بقلم علي لفتة سعيد
إن واحدةً من أهم فاعليات رواية (زهرة من وحي الغجر) اعتمادُها على الرمزية التأويلية، أو الرمزية التي تتيح تأويلًا متفاعلًا مع القصدية التي أرادتها فكرة الرواية، مثلما توحي بها حكايتها. فرواية صلاح شعير تقدّم تجربةً أدبيةً تمزج بين الرمزية الفنتازية والواقعية الاجتماعية. فهي، منذ الاستهلال الذي يسبق الفصل الأوّل، تمنح لون الاشتغال المقبل، والذي جعل اللون الأوّل فيه هو الإهداء، الذي يبدو عاديًّا في المحكّ، لكنه، مع تعمّق القراءة، يكون متفاعلًا بشكلٍ كبير: (إلى العدل في القلوب الخضراء، لعلّ النور يشرق بالخير والحق والجمال)، فما جاء بعد الإهداء من عنوان (القلم الذكي) يرتبط بكون الصفحات الفنتازية هي مهادٌ رمزيّ لفاعلية التأويل المراد الوصول إليها.الحكاية والفكرةإن الحكاية تبدأ بإطارٍ فانتازي داخل مكتبةٍ مهجورة يملكها ثري يُدعى “جميل أبو الذهب”. الأبطال هنا هم مجموعة من الأقلام التاريخية والأثرية (القلم المسماري، القلم الرصاص، قلم الريشة، والقلم الذكي المتصل بالإنترنت)، التي تدبّ فيها الحياة وتتحاور فيما بينها هربًا من “شبح البطالة” والفراغ، ويقرّر “القلم الذكي” (الذي نُصِّب أميرًا للأقلام) أن يقود الفريق لقراءة ونشر محتويات الكتب والمخطوطات النادرة في المكتبة عبر الإنترنت. وأثناء عملهم تقع أعينهم على رواية بعنوان “زهرة من حي الغجر”، ومن هنا تبدأ الحكاية الواقعية داخل الإطار الخيالي.وتتمحور الرواية في حكايتها حول شخصية “جابر”، وهو شاب نشأ في بيئة فقيرة ومهمَّشة داخل حي “كفر الطباخين” (حي الغجر). يعاني من عقدة النقص والاضطهاد الاجتماعي بسبب أصله “الغجري”، حيث يرى نظرات الاستعلاء من المجتمع. وهو يعمل لدى محامٍ ثري يُدعى “عاصم الجندي”، ويتمكّن بذكائه ودهائه من كسب ثقته حتى يصبح ذراعه الأيمن. حينها تتحوّل طموحات جابر إلى نزعةٍ انتقامية، فيستغل مرض المحامي ليخون الأمانة ويستولي على ثروته وأملاكه بطرقٍ قانونية ملتوية، ويتحوّل إلى ثري يعيش في “الربوة الهادئة” محاولًا محو ماضيه. وفي الحكاية تظهر في حياته امرأة تُدعى “دهب”، وهي محمول العنوان، فتاة غجرية جميلة جدًّا، تمثّل الجانب الإنساني والضحية في آنٍ واحد، وتتقاطع خيوط حياتها مع جابر وصراعاته.
إن الرواية تطرح في فكرتها العديد من الأفكار الفلسفية والاجتماعية بطريقةٍ تُمسك بالتأويل مع تصاعد الحبكة الدرامية، فهي تناقش:1- الصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، حيث تسلّط الضوء على “عقيدة الغجر” التي ترى أن قيمة الإنسان تُقاس بما يملكه من ثروة، كردّ فعل على تهميش المجتمع لهم.2- الانتقام من الفقر، حيث تطرح الفكرة القائلة بأن الفقر المدقع قد يولّد وحشًا يرى في “الغاية تبرّر الوسيلة” سبيلًا وحيدًا للبقاء، إذ يعتقد جابر أن ذكاءه يمنحه الحق في “انتخاب نفسه” للصعود على حساب الآخرين.3- إثبات الحقيقة والألم، فمن خلال حوار الأقلام تؤكّد الرواية أن تدوين التاريخ وإثبات الحقيقة “مقترن بكل الأوجاع”، تمامًا كما يتحمّل القلم المسماري طرقات المطرقة لتوثيق التاريخ.4- قيمة العمل، حيث تبرز الرواية أن ألم الفراغ والبطالة (حتى بالنسبة للأقلام) أصعب من ألم التعب والجهد.5- التغيير والوفاء، فمن خلال شخصية “دهب” التي تُلقّب بـ”ملاك الجمال والوفاء”، تظهر فكرة القدرة على استعادة الحقوق والتمسّك بالقيم رغم البيئة القاسية.فاعلية الرمز وقيادة التأويلإن الرواية، منذ البدء، اعتمدت، كما ذكرنا، على فاعليتَي الرمز والفنتازيا، والعكس صحيح. فالأسلوب الرمزي هو العمود الفقري الذي يربط بين الفنتازيا والواقع، ولم يكن مجرّد زينة أدبية، بل كان وسيلة لتعميق الدلالات السياسية والاجتماعية.
