💥 «القصص».. فيلم مصر في سباق أوسكار 2027أبو بكر شوقي يروي تاريخاً من خارج الكتب«سينماتوغراف» ـ أسامة عسللم يكن اختيار لجنة الأوسكار المصرية لفيلم «القصص» (The Stories) للمخرج أبو بكر شوقي، لتمثيل مصر في مسابقة أفضل فيلم دولي ناطق باللغة غير الإنجليزية لعام 2027، مجرد محطة جديدة في رحلة الفيلم، بل لحظة تعيد وضعه أمام اختبار أكبر من حدود عرضه المحلي. حصول الفيلم على 14 صوتاً من أصل 30 صوتاً منح هذا الاختيار دلالة خاصة، فالفيلم الذي يراهن على التفاصيل الصغيرة، والذاكرة العائلية، والتاريخ كما يعيشه الناس بعيداً عن السرديات الكبرى، يجد نفسه الآن أمام جمهور عالمي يبحث دائماً عن صورة مختلفة للسينما المصرية.لكن قيمة «القصص» لا تبدأ من ترشيحه للأوسكار، ولا تنتهي عند فرصه في المنافسة. فالفيلم يستحق أن يُقرأ بعيداً عن ضجيج الجوائز، باعتباره محاولة سينمائية لاستعادة مصر من داخل بيتها.. من أصوات العائلة، ورسائل الحب، والموسيقى، والغيابات التي لا تظهر في كتب التاريخ، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة من عاشوها. ومن هذه المساحة تحديداً، يبني أبو بكر شوقي فيلماً عن التاريخ لا بوصفه حدثاً عظيماً، بل بوصفه حياة يومية قاومت أن تُنسى.هناك أفلام تتعامل مع التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث الكبرى، وأخرى تكتفي باستخدامه خلفية زمنية لحكاية شخصية. أما فيلم «القصص»، فيحاول أن يفعل شيئاً أكثر تعقيداً، أن يجعل التاريخ نفسه يبدو كأنه يعيش داخل بيت، ويتنفس في المطبخ، ويتسلل من جهاز الراديو، ويقطع حديث العائلة دون استئذان.هذه ليست مجرد حكاية حب بين شاب مصري وفتاة نمساوية، ولا مجرد سيرة عائلية تمتد من حرب 1967 إلى سنوات الثمانينيات. إنها محاولة لاستعادة مصر من خلال ما لا تحفظه كتب التاريخ عادة، الأصوات الصغيرة، والخلافات المنزلية، والأحلام المؤجلة، والموسيقى التي يعزفها شاب بينما العالم من حوله يتغير بعنف.من هذه الزاوية تحديداً، يكتسب «القصص» فرادته.فالفيلم لا ينظر إلى التاريخ من أعلى، من موقع الدولة أو السلطة أو القادة، بل من داخل شقة مزدحمة يسكنها أشخاص عاديون، لا يملكون القدرة على تغيير الأحداث، لكنهم يملكون شيئاً أكثر إنسانية، القدرة على الاستمرار داخلها.** التاريخ كما يسمعه الناستدور أحداث الفيلم بين عامي 1967 و1984، متابعاً حياة أحمد، الشاب الذي يحلم بأن يصبح عازف بيانو محترفاً، وعلاقته بإليزابيث، الفتاة النمساوية التي تبدأ معه مراسلات طويلة قبل أن تتحول الصداقة إلى علاقة عاطفية. وبين القاهرة وفيينا، وبين الحرب والسلام، تتسع الحكاية لتشمل عائلة كاملة، بكل تناقضاتها وأحلامها الصغيرة.صحيح لا نرى الحرب كما اعتدنا في الأفلام التاريخية، ولا نتابع المعارك من مواقعها، ولا نشاهد السياسة من مكاتبها المغلقة. ولكن تصل الحرب إلينا من خلال الشخصيات عبر رسالة، أو خبر في التلفزيون، أو غياب شخص كان يجلس بالأمس إلى مائدة الطعام.إنها حرب لا تحتاج إلى مشاهد انفجارات كي تكون حاضرة.وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الفيلم إثارة، التاريخ الحقيقي، بالنسبة إلى الإنسان العادي، لا يحدث دائماً في مكان الحدث. أحياناً يحدث في المسافة بين وصول الخبر ووصول أثره.** البيت بوصفه وطناً مصغراًمنذ المشاهد الأولى، يضعنا شوقي داخل عالم عائلي مكتظ بالحركة والضجيج والشخصيات. منزل أحمد ليس مجرد موقع للأحداث، بل هو الشخصية الأكثر حضوراً في الفيلم.الجدران ضيقة، الأصوات متداخلة، الجيران جزء من الحياة اليومية، والأبواب لا تغلق تماماً على أصحابها. الجميع يعرف الجميع، والجميع يتدخل في حياة الجميع، وكأن الخصوصية رفاهية لا يعرفها هذا العالم.لكن هذا الاكتظاظ ليس مجرد وسيلة لإنتاج الكوميديا.إنه يعكس تصوراً كاملاً للمجتمع المصري في تلك المرحلة، عائلة لا يعيش أفرادها حياة منفصلة، بل يتقاطعون باستمرار، ويصطدمون، ويتدخلون، ويتحملون بعضهم بعضاً رغم الخلافات.في هذا البيت، لا توجد شخصية بطولية بالمعنى التقليدي.حتى أحمد، الذي يبدو محور الحكاية، ليس أكثر من فرد داخل منظومة أكبر منه. حلمه الموسيقي لا يلغي مسؤولياته العائلية، وحبه لإليزابيث لا يعفيه من تاريخ بلاده، وسفره إلى أوروبا لا يعني أنه يستطيع مغادرة البيت الذي جاء منه.وهنا يبتعد الفيلم عن نموذج البطل الفرد الذي يغير مصيره وحده. «القصص» يقول شيئاً مختلفاً، الإنسان قد يحاول أن يصنع حياته، لكنه لا يستطيع أن يختار دائماً الظروف التي تحيط بها.** البيانو والرسالة.. أداتان لمقاومة النسيانربما تكون أكثر زاوية تستحق التوقف عندها في الفيلم هي العلاقة بين الموسيقى والرسائل.أحمد يعزف البيانو، وإليزابيث تكتب.هو يحاول أن يجد صوته عبر الموسيقى، وهي تحاول أن تفهم العالم من خلال الكلمات. وبين الاثنين تنشأ علاقة لا تعتمد فقط على الحب، بل على فعل التواصل نفسه.الرسالة في «القصص» ليست مجرد وسيلة للربط بين حبيبين تفصل بينهما المسافات. إنها جهاز سينمائي كامل.من خلالها، ينتقل الفيلم بين القاهرة وفيينا، وبين الحاضر والذكريات، وبين ما يُقال وما يتعذر قوله. الرسائل تختصر المسافات الجغرافية، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الاختلاف الثقافي والاجتماعي بين الشخصيات.أما البيانو، فيمثل الوجه الآخر لهذا التواصل.إذا كانت الرسالة تحمل الكلمات، فإن الموسيقى تحمل ما تعجز الكلمات عن قوله.أحمد لا يعزف فقط لأنه يحلم بأن يصبح موسيقياً. هو يعزف أيضاً لأن الموسيقى تمنحه مساحة خاصة داخل عالم مزدحم لا يترك لأفراده كثيراً من الوقت للتأمل.ومن هنا يمكن قراءة الفيلم باعتباره صراعاً بين أداتين لحفظ الذاكر، الكتابة والموسيقى.الرسائل تحفظ ما حدث، والبيانو يحفظ ما شعر به الإنسان أثناء حدوثه.وهذا ما يجعل علاقة أحمد وإليزابيث تتجاوز الرومانسية التقليدية. إنها علاقة بين شخصين يحاول كل منهما أن يجد طريقة لترك أثر في عالم سريع التغير.** عندما يصبح الغياب هو صورة الحربمن أبرز الخيارات الإخراجية في «القصص» أن شوقي لا يذهب إلى الحرب مباشرة.الحرب تقع في مكان آخر دائماً، لكن آثارها تصل إلى البيت.