فيلم «هامنت»: حين يتحول الفقد إلى مسرح بين التاريخ والذاكرة
* مروان ياسين الدليمي
ليس من اليسير أن يُكتب فيلم عن وليم شكسبير من دون أن يقع في فخ التقديس، أو أن يُستعاد اسمه بوصفه أيقونة ثقافية معزولة عن هشاشتها الإنسانية.
فالتاريخ، حين يواجه العظمة، يميل نحو تحويلها إلى أيقونة مكتملة غالبا ما تخفي هشاشتها الداخلية، متناسيا أن العبقرية، في أصلها، ليست سوى استجابة حساسة لجرح عميق.
غير أن فيلم «هامنت» (2025) يختار، منذ لقطته الأولى، مسارا آخر، أكثر خطورة وأشد تواضعا: أن ينصت إلى الصمت، وأن يتسلل إلى ما لم يُكتب، إلى تلك المساحة المعتمة التي تركها التاريخ خالية حين سجّل موت ابن شكسبير الصغير، هامنت، ولم يسجل ما فعله هذا الموت بروح الأب، ولا كيف أعاد تشكيل لغته، ولا نظرته إلى العالم، ولا علاقته بالمسرح والوجود.
الفيلم لا يتعامل مع شكسبير بوصفه مؤلفا عظيما، بل بوصفه إنسانا يختبر الفقد، ويحاول أن يواصل العيش بعده. ومن هنا، فإن الفيلم لا يُشاهد كعمل سيري، بل يُقرأ كتأمل طويل في العلاقة الغامضة بين الألم والإبداع، بين الذاكرة والكتابة، وبين ما يُفقد في الحياة، وما يُستعاد على خشبة المسرح.
يستند الفيلم إلى رواية « Hamnet « للكاتبة البريطانية ماجي أوفاريل، الصادرة عام 2020، وهي رواية لم تسعَ إلى إعادة سرد حياة شكسبير بقدر ما سعت إلى تفكيكها شعوريا. أوفاريل، المولودة عام 1972 في أيرلندا الشمالية، تُعد من أبرز الأصوات السردية في الأدب الإنكليزي المعاصر.
في «هامنت»، أعادت تخيل حياة أسرة شكسبير من زاوية الفقد والحداد، مركزة على شخصية الابن الراحل، وعلى الزوجة أغنيس، بوصفها مركز الثقل العاطفي للحكاية. وحازت الرواية جوائز مرموقة، من بينها جائزة المرأة للأدب، مؤكدة قدرة الخيال على مساءلة التاريخ لا على تزويره.
الفيلم، وفاءً لروح الرواية، لا يسأل: ماذا حدث؟ بل يسأل: ماذا كان يمكن أن يحدث في الداخل؟ كيف يعمل الفقد في الجسد؟ كيف يغير الإيقاع اليومي للحياة؟ وكيف يتحول، مع الزمن، إلى كتابة، ثم إلى مسرح، ثم إلى نص خالد اسمه «هاملت»؟ بهذا المعنى، لا يصبح «هامنت» فيلما عن شكسبير، بل عن تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين الإنسان الذي يفقد، والفنان الذي يكتب.
التاريخ بوصفه فجوة سردية
حين يتعامل التاريخ مع العظماء، يكون غالبا بخيلا في أكثر النقاط حساسية. نعرف متى وُلد هامنت، ومتى مات، ونعرف أن شكسبير كتب «هاملت» بعد سنوات قليلة من هذه الفاجعة، لكننا لا نعرف شيئا عمّا جرى بين الحدثين.
تلك المسافة، التي قد تكون ممتلئة بالبكاء، أو بالصمت، أو بالهروب إلى لندن، أو بالانغماس القهري في العمل، تركها التاريخ بلا تعليق، كأنها غير جديرة بالتدوين.
رواية «هامنت»، ومن بعدها الفيلم، تعاملا مع هذه الفجوة لا بوصفها نقصا، بل بوصفها إمكانا. فحين يصمت التاريخ، يبدأ الأدب. وحين يعجز الأرشيف عن الشرح، تتقدم المخيلة لا لتزوير الوقائع، بل لتفسير أثرها الإنساني.