ويمكن رؤية هذا الأسلوب الرمزي من خلال عدّة مستويات:1- رمزية “الأقلام”، والتي يمكن أن ترمز إلى صراع الحضارة والقيم. وهي في الرواية ليست مجرّد أدوات جامدة دبت فيها الحياة، بل هي رموز لمراحل التطوّر البشري:أ- القلم المسماري، ويرمز إلى أصالة التاريخ وقوة الحقيقة التي تُنحت في الصخر رغم الألم.ب- قلم الريشة، ويرمز إلى زمن الرومانسية والأدب الرفيع والقيم التقليدية.ج- القلم الرصاص، ويرمز إلى البساطة والمرونة، وأيضًا إلى التواضع في مواجهة العبث.د- القلم الذكي، يرمز إلى العصر الرقمي الحديث، حيث السرعة والذكاء الاصطناعي، لكنه يفتقر إلى “العمق الوجداني” الذي تمتلكه الأقلام القديمة.وهو ما يمنح المغزى لهذا التجمّع الرمزي من أجل طرح تساؤل حول مصير القيم الإنسانية في ظل التطور التكنولوجي الجاف.2- رمزية “الغجر”، والتي يمكن أن ترمز إلى الاغتراب والتهميش، حيث يمثّلون فئةً عرقية مثلما يمثّلون رمزًا لكل مهمَّش في المجتمع. ويمكن الإمساك بتأويل ذلك من خلال استخدام “اللغة العصفورية” بوصفها رمزًا للرغبة في الانعزال وحماية الذات من مجتمع يرفضهم. وكذلك رحلة جابر من حي الغجر إلى “الربوة الهادئة”، التي ترمز إلى الصعود الطبقي المشوَّه، إذ يحاول “الغجري” محو أصله المادي لكنه يظل مغتربًا نفسيًّا.3- رمزية “الأسماء”، والتي يوحي اختيارها بدقّة رمزية عالية؛ فجابر اسم يوحي بالقوة والقدرة على “جبر” كسر الفقر، لكنه في الرواية “يجبر” الآخرين على الخضوع لسطوته، فيغدو رمزًا للطموح الذي يتحوّل إلى طغيان.و”دهب” (زهرة) ترمز إلى المعدن النفيس الذي لا يصدأ رغم وجوده في “الوحل” (بيئة الغجر)، فهي رمز للنقاء الفطري وسط عالم مادي ملوَّث. أما جميل أبو الذهب، صاحب المكتبة، فيرمز بجمعه للكتب والأقلام إلى الطبقة المثقفة أو الثرية التي تكتنز المعرفة لكنها تتركها “مهجورة” للغبار.4- رمزية “المكتبة المهجورة”، التي تمثّل الوعي الإنساني المنسي، بوصفها المكان الذي تنطلق منه الحكاية، وترمز إلى أن الحلول لمشكلات الواقع (مثل قصة جابر) موجودة في “بطون الكتب” واستنطاق التاريخ، لكن المجتمع غافل عنها.5- رمزية “الربوة الهادئة” مقابل “كفر الطباخين”، حيث تمثّل كل واحدة منهما محورًا رمزيًّا؛ فكفر الطباخين ترمز إلى القاع، الصخب، الفقر، والوضوح الإنساني الفجّ، بينما ترمز الربوة الهادئة إلى القمّة، الزيف، العزلة، والهدوء الذي يخفي خلفه جرائم الاستيلاء والفساد.الاشتغال وتقنية التدوينلم يركن شُعير إلى اشتغالٍ محدَّد، ولم يكن يركن أيضًا إلى فاعلية تعدُّد الأصوات بالمفهوم البوليفيني، بل اشتغل على عدّة مستويات من الاشتغال الأدبي والتقنيات السردية التي مزجت بين الخيال الفانتازي والواقعية الاجتماعية،
ويمكن إيجاز أبرز هذه الاشتغالات فيما يلي:1- الاشتغال على تقنية “الميتا-سرد”، حيث استخدم الكاتب إطارًا خارجيًا فانتازيًا ليقدّم من خلاله الحكاية الواقعية، وذلك بجعل المتن روايةً داخل رواية. فالإطار الخارجي يدور في مكتبةٍ مهجورة، حيث تدبّ الحياة في “الأقلام” التاريخية بتنوّعها. فكانت الوظيفة السردية للتقنية التي جاء بها “القلم الذكي” هي المحرّك للأحداث، إذ يقوم بقراءة رواية “زهرة من حيّ الغجر” الموجودة في المكتبة ونشرها، مما يمنح القارئ شعورًا بأنه يشارك الأقلام في اكتشاف الحكاية.2- التوافق الزمكاني والتراسل ما بين الفانتازيا والواقع، حيث الاشتغال المكاني بين أماكن متعدّدة بوصفها تمثّل مسرح الصراع الطبقي والواقعي في الرواية. أمّا الاشتغال الزمني فقد ربط بين الماضي السحيق، عبر القلم المسماري والريشة، وبين العصر الحديث الرقمي عبر القلم الذكي المتصل بالإنترنت، مما أضفى طابعًا شموليًا على فكرة التدوين والتاريخ.3- البعد السيكولوجي، من خلال تعدّد عقدة النقص والانتقام، إذ تمّ التركيز على البناء النفسي لشخصية البطل “جابر”، والاشتغال على دوافعه النفسية العميقة:أ- عقيدة الغجر، حيث كان الاشتغال على فكرة أن قيمة الإنسان في هذا المجتمع مرتبطة بما يملكه من ثروة.ب- الصراع الداخلي، حيث تمّ رصد التحوّل النفسي للشخصيات دون استثناء، ومنهم الأبطال بكل تأكيد.4- الاشتغال الرمزي للأقلام، وكانت المعادل الموضوعي الأقرب إلى فاعلية التأويل للفكرة أكثر من الحكاية، كونه جعلها شهودًا تاريخيين بطريقة غير مباشرة.5- الاشتغال على القضايا الاجتماعية والظواهر الإنسانية، بما هو متّصل بالتهميش الاجتماعي ونظرة المجتمع الدونية.6- العدالة والظلم، حيث ظهر الاشتغال على التناقض بين “العدل” الذي يطمح إليه الكاتب، كما في الإهداء، وبين “الواقع المرّ” الذي يعيشه الأبطال.اللغة واقتناص التأويلتلعب اللغة دورًا مهمًا في توضيح نَهَم العمل السردي، وفي الرواية اتّسمت بتعدّد المستويات، حيث طوّعها الكاتب لتناسب طبيعة العوالم المتناقضة التي تطرحها الرواية، باعتبارها عالم الأقلام الفانتازي وعالم الغجر الواقعي.
ومن اللغة أُنتجت فاعلية الاشتغال:1- اللغة الشاعرية والتأملية في عالم الأقلام، فقد استخدم الكاتب لغة تميل إلى الرقيّ والجزالة، خاصة عند تصوير حوارات الأقلام التاريخية. نجد هنا جملًا قصيرة مشحونة بالدلالات الفلسفية حول “التدوين” و”التاريخ” و”الوجع”، مما منح الأقلام شخصياتٍ إنسانيةً عميقة تعبّر عن تراكم المعرفة البشرية.2- اللغة الواقعية والاجتماعية، حيث تمكّن من الفصل حين ينتقل إلى الواقع، فاستخدم لغةً أكثر واقعية ومباشرة، من خلال مفردات تعبّر عن البيئة الشعبية والمهمّشة.3- توظيف “اللغة النوعية”، ولا سيّما المتعلقة بلغة الغجر، إذ كانت من أبرز ملامح الاشتغال اللغوي في الرواية الإشارة إلى “اللغة العصفورية” أو “السِّيم” الخاص بالغجر، كما استخدم اللغة المشفّرة للتواصل فيما بينهم بعيدًا عن أعين “الغرباء” أو “الفلاحين”، مما أضفى صبغةً أنثروبولوجية وواقعية قوية على العمل.4- السرد الوصفي التحليلي، مستخدمًا المستوى الإخباري المعتمد على المستوى التصويري، سواء بالمهام التوصيفية أو المونولوج الداخلي، ويربط المستويين بالمستوى التحليلي للكشف عن المستوى الدرامي الخاص بعقدة النقص، وكيف تتحوّل مشاعره من الانكسار إلى الرغبة العارمة في التملّك والانتقام.5- سلاسة الحوار، والذي كان مكمّلًا لمهارة المتن الحكائي والمبنى السردي، فجاء متدفّقًا وغير متكلّف، وكل شخصية تتحدّث بلسان حالها ومستواها الثقافي، وهو ما جعل اللغة جسرًا بين الواقعية والرمزية الفانتازية.واقعية المكان ورمزية الزمانإن الرواية حافلة بالاشتغالات المكانية والزمانية كما أسلفنا، مثلما هي حافلة برمزية الزمان، وإن كان واقعيًا كذلك. إذ توزّع الرواية أحداثها بين زمانين ومكانين مختلفين، يربط بينهما الكاتب عبر تقنية “الميتا-سرد”.
أولّا: المكان الذي يتحرّك وفق اشتغالين:1- المكان الإطاري الفانتازي/ الرمزي، ويدور في القصر الكبير داخل “مكتبة مهجورة” في هذا القصر، وهو مسرح حوار الأقلام التي تكتشف الرواية وتبدأ بقراءتها. ومنها :2- أماكن الحكاية الواقعية، حيث تدور في “كفر الطباخين” بمحافظة الشرقية، وهو الموطن الأصلي للبطل “جابر” وحيّ الغجر الذي نشأ فيه وعانى فيه من الفقر والتهميش، ومدينة “بنها” بالقاهرة حيث يقع مكتب المحامي “عاصم الجندي” الذي بدأ فيه جابر حياته العملية كعامل بوفيه، ومدينة “6 أكتوبر” المتميّزة و”الربوة الهادئة”، وهي الأماكن الراقية التي انتقل إليها جابر بعد صعوده الطبقي واستيلائه على ثروة المحامي، فضلًا عن أماكن متفرّقة تشمل قرى أخرى مثل “نجع النجار” بمحافظة سوهاج، وأماكن دولية في أوروبا (مثل رومانيا وإسبانيا وبلجيكا) تُذكر في سياق الحديث عن تاريخ واضطهاد الغجر.
ثانيًا: الزمان الذي تتحرّك فيه كل الفعاليات التي تمتدّ على مساحة شاسعة من الرواية:1- زمن الإطار الخارجي، حيث تمّ تحديد اللحظة التي بدأت فيها الأقلام حوارها بالساعة السابعة من مساء يوم الاثنين 14 فبراير 2023م.2- زمن الحكاية الداخلية، حيث يمتدّ الزمن عبر عدّة عقود ترصد حياة الشخصيات، ولا سيّما “جابر”، منذ طفولته في حيّ الغجر، مرورًا بعمله لدى المحامي في منتصف العقد السابع من عمر المحامي، وصولًا إلى استيلاء جابر على الثروة.3- الزمن التاريخي/الرمزي، حيث يتمّ استحضار أزمنة سحيقة عبر الأقلام الأثرية:أ- ما قبل الميلاد: يمثّله “القلم المسماري”.ب- العصر الفاطمي: يمثّله “قلم الحبر” أو “قلم الريشة”.ج- عام 1564م، وهو تاريخ صنع أول “قلم رصاص” في إنجلترا، والذي يشارك في الحوار أيضًا.بهذا الربط، يدمج الكاتب بين الزمن المعاصر (عبر القلم الذكي عام 2023) والماضي التاريخي والواقع الاجتماعي المعاش في مصر الحديثة.
*******
المصدر صحيفة أوروك


