فيلم “المدرعة بوتيمكين” تحفة المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين..يعرض في فرنسا بعد ١٠٠ عام على عرضه الاول.

تحتفل فرنسا بعرض فيلم “المدرعة بوتيمكين” تحفة المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين بمصاحبة موسيقى عصرية بمناسبة مرور 100 عام على عرض الفيلم في باريس

سمير حنا خمورو

تعرض بلدية باريس وبلدية مرسيليا بعرض فيلم “المدرعة بوتيمكين” Потемкин Броненосец تحفة المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين Sergueï Eisenstein، بمصاحبة الموسيقى التصويرية الإلكترونية لفرقة (بيت شوب بويز!) Pet Shop Boys البريطانية، يوم الأربعاء 17 حزيران/ يونيو، في سينما ماكس ليندر بانوراما، باريس، وفي سينما ليه فاريتيه بمدينة مرسيليا بمناسبة مرور 100 عام على عرض الفيلم في باريس عام 1926، انها تجربة حسية متكاملة حيث تلتقي تحفة سيرجي آيزنشتاين الفنية الشهيرة، بحداثة موسيقى ى نيل تينانت Neil Tennant وكريس لوي Chris Lowe. وسيُطرح الفيلم بنسختين في دور العرض ابتداءً من 17 حزيران.

وكانت هذه الموسيقى التصويرية الجديدة، قد قام الثنائي البريطاني الأسطوري لموسيقى البوب، لفرقة بيت شوب بويز، بتأليفها لمرافقة التحفة الصامتة “المدرعة بوتمكين” بدعوة من معهد الفنون المعاصرة في لندن. وقد شارك في تأليفها بالتعاون مع تورستن راش Torsten Rasch، وقامت أوركسترا دريسدن السيمفونية بتوزيعها بقيادة جوناثان ستوكهامر Jonathan Stockhammer، وهي تمزج بين آلات الإلكترونية والإيقاعات الإلكترونية وأسلوب موسيقي أوركسترالي ملحمي. أُقيم العرض الأول للـفيلم بمصاحبة هذه الموسيقى لأول مرة في 12 أيلول/ سبتمبر 2004، خلال حفل موسيقي مجاني لا يُنسى في ميدان ترافالغار Trafalgar Square أمام أكثر من 25000 متفرج.

في عام 1925، وجّهت اللجنة التنفيذية المركزية السوفيتية المفوضية الشعبية للتعليم بتنظيم احتفالٍ لإحياء الذكرى العشرين للثورة الروسية الأولى عام 1905. وكان من المُخطط أن يكون فيلمٌ وطنيٌّ يكشف فساد النظام القيصري السابق، مع الترويج لمبادئ الاشتراكية، جزءًا لا يتجزأ من هذا الاحتفال. كُلّفت نينا أغادشانوفا بكتابة السيناريو، وتولى سيرغي ميخائيلوفيتش آيزنشتاين Sergueï Mikhaïlovitch Eisenstein الإخراج، وأشرفت شركة موسفيلم على الإنتاج. فقد أُتيحت لآيزنشتاين، الذي أخرج فيلم “الإضراب” La Grève عرض عام 2025 الذي نال استحسانًا كبيرًا في العام السابق، أربعة أشهر فقط لتصوير هذا الفيلم الجديد ومونتاجه. ولذلك، اختصر سيناريوه الأولي، الذي كتبته أغادشانوفا لان السيناريو الأصلي كان يتضمن سردًا واسعًا يشمل عدة مواضيع، ويغطي مجمل الانتفاضة، إلا أن آيزنشتاين ضيّق نطاق الفيلم بشكلٍ ملحوظ، مركّزًا سرده على التمرد الأسطوري للبحارة على متن البارجة بوتيمكين في البحر الأسود، بالقرب من ميناء أوديسا، في 27 حزيران/ يونيو 1905. وعند عرضه حقق نجاحاً هائلاً في الاتحاد السوفيتي، وترك بصمة في تاريخ السينما من خلال ابتكاراته وخصائصه التقنية، فضلاً عن الطابع الملحمي الذي أضفاه عليه آيزنشتاين.

تدور أحداث الفيلم في 14 حُزَيْران/ يونيو عام 1905 على متن البارجة الإمبراطورية الروسية “بوتيمكين”، التابعة لأسطول البحر الأسود التابع للبحرية الروسية، والراسية قبالة ميناء أوديسا. يُعامل طاقم السفينة معاملة سيئة من قبل الضباط، ويتعاطفون مع الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في جميع أنحاء روسيا ضد الطغيان القيصري عقب الهزيمة المذلة التي مُنيت بها روسيا على يد اليابان في الحرب الروسية اليابانية عام 1905. ينفجر الغضب والإحباط المكبوتان عندما يُقدم للبحارة لحم فاسد مليء بالديدان. يتجاهل طبيب السفينة شكواهم، قائلاً إن اللحم صالح للأكل بعد غسل الديدان. يثور الرجال، بقيادة فاكولينتشوك، ويُسجنون، ويُقتادون إلى سطح السفينة الرئيسي ليُعدموا بتهمة التمرد. بالنسبة لبقية الطاقم، كان هذا بمثابة اللحظة الفاصلة الى إعلان التمرد، يقتلون أو يلقون بالقبطان والضباط في البحر، ثم ترسو السفينة في ميناء أوديسا. انتشر صيتهم في أرجاء المدينة، وانضم الآلاف إلى الثورة، ليُلاقوا حتفهم بعد قمع وحشي ومذبحة على يد القوات الموالية للقيصر. ومع وصول أنباء اقتراب الأسطول الموالي، أبحرت سفينة بوتيمكين من الميناء متجهةً نحو مصيرها رافعةً العلم الاشتراكي الأحمر. إلا أن بحارة الأسطول المُقترب رفضوا إطلاق النار، بل هتفوا فرحًا بينما كانت بوتيمكين تشق طريقها وسطهم. لاقى الفيلم رواجًا كبيرًا في روسيا واعتُبر هذا الحدث التاريخي بمثابة مقدمة لثورة أكتوبر (1917). مُنع الفيلم لفترة طويلة في العديد من الدول الغربية بتهمة “الدعاية البلشفية” و”التحريض على العنف الطبقي”. تعكس البارجة، من خلال طاقمها، الانقسامات وعدم المساواة في المجتمع الروسي. أحد أسباب التمرد هو مشكلة الطعام. يُصوَّر الضباط على أنهم ساخرون وقساة، ويجبرون طاقم البحارة على تناول اللحوم الفاسدة، بينما يحافظون هم أنفسهم على نمط حياة مرفه.

يتألف الفيلم من خمسة أجزاء:

  1. “رجال وديدان” (Люди и черви): بحارة على متن البارجة الروسية بوتيمكين يحتجون على تناول اللحوم الفاسدة.
  2. “دراما في الخليج” (Драма на тендре): يثور البحارة وقائدهم فاكولينتشوك؛ ويتم اغتيال الأخير، حيث يطلق عليه ضابط النار.
  3. “الموتى ينادون” (Мёртвый взывает): يحمل حشد من الناس من أوديسا جثمان فاكولينتشوك الذين جاؤوا ليهتفوا للبحارة كأبطال.
  4. “سلالم أوديسا” (Одесская лестница): جنود الحرس الإمبراطوري يرتكبون مذبحة بحق سكان أوديسا على درج يبدو بلا نهاية.
  5. “المواجهة مع السرب” (Встреча с эскадрой): يرفض السرب المكلف بإيقاف تمرد بوتيمكين، يرفض الأوامر وينضم إلى المتمردين.

يعتبر العديد من النقاد فيلم “المدمرة بوتيمكين” للمخرج سيرغي إم. آيزنشتاين، من الفترة الصامته، واحداً من أعظم الأفلام على مر العصور، وهو أكثر بكثير من مجرد عمل سينمائي: إنه زلزال جمالي. ويعد واحداً من أعظم الأفلام على مر العصور، في عام 1958، اختير كأفضل فيلم على الإطلاق من قبل 117 ناقدا سينمائيا . ولا يزال مشهوراً بفضل مونتاجه الثوري وقوة مشاهده المؤثرة، مثل المذبحة المأساوية على سلالم أوديسا. ورغم خضوعه للرقابة لفترة طويلة في العديد من البلدان لما يحمله من دلالات تحريضية، فقد منع “المدرعة بوتيمكين” من العرض في معظم الدول الغربية، فمثلا بعد ان عرض الفيلم في فرنسا عام 1926، تم حظر الفيلم من عام 1927 وإلى عام 1952، ولم يكن يُسمح بعرضه إلا في نوادي السينما وصالة السينماتيك، وفي معاهد السينما. وفي وقت لاحق، تم تصنيفه كفيلم مناسب للمشاهدة العامة. كما رفض المجلس البريطاني لتصنيف الأفلام منح ترخيص عرض عام للسفينة الحربية بوتيمكين في عام 1926، وحتى عام 1953 حيث صُنِّف حينذاك الفيلم بتصنيف X (أي محظور على القاصرين دون سن 16) ولم يصبح مناسبًا لجميع الجماهير إلا في عام 1987. إلا أن الفيلم يبقى اليوم رمزاً عالمياً للنضال ضد الظلم.

يمكن اعتبار فيلم “المدمرة بوتمكين” عملاً من أعمال الذاكرة الجماعية، قادراً على إثارة استجابة عاطفية لدى المشاهد وتوجيهها، رابطاً بين الماضي والحاضر لإعادة تعريفهما بطريقة معينة. ولكن، بعد مرور قرن من الزمان، لا تزال معالجة أيزنشتاين للماضي، وإصراره على إقامة صلة عاطفية مع المشاهد أثناء إعادة سرد التاريخ، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأساليب السرد المعاصر.
وليس من المستغرب أن يختار معهد الفيلم البريطاني عام 2025 لإصدار نسخة مُرممة من الفيلم، إذ أنه قد مارس تأثيراً عميقاً وواسع النطاق على الثقافة البصرية الغربية، لدرجة أن العديد من المشاهدين قد لا يدركون مدى رسوخ لغته في السينما السائدة. وهذا نجده في تبني الكثير من المخرجين أساليب أيزنشتاين في المونتاج، والتذكير بالمشهد الشهير في تدحرج عربة الطفل على سلالم أوديسا، فقد استعاد المخرج الاميركي برايان دي بالما Brian De Palma فكرة عربة الأطفال التي تفلت من الأم وتتدحرج على الدرج في فيلم “المنبوذون” The Untouchables، عام 1987 مع اختلاف أن المشهد صُوّر بالحركة البطيئة وفي محطة قطار. كما أعاد المخرج البريطاني الاميركي تيري كيليام Terry Gilliam استخدام المشهد في فيلم “البرازيل” Brazil عام 1985، ولكن هذه المرة كانت مكنسة كهربائية هي التي تتدحرج على الدرج بعد مقتل عاملة نظافة في تبادل لإطلاق النار عقب إطلاق سراح سام لوري. كما استخدمت هذه التقنية في افلام اخرى.

المدرعة بوتمكين، بطولة ألكسندر أنتونوف بدور كريكوري فاكولينتشوك، البحار البلشفي، فلاديمير بارسكي بدور القائد جوليكوف، كريكوري ألكساندروف بدور الملازم إيبوليت جولياروفسكي، الثاني في القيادة، ميخائيل جوموروف بدور أفاناسي ماتوشينكو، ماكسيم شتراوخ بدور فيودور سميرنوف، ألكسندر ليفشين بدور ضابط صف، نينا بولتافسيفا بدور معلمة المدرسة التي ترتدي نظارة شمسية، كونستانتين إيسيدوروفيتش فيلدمان بدو الطالب الذي انتدبه ثوار أوديسا إلى طاقم سفينة بوتيمكين (وهو دور حقيقي لعبه في حياته). سيرجي آيزنشتاين بدور مواطن من أوديسا، وبياتريس فيتولدي بدور المرأة مع عربة الأطفال.

سيناريو نينا أغادشانوفا-جوتكو، ونيكولاي أسييف، وسيرجي آيزنشتاين، التصوير السينمائي إدوارد تيسي وفلاديمير بوبوف، مونتاج كريكوري الكسندروف وسيرغي آيزنشتاين، الموسيقى إدموند ميزل، دميتري شوستاكوفيتش، ونيكولاي كريوكوف. مدة العرض من 68 إلى 80 دقيقة حسب النسخة. أبيض وأسود، من النوع التاريخي درامي.

# سينما العالم# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم