في رحلة البحث عن اصول المقامات والالحان للموسيقى العربية.

ترانيم بيزنطية في ألحان عربية؟
رحلة البحث عن أصل مقامات الموسيقى العربية

… في أروقة المكتبات الموسيقية الغربية، لا يزال سؤال واحد يطلّ برأسه كلما تناول الباحثون الموسيقى العربية: هل خرجت مقاماتنا من رحم الكنيسة البيزنطية؟ هل تلك الألحان التي ترافق قوافي الموشحات وأدوار الصوفية ليست سوى صدىً معدّل لتراتيل كُتبت لتمجيد الإمبراطور قسطنطين والقديسين؟ تبدو الفرضية للوهلة الأولى صادمة، بل تكاد تكون استفزازًا للشعور القومي، غير أن الباحثين الأوروبيين، منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، لم يتوقفوا عن تمحيص هذه القضية الشائكة. للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من رحلة تنقّب في تاريخ الموسيقى العربية، مستندين إلى مصادر أجنبية موثوقة، تتلمّس الطريق بين بخور الكنائس وبلاطات الخلفاء، بين بيزنطة وبغداد وفارس.

حين بدأ المستشرق الإسباني خوليان ريبيرا (Julián Ribera) في أوائل القرن العشرين بدراسة الموسيقى الأندلسية، طرح فكرة ثورية مفادها أن الموسيقى العربية – خصوصًا الموشحات – مدينة بأصولها اللحنية إلى الطقس المسيحي الإسباني القديم، والذي ورثه بدوره عن بيزنطة. في كتابه «الموسيقى في بلاد العرب القديمة وإسبانيا» (Music in Ancient Arabia and Spain, 1929)، يذهب ريبيرا إلى أن الغناء العربي تطوّر تحت ظلال الكنيسة، وأن ما نسميه اليوم مقامات هو تحوير دنيوي لأنماط الترانيم البيزنطية المعروفة بـ”الأوكتوئيخوس” (Octoechos)، أي نظام الأنغام الثمانية الذي كان يُستخدم في الكنائس الشرقية. الفكرة أغوت كثيرين، لأنها تفسّر تشابهًا غامضًا في بنية الجمل اللحنية، وفي الشعور الطقسي الذي تثيره بعض المقامات كالراست والحجاز.

غير أن ريبيرا لم يكن وحده في هذا الميدان، فقد تصدى له عملاق آخر من مستشرقي الموسيقى، البريطاني هنري جورج فارمر (Henry George Farmer). فارمر، الذي يُعدّ مرجعًا لا غنى عنه لكل دارس للموسيقى العربية، ألّف كتاب «تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر» (A History of Arabian Music to the XIIIth Century, 1929)، وهو حجر الزاوية في أي بحث جاد. فارمر لا ينكر وجود تأثيرات بيزنطية، لكنه يرى أن جذور المقامات أعمق وأكثر تعقيدًا من أن تُختزَل في الكنيسة. فهو يشير إلى أن العرب قبل الإسلام كانت لديهم تقاليد غنائية راسخة: “الحداء” لسوق الإبل، و”النصب” الذي يشبه الرثاء، و”السناد” ذو الإيقاع الراقص. هذه الألحان، كما يوثّق فارمر نقلاً عن كتاب الأغاني للأصفهاني، حملت بذور المقامات، لكنها كانت تنتظر لقاءً مثمرًا مع حضارات الجوار.

هنا يبرز بُعد آخر شدد عليه باحثون مثل الألماني إكارد نويباور (Eckhard Neubauer) والإسرائيلي أمنون شيلواه (Amnon Shiloah) في دراساتهما عن النظرية الموسيقية العربية. فبعد الفتوحات الإسلامية، وجد العرب أنفسهم وجهاً لوجه أمام إرثين موسيقيين عظيمين: الفارسي واليوناني. الفرس الساسانيون أبدعوا نظامًا مقاميًا شديد التطور، اشتهر فيه باربد (Barbad) صاحب “الطرق الثلاثين” أو الألحان الملكية. وعندما انتقل البلاط الفارسي إلى بغداد العباسية، انتقلت معه هذه الألحان. فارمر، في الفصل الخاص بـ«الموسيقيين في العصرين الأموي والعباسي»، يُظهر كيف هيمن المغنّون الفرس مثل نشيط الفارسي وابن محرز على الغناء العربي المبكر، وكيف نُسبت أولى المحاولات لتنظيم الألحان إلى هذا المزيج العربي – الفارسي. وهكذا، فإن فكرة أن المقامات “وُلدت” في الكنيسة تفقد بريقها حين نرى أن المادة الخام كانت تتشكل في قصور كسرى قبل أن تصل إلى المنطقة العربية

لكن، ماذا عن الجانب النظري؟ هنا تكمن النقطة الأكثر إثارة التي تربط المقامات العربية بالبيزنطيين. أول منظّر موسيقي في الإسلام، يعقوب بن إسحاق الكندي (ت. 874م)، وضع في رسائله نظامًا من ثمانية أنغام أسماها “الشدود”. الكندي لم يخترع هذه الأنغام من فراغ؛ لقد اعتمد بشكل مباشر على النظريات اليونانية التي ترجمها إلى العربية تلاميذ بيت الحكمة، وعلى رأسها كتابا «الموسيقى» لأرسطو و«الموسيقى الكبير» للفارابي لاحقًا، فضلاً عن أعمال إقليدس وبطليموس. ولكن هل كان الكندي ينقل عن مخطوطات يونانية صرفة، أم عن أوساط كنسية سريانية كانت تستخدم بالفعل أنغامًا ثمانية في طقوسها؟

أمنون شيلواه، في موسوعته «نظرية الموسيقى في الكتابات العربية» (The Theory of Music in Arabic Writings, RISM, 1979)، يذكّرنا بأن الأطباء والمترجمين السريان – وعلى رأسهم حنين بن إسحاق – كانوا الجسر الذي عبرت عليه الفلسفة اليونانية إلى العربية. وهؤلاء السريان أنفسهم كانوا ورثة الأوكتوئيخوس البيزنطي عبر كنيستهم. فهل يكون نظام الشدود الثماني الذي وضعه الكندي قد استُلهم من التصنيف البيزنطي مباشرة؟ فارمر يعترف بأن أسماء بعض الشدود عند الكندي، مثل “الراست” و”الزيرافند”، تحمل أصداء فارسية، بينما يشير باحثون آخرون مثل أوين رايت (Owen Wright) في كتابه «النظام المقامي للموسيقى العربية والفارسية 1250-1300م» (The Modal System of Arab and Persian Music, 1978) إلى أن العدد ثمانية ربما جاء من التقسيم النظري للدائحة الموسيقية في الفيثاغورية اليونانية، وليس من الكنيسة بالضرورة. فالأنغام اليونانية الأساسية (دوري، فريجي، ليدي… إلخ) أربعة، وثمانية بفروعها، وهذا التقسيم كان معروفًا لدى الكندي من المصادر الفلسفية، لا من التراتيل.

إذن، أين يقف الباحث اليوم؟ الإجماع الذي نستخلصه من المصادر الغربية الموثوقة هو أن المقامات العربية ليست وليدة مصدر واحد، بل هي نسيج معقّد حيكت خيوطه على مدى قرون. لكن القاعدة كانت بيزنطية خالصة، كما صاغها ريبيرا .. ذلك يعني أن الموسيقى البيزنطية لم تشكل تماماً كل موسيقى المنطقة … فالباحثة الأمريكية المتخصصة في الموسيقى البيزنطية إيغون فليس (Egon Wellesz) في كتابها «تاريخ الموسيقى والتراتيل البيزنطية» (A History of Byzantine Music and Hymnography) تُظهر أن بعض التراكيب اللحنية البيزنطية، خصوصاً ذات الطابع “الإخوي” (Echos)، تسللت بالفعل إلى المحيط السرياني المسيحي، ومنه ربما إلى الممارسة العملية للموسيقيين في الشام والعراق، دون أن تترك أثراً نظرياً واضحاً في المدونات العربية المبكرة.

ويأتي صفي الدين الأرموي (ت. 1294م) في القرن الثالث عشر ليضع حجر الأساس لما نعرفه اليوم بالمقامات، حين استبدل مصطلح “شدّ” بـ”مقام” وطور نظاماً من اثني عشر مقاماً رئيسياً في كتابيه «الأدوار» و«الرسالة الشرفية». أوين رايت، في تحليله الدقيق لهذه النقلة، يرى أنها كانت استجابة داخلية لتطور الموسيقى العربية نفسها، محكومة بقواعد رياضية وصوتية مستقاة من الفارابي وابن سينا، وليس فيها أي إشارة إلى الكنيسة. بل إن الأسماء التي أطلقها الأرموي – نوى، عشاق، بوسليك، أصفهان – تغلب عليها الجذور الفارسية والجغرافية، مما يعكس مركزية الإرث الفارسي في هذه المرحلة التأسيسية.

في الختام، يمكن القول إن قصة المقامات العربية ليست حكاية اقتباس سلبي من تراتيل بيزنطية، بل هي ملحمة تمازج حضاري نادر. من حداء البدوي في جزيرة العرب، إلى طرق باربد في قصور ساسان، إلى نظريات فيثاغورس وأرسطو التي نقلها السريان، ومروراً بأصداء خافتة من ترانيم الكنائس الشرقية، تكوّنت هذه اللغة الموسيقية الساحرة. المصادر الأجنبية الموثوقة، من فارمر إلى شيلواه و رايت، تجمع على أن البذرة آرامية فارسية في روحها، وأن القالب النظري يوناني عباسي، بينما بقي الأثر البيزنطي المباشر حلقة قوية في السلسلة، يغلب عليها طابع التأثير الممارساتي والبنيوي. وهكذا، فإن الاستماع إلى مقام الحجاز اليوم لا يعني بالضرورة أننا نسمع موسيقى لحنت في منطقة الحجاز ، بل نسمع أصداء تاريخ وفلسفة حياة شعوب كانت تعيش حياة هادئة لدرجة أنهم أصبحوا يقلدون الطيور المرنمة ، هؤلاء من صنعوا أحد أعمق أنظمة الموسيقى في العالم … RAMI

#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم