في غرفة 19:
“عري الذات في مراياها”
في السيرة الذاتية
دعد ديب
يحفل الادب العربي بالكثير من نماذج السيرة الذاتية، وقد تفنن الكثير من الأدباء في صوغ تفاصيل إما عن حياتهم أو عن حيوات الآخرين فيما يخص بؤرة معينة من سيرتهم الأكثر توهجًا أو كنوع من المكاشفة الوجدانية بين الكتاب وقراءهم وقد اشتق منها البؤر البالغة التأثير والأهمية، فمنها ما يعتمد على سرد تفاصيل عبر يوميات أو اعترافات، وقد تكون اعترافات القديس” أوغسطين” أقدم سيرة ذاتية وصلت إلينا كنوع من التطهر ومزيج من التأملات والذكريات، وضح فيها الصراع الذي عاشه للوصول إلى الإيمان، والتنقل من حال إلى حال، وكان لها دورًا هامًا في تشكيل إرهاصات أولية لهذا الفن، وكذلك كانت اعترافات جان جاك روسو التي تغيا فيها تقديم الإنسان نقيًا وحقيقيًا بلا أي رتوش، وبعدهم جاءت تجارب عدة في هذا المضمار.
وتأتي تجربة جلال برجس في رسم ما يشبه بورتريه أدبي كشكل آخر من فن السيرة الذاتية في عمله ” نشيج الدودوك” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2023، ويتوزع بوحه عبر زمنين زمن قادم من أعماق الطفولة وزمن حاضر يسرد فيه يومياته الحالية ويرصد حسه الأدبي كيف أخذت بداياته تتشكل في ذاته والقلق المبدع الذي أضناه ملاحقته في أعماقه كضجيج داخلي بعد سلسة نجاحات حققها في السرد الروائي على غرار روايته «دفاتر الوراق التي حصد فيها الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر 2021) وروايته «أفاعي النار» التي نال فيها جائزة كتارا للرواية العربية 2014، ومجموعته القصصية «الزلزال» التي حازت على جائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع 2012، و روايته «مقصلة الحالم» التي استحقت جائزة رفقة دودين للإبداع 2013، كما وصلت روايته «سيدات الحواس الخمس» إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية عام 2019.
يؤكد جلال برجس أن الإلهام ليس محركًا للكتابة بل هو مجموع مالم يقال ويعكس قدرة الكاتب على رؤية الزوايا المعتمة، فسيرة حياته التي وزعت خلال محورين الأول: حياته الشخصية وما يتذكره من هواجس الطفولة والشباب وكيف بدأ نبض الأدب يدق في عروقه ليتشكل وينمو حسه الأدبي، والمحور الثاني البؤر المركزية المحركة لوعيه عبر رحلاته وأسفاره التي توزعت في أكثر من مكان عبر العالم.
في بوحه الذاتي لحياته الشخصية ثمة مكاشفات يسرد فيها كيف تلمس تذوق السرد وأوليات القراءة، فقد كان لقصص جدته أولى بذور الحكاية في القصة المسرودة عن: «طيور شلوى» أولئك الأيتام الذين أصبحوا فرسان قبيلة عبد الكريم الجربا، كما هي معروفة بالقصة التراثية المشهورة في الأردن، وهو يتساءل يا ترى من قرأ من؟ هل قرأت الجدات كبار الأدباء أم أن كبار الأدباء تتلمذوا على حكايا جداتهم، ، وفي القراءة كان اطلاعه على رواية البؤساء لفيكتور هيجو التي عرفه على عالمها عمه “عزيز” وكيف قادته حوادث شخصية لتقرر مصيره الدراسي فمثلًا حادثة رفض أستاذ الرياضيات السماح له بمغادرة الحصة إلى الحمام وما جرى بعدها وسم كراهيته للرياضيات بقية حياته، وبالنسبة لعلاقته بالمرأة كان المشهد المحفور في ذاكرته منذ الطفولة لسيدة أحلامه التي شاءت صدفة ما أن يراها في حالة خاصة رغم الصفعة التي تلقاها منها نموذجًا لافتتانه بالجمال الأنثوي، بالإضافة لخيال أزميرالدا الآتية من عالم الروايات، ورغم ذلك كان هناك سطوة المخيلة على وعيه الفطري بين الكذب والخيال فيما ادعاه أمام جده من عودة عمه عزيز من رومانيا، وهو لا يعي آنذاك خطورة التلاعب بمشاعر من لوعه الشوق والغياب.
يقول صاحب أفاعي النار: “أي متحف أنا، أصوات وروائح تأتيه من البعيد” مفسرًا وجود طبقات في اللاوعي الجمعي يردها لمصدر إيمان الإنسان بالتقمص في واستحضار الذكريات القديمة الواردة في الفلسفة، إذ أن جسم الإنسان متحف لتاريخه التطوري في حوارية الروح والجسد، وهو يرى نفسه محلقًا خارج المكان ناظرًا إلى كينونته الأولى بكل ذلك الحنين والشغف حاضرًا في ذهنه كلام غاستون باشلار في كتابه ” جماليات المكان “بقوله: “البيت ركننا في العالم، إنه وكما قيل مرارا، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى” في شرحه عن علاقته بالمكان وألفة الركن الأول في العالم الذي يتعملق في الذاكرة حيث الذاكرة هي المكان والمكان هو الذاكرة، رغم إغواء حلم الطيران لأن الكتابة تحليق كذلك.
جلال برجس في ” نشيج الدودوك” يحاول أن يتمثل قول بابلوا نيرودا:” يموت ببطء من لا يسافر، من لا يقرأ، من لا يسمع الموسيقى، من لا يعرف كيف يجد شيئًا بفضل عينيه. “
ففيما يخص قراءاته في آداب كل بلد زاره حيث السفر بالنسبة له سياحة فكرية في ثقافات الشعوب التي يفد إليها، حيث ضمنها قراءاته وانطباعاته وهو يصغي لموسيقاه الداخلية التي ترسم خطى حياته ومشروعه الإبداعي.
فعندما كان بالجزائر كان في يده كتاب “الغريب” ل ألبير كامي المولود في الجزائر وقد أوضح قراءته النقدية لموقف الكاتب الشهير الضمني من الاستعمار وهو يتحرى تهميشه للشخصيات العربية في الجزائر رغم تصريحاته العلنية المغايرة، وفي رحلته إلى لندن التي أوصل إلينا إحساسه بالغربة في ذلك البلد البارد وهو يتأبط كتاب الطيب صالح “موسم الهجرة الى الشمال” ويتمثل موقف بطله مصطفى سعيد في علاقته مع الغرب الاستعماري، وفي زيارته ل أرمينيا كان كتاب “داغستان بلدي” لرسول حمزاتوف دليله المعرفي إلى الأجواء الفكرية في تلك المنطقة وتقاليدها الفنية التي تعلو فيها تلك الموسيقا وهي وقع صوت يشبه نواح من مزمار حزين أطلق عليه نشيج الدودوك، وموسيقى آلة الدودوك المصنوعة من شجر المشمش التي يعبر فيها الأرمني عن أفراحه، وأحزانه، وذكرياته، وحاضره، ومستقبله، وهو لطالما شعر بها في أعماقه كصدى لإيقاع شجن غريب في داخله ومنها استقاه عنوانًا لنصه الذاتي.
السيرة الذاتية؛ التاريخ؛ اليوميات؛ المذكرات والاعترافات، كلها تعتمد على مخزون الذاكرة وقد تركز على أمور وتسقط أمورًا أخرى حسب ما يراه الكاتب أنه الأهم ويتبوأ الصدارة، فكثيرًا ما نتساءل إلى أي حد نرى شخص المبدع في نتاجه وإلى أي مدى ممكن أن يكون صادقًا، وهل المفروض أن يكتب كل شيء، وهل يختلف في نصه الحالي عن أبطاله في أعماله السردية فهو يقول: أنه موجود فيها جميعًا وهو ليس واحدًا منهم في نفس الوقت، ولكن في السيرة الذاتية يسأل الكاتب أحيانًا عن التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية كما في الميثاق الاوتوبيوغرافي” “Autobigraphie فالسيرة الذاتية حسب الفرنسي فيليب لوجون “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص ، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة “
فقد كان للصدق في المكاشفة والتجرد من الادعاء وتبيان حالات الضعف والانكسار قبل الزهو وإبراز المزايا جانبًا هامًا في حديثه عن افتقاده للوسامة التي لم تجعله نجم الحسناوات ومحط اهتماهن، ولكنه أصبح نجما ًبالغ التألق بالنجاحات التي حققها وشفافية عالمه الداخلي المتوقد وموسيقاه التي وصلنا نشيجها الآسر كنسغ سري بينه وبين القارئ الذي أحبه وتقاسم معه حميمية عالمه الداخلي.