هذه المسافة بين الحدث ونتيجته تمنح الفيلم عمقاً يتجاوز المعالجة التقليدية للتاريخ. فبدلاً من تصوير المعركة، يصور المخرج انتظار العائلة. وبدلاً من استعراض لحظة الموت، يركز على ما يتركه الموت من فراغ.وهنا يتحول الغياب إلى عنصر درامي قائم بذاته.أحد أفراد العائلة قد يختفي بسبب الحرب، لكن الفيلم لا يتعامل مع اختفائه باعتباره مجرد تطور في الحبكة. الغياب يعيد ترتيب البيت كله، ويغير طبيعة العلاقات، ويجعل الشخصيات تدرك أن التاريخ ليس شيئاً بعيداً عنها.في هذه النقطة تحديداً، يقترب الفيلم من تجربة الذاكرة المصرية أكثر من اقترابه من الفيلم التاريخي التقليدي.فنحن لا نتذكر الحروب دائماً من خلال صورها الرسمية، بل من خلال من لم يعودوا إلى المنزل، ومن المقاعد الفارغة، ومن الأسماء التي توقفت عن الظهور في الأحاديث اليومية.هذا هو التاريخ الذي لا تلتقطه الكاميرات الرسمية.** الفوضى ليست عيباً.. بل لغةاعتمد الفيلم على الإيقاع السريع، والحوار المتدفق، والموسيقى المرتفعة، والانتقالات الحادة بين الكوميديا والمأساة، وجاءت هذه الخيارات لتمنحه طاقة جماهيرية، لكنها قد تبدو أحياناً مبالغاً فيها.غير أن النظر إلى هذه العناصر باعتبارها مجرد مبالغات أسلوبية قد يفوّت وظيفة أساسية لها.الفوضى في «القصص» ليست دائماً نتيجة ضعف في التحكم بالنبرة، بل جزء من موضوع الفيلم نفسه.كيف يمكن تصوير عائلة كبيرة تعيش داخل تاريخ مضطرب دون أن تكون الصورة مضطربة؟.الهدوء الكامل كان سيبدو مصطنعاً.شوقي يختار أن يجعل الكاميرا، والمونتاج، وتصميم الصوت، تتنفس بالطريقة نفسها التي تتنفس بها العائلة. الجميع يتحدث، والجميع يقاطع، والتلفزيون يعمل في الخلفية، والأطفال يتحركون، والجيران يطرقون الأبواب.إنها حياة لا تنتظر ترتيباً سينمائياً مثالياً.وهنا تصبح الفوضى شكلاً من أشكال الواقعية.ليس الواقعية التي تعتمد على الكآبة والصمت واللقطات الطويلة، بل الواقعية التي تعرف أن الحياة اليومية قد تكون صاخبة ومضحكة ومؤلمة في اللحظة نفسها.** القاهرة ليست خلفية.. بل ذاكرةيحسب للفيلم أنه لا يقدم القاهرة باعتبارها صورة سياحية أو رمزاً بصرياً جاهزاً.لا أهرامات مصطنعة في مقدمة المشهد، ولا محاولة لتجميل المدينة كي تبدو أكثر قابلية للتصدير. بدلاً من ذلك، يختار شوقي القاهرة التي يعيشها سكانها، الشوارع، البيوت، الملاعب، الجيران، وأصوات الحياة اليومية.هذه النقطة مهمة لأن السينما المصرية كثيراً ما عانت من اختزال المكان إلى خلفية محايدة للأحداث.في «القصص»، المكان جزء من تكوين الشخصيات.القاهرة ليست فقط المدينة التي يعيش فيها أحمد، بل هي الطريقة التي يفكر بها، واللغة التي يتحدث بها، والعلاقات التي لا يستطيع الانفصال عنها حتى عندما يسافر إلى فيينا.وحين ينتقل الفيلم إلى النمسا، لا يستخدم المقارنة بين البلدين بطريقة سطحية. هناك اختلاف في المساحات، وفي طبيعة العلاقات، وفي النظرة إلى الآخر، لكن هناك أيضاً عناصر إنسانية مشتركة.في الحالتين، التلفزيون حاضر.وفي الحالتين، العائلة تمارس ضغطها.