هنا لا يصبح الخيال عدوا للحقيقة، بل امتدادا لها في مستوى آخر، هو مستوى الشعور. حتى الاسم ذاته «هامنت»، بتشابهه الصوتي مع «هاملت»، يتحول من مجرد مصادفة لغوية إلى مفتاح تأويلي. ففي إنكلترا الإليزابيثية، لم يتمايز الاسمان بوضوح، وكان يُتعامل معهما بوصفهما شكلين للاسم نفسه.
هذه الحقيقة البسيطة تمنح الرواية والفيلم شرعية رمزية للربط بين الابن المفقود، والأمير الدنماركي، بين الطفل الذي مات مبكرا، والشخصية التي ظلت معلقة بين الحياة والموت.
أبرز ما يميز معالجة الفيلم هو انزياحه الواضح عن مركزية شكسبير بوصفه «العبقري». لا يُقدَّم هنا كتمثال أدبي، بل ككائن هش، غائب في أغلب الوقت، ممزق بين مدينة تبتلعه، وبيت يطالبه بالحضور.
في المقابل، تتقدم شخصية الزوجة، أغنيس، لا باعتبارها ملحقا بسيرته، بل باعتبارها القلب العاطفي للحكاية. هذا الاختيار ليس جماليا فحسب، بل فلسفي أيضا. فالفقد لا يُعاش بالطريقة نفسها لدى الجميع. والألم، حين يحدث، يعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة.
الفيلم يدرك ذلك جيدا، فيمنح الحزن وجها أنثويا، جسدا مقيما في المكان، مرتبطا بالأرض، بالأعشاب، وبالذاكرة اليومية، في مقابل رجل يواجه الفاجعة بالمسافة، بالسفر، وبالكتابة. هكذا تتحول الحكاية من سيرة فرد إلى تجربة فقد جماعية، تُرى من الداخل، وتُروى من زوايا متعددة، بلا استعجال، وبلا رغبة في تقديم خلاصة أخلاقية.
في معالجة المخرجة كلوي تشاو، لا يبدو الحزن حدثا دراميا يقع ثم ينتهي، بل حالة زمنية كاملة. الكاميرا لا تركض خلف الوقائع، بل تمشي ببطء خلف المشاعر. الضوء الطبيعي، اللقطات الطويلة، والمساحات المفتوحة، كلها عناصر لا تُستخدم للتجميل، بل لخلق إحساس بأن الزمن نفسه قد تبدل. الفقد، في هذا الفيلم، لا يصرخ. إنه يتسلل.
يظهر في التفاصيل الصغيرة: في حركة يد، في نظرة شاردة، في صوت الريح داخل بيت صار أوسع مما ينبغي. تشاو تتعامل مع الصورة كما لو كانت ذاكرة، لا وثيقة.
والذاكرة، كما نعرف، لا تلتقط كل شيء، لكنها تحتفظ بما يؤلم أكثر. حتى الموسيقى، حين تحضر، لا تسعى إلى توجيه المشاعر، بل إلى مرافقتها. لا توجد ذروة ميلودرامية واضحة، لأن الحزن الحقيقي، كما يفهمه الفيلم، لا يبلغ ذروته دفعة واحدة، بل يتراكم، ويتحول، ويغيّر شكله مع الوقت.
المخرجة كلوي تشاو صينية المولد، أمريكية التكوين، وُلدت عام 1982 في بكين، وتدرّجت في دراسة السينما بين لندن ونيويورك، قبل أن تفرض صوتها الخاص في السينما المستقلة عبر أفلام تنحاز إلى الهامش الإنساني، والوجوه غير المرئية في السرد السائد. اشتهرت بأسلوب بصري يعتمد الإيقاع البطيء، والضوء الطبيعي، والاقتراب التأملي من الشخصيات.
حققت شهرة عالمية بعد فيلم «Nomadland» الذي نال السعفة الذهبية وجائزة الأوسكار لأفضل إخراج، لتصبح أول امرأة آسيوية تحصد هذا اللقب. تتميز أعمالها ببحثها الدائم في معنى الانتماء، والفقد، والعلاقة بين الإنسان والمكان.
دفق الوجدان وبنية السرد:
السرد في الفيلم لا يسير في خط مستقيم. الماضي والحاضر يتداخلان، لا بوصفهما زمنين منفصلين، بل كطبقتين في الوعي. هكذا يعمل الحزن: يعيد ترتيب الذاكرة، يجعل اللحظات السعيدة أكثر حضورا لأنها صارت مفقودة، ويجعل الحاضر مشوشا لأنه محمّل بما لم يعد موجودا.
هذا البناء السردي، القائم على الاستدعاء لا على التسلسل، يمنح الفيلم طابعا تأمليا واضحا. نحن لا نشاهد قصة، بل ندخل حالة. وكلما ظننا أننا اقتربنا من فهم ما حدث، يعيدنا الفيلم إلى سؤال أعمق: ماذا يفعل الفقد بالإنسان حين لا يجد له لغة كافية؟
تتجسد ذروة الفيلم ومعناه الأعمق في لحظة الانتقال الرمزي إلى «هاملت». هنا لا تُستحضر المسرحية بوصفها عملا أدبيا عظيما، بل بوصفها أثرا جانبيا للحزن. كأن المسرح، في هذا السياق، يصبح وسيلة للفهم لا للترفيه، وطريقة لقول ما لا يمكن قوله مباشرة.
الأمير الدنماركي، الممزق بين الفعل والتردد، يبدو في هذه القراءة انعكاسا متخيلا لطفل لم يُتح له أن يكبر. ليس لأن شكسبير كتب سيرته في النص، بل لأن الألم، حين يُكتب، لا يخرج نقيا، بل متحولا، متخفيا في أقنعة درامية.
الفيلم لا يدعي أن «هاملت» هو هامنت، لكنه يقترح علاقة أعمق: أن الفن، في لحظاته الكبرى، يولد من محاولة الإنسان أن يمنح خسارته شكلا قابلا للاحتمال.
قدّم الممثلون أداء منضبطا، متماهيا مع النبرة التأملية للفيلم، من دون سعي إلى الاستعراض. بدا التمثيل نسيجا شعوريا واحدا، تُقدَّم فيه الحالة قبل الشخصية.
غير أن أداء جيسي باكلي في دور «أغنيس» زوجة شكسبير جاء في موضع متفرد. أداؤها يقوم على اقتصاد صارم في التعبير، كأن الألم طاقة داخلية مضبوطة، لا انفجارا عاطفيا. بذلك، منحت الفيلم قلبه الحقيقي، ذلك القلب الذي ينبض بالفقد، ويصمت حين تعجز اللغة.
«هامنت» ليس فيلما عن الموت، بقدر ما هو فيلم عمّا يبقى بعده. عن الفراغ الذي لا يُملأ، بل يُعاد تشكيله. عن الكيفية التي يتحول بها الألم، مع الزمن، إلى لغة، ثم إلى أثر، ثم إلى مسرح يقف عليه العالم كله. في هذا العمل، لا يبدو شكسبير عبقريا لأنه كتب «هاملت»، بل لأنه، مثل أي إنسان، حاول أن يعيش بعد فقد لا يُحتمل. الفيلم لا يفسر عبقريته، بل يعيدها إلى أصلها الإنساني الأول: الجرح.
وهنا تكمن قوة الفيلم : في أنه لا يضيف سطرا جديدا إلى سيرة شكسبير، بل يعيد قراءة الصمت الذي يحيط بها، ويذكرنا بأن ما لم يُكتب أحيانا هو ما يصنع أعظم النصوص، وأن المسرح، في جوهره، ليس سوى محاولة طويلة لتسمية الألم، وتأجيل النسيان
======***********======
– المصادر:
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


