد أن يعرف هل أبعده الجبلاوي من الوصية نهائياً. يقول إن الحجة في مجلَّد ضخم رآه مرة في صباه، وإنه لا يشك في أن مصيره قد تقرَّر فيه. فضاق أدهم وشعر بأنه محاصر، ثم أعطاه إدريس المعلومة:
“إنه في الخلوة المتصلة بمخدع أبيك. وهو باب مغلق دائماً، لكن مفتاحه مودع في صندوق فضيٍّ صغير في درج الخوان القريب من الفراش، أما المجلَّد الضخم فعلى ترابيزة في الخلوة الضيقة.”
فيرفع أدهم حاجبيه في انزعاج ويتمتم: “ماذا تريد؟”
يقول إدريس إن الأمر يسير عند الفجر، وليس جريمةً أن يطَّلع ابن على ما يخصُّه في حجة أبيه. فيردُّ أدهم: “ما أفظع ما تدعوني إليه يا أخي!” فيتظاهر إدريس بالاستسلام، يقوم، يضع يده على كتف أدهم ويُقبِّل جبينه بعطف، ثم يقول:
“لا يسأل عن تعاستي إلا نفسي، لماذا أحملك فوق ما تطيق؟ دعني أتركك بسلام وليفعل الله ما يشاء!”
ويذهب.
الانسحاب المسرحي أبلغ من الإلحاح. والمعلومة زُرعت في مكانها.
وبقي أدهم وحده يحمل ذنب الرفض.
في تلك الليلة جلس أدهم في غرفته يطالع ظلام الخلاء من النافذة. أميمة تسأله عن الحجة. تبدأ بهدوء، ثم تسأل من زاوية ثانية وثالثة، والحديث لا يتوقف. وحين يحاول أدهم الهروب إلى النجوم من نافذته، تقترب منه وتسأله بنبرة لينة:
“بربك ألا تودُّ أن تطَّلع على الحجة؟”
فيردُّ بحدة: “كلا، لماذا أودُّ ذلك؟”
لكن الحديث لا يتوقف. تُثير مستقبله ومستقبل أبنائها. يحاول مرة أخرى النظر إلى النجوم. فتقول: “لو كنت أعرف القراءة لذهبت بنفسي إلى الصندوق الفضي.” ويتمنى لو كان الأمر كذلك — وتعرف أميمة أنها وصلت. ثم تضع يدها على يده:
“أنت مقتنع بما أقول، ولكنك خائف، والخوف لا يليق بك.”
“بوسعه أن يقطع الحديث لو شاء، ولكن المنحدر كان شديد الانحدار. والحق أنه لم يتركها تسترسل في حديثها إلا لأن جزءاً من نفسه كان بحاجة إلى تأييدها.”
إدريس زرع المعلومة، وأميمة طرحت الأسئلة. رغبة لم تُعلَن، في انتظار من يُسمِّيها. لم تخلق الرغبة فيه — بل أعطتها اسماً.
والمنحدر لم يكن لحظةً واحدةً كبيرة. كانت سلسلة من اللحظات الصغيرة، كل واحدة منها بدت أصغر من أن تُعدَّ قراراً:
إدريس أعطى معلومة — لا فعل.
أميمة طرحت سؤالاً — لا فعل.
أدهم استمع ولم يقطع الحديث — لا فعل ظاهر.
أدهم أدرك أن جزءاً منه يريد ما تقوله — مجرد إدراك.
ثم قبل الفجر — دخل.
لم تكن ثمة لحظة واحدة يمكن لأدهم أن يُحدِّدها ويقول: “هنا قرَّرت.” كان المنحدر هادئاً جداً.
دخل الخلوة بشمعة صغيرة. فتح المجلَّد الضخم. بدأ يقرأ بالخط الفارسي “باسم الله…” — ثم سمع صوت الباب يُفتح بغتةً.
“رأى الجبلاوي على ضوء شمعته يسدُّ الباب بجسمه الكبير ملقياً عليه نظرةً باردةً قاسيةً. حملق أدهم في عيني أبيه في صمت وجمود، وتخلَّت عنه قوى الكلام والحركة والتفكير. وأمره الجبلاوي قائلاً: اخرج!”
كلمة واحدة. لا شرح. لا مجال للدفاع.
خرج أدهم يحمل بقجة ملابس، وتبعته أميمة حاملةً بقجةً ثانيةً وأطعمةً خفيفة.
“وعندما سمعا صوت الباب وهو يغلق خلفهما ارتفع صوتاهما بالنحيب.”
ولأول مرة فهم أدهم أن الباب الذي يُغلق مرةً قد لا يعود يُفتح كما كان.
ومن بعيد، وقف إدريس يرقص شامتاً وينطلق بنبوءته:
“غداً يسرحون بالبطاطة واللب، غداً يتعرضون لصفعات الفتوات في العطوف وكفر الزغاري… وتقبع أنت وحيداً في حجرتك تبدَّل وتغيَّر في كتابك كيف شاء لك الغضب والفشل، وتعاني وحدة الشيخوخة في الظلام.”
ومضى الوقت. وارتمى الاثنان منهكَين على أمتعتهما في الخلاء، والشمس ترسل أشعتها على الرمال المترامية. وتنهَّدت أميمة بصوت مسموع وقالت:
“سنتعب كثيراً حتى تتيسَّر لنا الحياة.”
فرنا أدهم إلى البيت الكبير وقال:
“وسنتعب أكثر حتى ينفتح لنا هذا الباب مرةً أخرى.”
ليس وعداً بالانتصار. وليس نبوءةً بالعودة. فقط — رفض أن يكون الإغلاق نهاية.
ما يحدث بعد ذلك لأدهم وأميمة وأبنائهما — هذا ما سنكمله في الحلقة القادمة بإذن الله.