وفي الحالتين، الإنسان يحاول أن يجد مكاناً له داخل مجتمع لا يضمن له دائماً القبول.** الحب بوصفه تجربة لفهم الآخرقد يبدو الفيلم في ظاهره قصة حب بين مصري ونمساوية، لكن العلاقة بين أحمد وإليزابيث ليست قصة عن التغلب على اختلاف الثقافات بقدر ما هي قصة عن اكتشاف استحالة معرفة الآخر بالكامل.إليزابيث لا تدخل مصر باعتبارها شاهدة أجنبية على عالم غريب، وأحمد لا يذهب إلى أوروبا باعتباره بطلاً شرقياً يبحث عن اعتراف غربي.كلاهما يحمل تصوراته المسبقة، وكلاهما يكتشف أن الحب لا يلغي الفوارق.هذه نقطة كان يمكن للفيلم أن يذهب إليها بصورة أعمق، خصوصاً فيما يتعلق بتجربة إليزابيث كامرأة أجنبية داخل عائلة مصرية شديدة التماسك. ومن الملاحظ أن الفيلم يمنح قصص الرجال مساحة أكبر من التجارب النسائية، وهو ما يظل أحد حدوده الواضحة.لكن حتى ضمن هذه الحدود، تظل العلاقة المركزية في الفيلم مثيرة للاهتمام لأنها لا تقدم الاختلاف الثقافي كعقبة درامية وحيدة، بل كجزء من عملية طويلة لفهم الإنسان الآخر.** ما الذي يفعله شوقي بعد «يوم الدين»؟من الصعب مشاهدة «القصص» دون استحضار فيلم أبو بكر شوقي السابق «يوم الدين». في الفيلم الأول، كان المخرج يتابع شخصيات تعيش خارج مركز المجتمع، وتبحث عن معنى للانتماء والعائلة والكرامة. أما هنا، فيعود إلى المجتمع من داخله، إلى عائلة تبدو عادية، لكنها تحمل في تفاصيلها طبقات واسعة من التاريخ.الفارق بين الفيلمين يكشف تطوراً مهماً في مشروع شوقي.في «يوم الدين»، كان يبحث عن الإنسان الذي لا يراه المجتمع.في «القصص»، يبحث عن المجتمع الذي لا يراه التاريخ.وهذه ربما هي الصلة الأعمق بين التجربتين.شوقي لا يهتم كثيراً بالأبطال التقليديين، بقدر اهتمامه بالأشخاص الذين يعيشون على هامش السرديات الكبرى. لكن في فيلمه الجديد، يتسع الهامش ليصبح هو المركز نفسه.** فيلم عن البقاء أكثر مما هو عن الماضيقد تكون المشكلة الأساسية في «القصص» أنه أحياناً يقترب من الميلودراما التقليدية، ويعتمد على عاطفة مباشرة ومواقف واضحة، ما يجعل بعض تحولات الشخصيات متوقعة أو أقل تعقيداً مما يمكن أن تكون عليه. لكن قوة الفيلم لا تكمن في كونه عملاً مثالياً أو تجربة تجريبية.قوته في أنه يعرف تماماً ما يريد أن يقوله عن الحياة.«القصص» ليس فيلماً عن انتصار شخص على التاريخ، بل عن قدرة الناس على الاستمرار رغم التاريخ.إنه فيلم عن عائلة تتشاجر وتضحك وتحب وتفقد أفرادها، ثم تستيقظ في اليوم التالي لتكمل حياتها.وهذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل بعداً سياسياً وإنسانياً عميقاً.والأهم أنه يذكرنا بأن التاريخ لا يصنعه القادة وحدهم، ولا تحفظه الكتب وحدها، بل تصنعه أيضاً عائلات صغيرة، وأحلام مؤجلة، ورسائل تعبر البحر، وموسيقى تحاول أن تجد مكاناً لها وسط ضجيج العالم.في النهاية، «القصص» ليس مجرد عنوان لفيلم أبو بكر شوقي.إنه تعريف لمشروعه السينمائي كله.. (أن يمنح أولئك الذين عاشوا التاريخ فرصة لأن يرووه بأنفسهم، قبل أن يأتي أحد ليكتب عنهم). #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت


