
فولكلور حمص وذاكرة المكان
الأربعاء الحمصي من الحكاية الشعبية إلى أركيولوجيا الصورة والذاكرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: حين يصبح يومٌ من الأسبوع ذاكرةً لمدينة
ليست المدن مجرد أبنية وشوارع وساحات وأسماء على الخرائط؛ فالمدينة كائن ثقافي تتراكم في طبقاته الحكايات والأمثال والنكات والعادات والطقوس والوجوه والروائح والأصوات، حتى يصبح المكان نفسه نوعًا من الأرشيف الحي.
ومن بين المدن السورية التي استطاعت أن تمنح ذاكرتها الشعبية شخصية شديدة الخصوصية، تبرز حمص؛ المدينة الواقعة على نهر العاصي، في قلب المجال السوري، والتي كانت عبر التاريخ نقطة عبور وتجارة واتصال بين طرق ومناطق متعددة. وقد ارتبطت حمص القديمة، أو إيميسا Emesa، بالعاصي وبالممرات التي تصل شمال البلاد بجنوبها، الأمر الذي منح المكان أهمية جغرافية وتاريخية متراكمة.
لكن حمص لا تُقرأ فقط من خلال آثارها أو تاريخها السياسي؛ إنها تُقرأ أيضًا من خلال الذاكرة الشفوية.
وهنا يظهر «الأربعاء الحمصي»؛ ذلك التقليد الشعبي الذي تحوّل، عبر الزمن، إلى علامة رمزية في المخيال الشعبي عن أهل حمص، وإلى مادة غنية للحكاية والنكتة والسخرية والهوية المحلية.
فهل كان الأربعاء عيدًا حقيقيًا بالمعنى الطقوسي؟
أم أنه تحول إلى «عيد» في الذاكرة الشعبية؟
وهل النكتة الحمصية مجرد مادة للضحك؟
أم أنها شكل من أشكال المقاومة الثقافية وإعادة تعريف الذات؟
وهل يمكن للمصور أن يلتقط الأربعاء الحمصي كما يلتقط بيتًا قديمًا أو شارعًا أو وجهًا؟
إن الإجابة تقودنا من الفولكلور إلى الأنثروبولوجيا، ومن الأنثروبولوجيا إلى الإيكولوجيا، ومن الذاكرة الشفوية إلى الصورة، ومن الصورة إلى فلسفة المكان.
أولًا: حمص… المكان الذي يصنع ذاكرته
كان الموقع الجغرافي أحد العناصر المؤسسة في شخصية حمص التاريخية.
فهي مرتبطة بحوض العاصي، وبالممرات الطبيعية التي جعلت منطقة حمص نقطة اتصال بين طرق تتجه شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا. وتشير المصادر التاريخية إلى أهمية المدينة بوصفها نقطة على طريق الحركة عبر وادي العاصي، كما ارتبطت خصوبة المنطقة بالحدائق والزراعة والكروم والمياه.
وهذا البعد الجغرافي ليس تفصيلًا هامشيًا في دراسة الفولكلور.
فالإنسان لا يصنع ثقافته في الفراغ.
إنه يصنعها في علاقة مستمرة مع:
الماء + الأرض + المناخ + الزراعة + السوق + الطريق + الجيرة + الذاكرة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفولكلور الحمصي بوصفه نتيجة لعلاقة طويلة بين الإنسان وبيئته.
فالعاصي ليس نهرًا جغرافيًا فحسب، بل عنصرًا في الذاكرة البيئية للمكان.
والسوق ليس مكانًا للبيع والشراء فقط، بل فضاء للتواصل وتبادل الأخبار والنكات والحكايات.
والحي ليس تجمعًا عمرانيًا فحسب، بل شبكة من العلاقات والقرابة والجيرة.
وبذلك يصبح المكان منتجًا للذاكرة، وتصبح الذاكرة بدورها وسيلة لإعادة إنتاج المكان.
ثانيًا: الأربعاء الحمصي… من الزمن إلى الأسطورة
ارتبط اسم الأربعاء في المخيال الشعبي الحمصي بما عُرف بأسماء متعددة، من بينها «عيد الحماصنة» و«يوم المجانين» أو «يوم الحمقى» في بعض الترجمات والدراسات الأجنبية.
وتؤكد دراسة الباحثة نجلا كلاش، المنشورة في Rocznik Orientalistyczny عام 2023، أن الاعتقاد الشعبي الذي يربط أهل حمص بالحمق أو الجنون وبالأربعاء انتقل بصورة أساسية عبر التقليد الشفوي والفولكلور والحكاية الشعبية، وأن جذوره المحتملة أقدم من التفسيرات الحديثة، مع بقاء أصل المناسبة موضع بحث ومقارنة بين روايات ومصادر مختلفة.
وهذه نقطة جوهرية.
فالمنهج التوثيقي لا ينبغي أن يحوّل الرواية الشعبية إلى حقيقة تاريخية لمجرد أنها شائعة.
في الفولكلور توجد دائمًا مسافة بين:
ما حدث، وما يُروى أنه حدث، وما تحوّل إلى رمز لما حدث.
وهذه المسافة هي بالضبط المكان الذي تعمل فيه الأسطورة.
ثالثًا: عندما يتحول «الحمصي» إلى شخصية فولكلورية
مع مرور الزمن، لم يعد «الحمصي» في بعض الحكايات الشعبية فردًا محددًا من مدينة حمص، بل تحول إلى شخصية فولكلورية.
وهذه ظاهرة معروفة في الثقافات الشعبية؛ إذ تقوم الجماعات أحيانًا بتكوين شخصيات نمطية تستخدمها في النكتة والحكاية والمفارقة.
وهكذا يصبح «الحمصي» في النكتة الشعبية شخصية لها سمات متخيلة:
الطيبة، والبساطة، وسرعة التصديق، والدهاء المتخفي، والمفارقة، والقدرة على قلب الموقف.
لكن من الخطأ قراءة هذه الشخصية باعتبارها وصفًا أنثروبولوجيًا حقيقيًا لسكان مدينة بأكملها.
إنها بالأحرى صورة ثقافية صنعتها الحكاية.
وهنا تلتقي الحكاية بالفوتوغرافيا.
فكما أن الصورة الفوتوغرافية لا تمثل الواقع كله، وإنما تقدم اختيارًا منه، فإن الشخصية الفولكلورية لا تمثل الإنسان الواقعي، وإنما تقدم نسخة رمزية منه.
رابعًا: النكتة بوصفها مقاومة ثقافية
قد تبدو النكتة للوهلة الأولى فعلًا بسيطًا.
ضحكة.
جملة.
موقف.
لكن الأنثروبولوجيا الثقافية تنظر إلى الفكاهة بوصفها أحد الأشكال التي يستطيع المجتمع من خلالها أن يتحدث عن نفسه، وأن يعيد ترتيب علاقاته مع السلطة والخوف والموت والفقر والاختلاف.
وفي الحالة الحمصية، يمكن قراءة النكتة بوصفها مساحة تسمح للمجتمع بأن يضحك على الصورة التي صُنعت عنه.
وهنا يحدث انقلاب رمزي:
من «الآخر يضحك علينا»
إلى:
«نحن نضحك على الصورة التي صنعها الآخر عنا.»
وهذا فرق كبير.
فالسخرية قد تتحول من وصمة إلى هوية.
ومن اتهام إلى لعبة ثقافية.
ومن صورة مفروضة إلى صورة يعيد المجتمع امتلاكها.
لذلك فإن «النكتة الحمصية» يمكن قراءتها بوصفها أحد أشكال المقاومة الثقافية الناعمة؛ مقاومة لا تستخدم الصدام، بل تستخدم المفارقة.
إنها تقول:
إذا كانت صورتنا في مخيال الآخرين هي صورة «الأحمق»، فسوف نستخدم هذه الصورة نفسها لصناعة أذكى النكات.
وبذلك يصبح الضحك نوعًا من استعادة السيطرة على الصورة.
خامسًا: الأربعاء كطقس للانقلاب الرمزي
يمكن فهم «عيد الأربعاء» من زاوية أنثروبولوجية بوصفه مساحة مؤقتة لـ قلب النظام المعتاد.
في الحياة اليومية توجد قواعد للسلوك:
اللباس له نظام.
الكلام له نظام.
الجدية لها مكانها.
العمل له وقته.
أما في الطقس الشعبي، فقد يحدث العكس.
ينقلب المألوف.
ويصبح الغريب مألوفًا.
وتصبح السخرية مقبولة.
ويُسمح للإنسان بأن يخرج مؤقتًا من شخصيته اليومية.
وهذا النوع من الطقوس موجود في ثقافات متعددة، حيث يسمح المجتمع لنفسه بفترة من الانقلاب الرمزي، قبل أن يعود إلى النظام المعتاد.
ومن هنا يمكن أن يُقرأ الأربعاء الحمصي ليس باعتباره «احتفالًا بالحمق»، بل باعتباره مساحة ثقافية تتحول فيها صفة الحمق نفسها إلى قناع اجتماعي.
سادسًا: الرواية الشعبية بين التاريخ والأسطورة
ظهرت حول الأربعاء الحمصي روايات متعددة لتفسير أصل المناسبة.
ومن أشهر الروايات الشعبية المتداولة حكايات تربط أهل حمص بمواقف عسكرية أو تاريخية، ومنها روايات تتحدث عن استعمال أهل المدينة مظهرًا غريبًا أو سلوكًا ساخرًا لإرباك قوة مهاجمة.
لكن هذه الروايات ينبغي أن تُعامل باعتبارها روايات فولكلورية ما لم يؤيدها مصدر تاريخي مستقل.
وتكمن قيمتها، في هذه الحالة، ليس فقط في السؤال:
«هل وقعت الحادثة فعلًا؟»
بل في سؤال أكثر أهمية:
«لماذا احتفظت الذاكرة بهذه الحكاية؟»
فالذاكرة الشعبية لا تحفظ الأحداث كما تحفظها الوثائق الرسمية.
إنها تحفظ ما يمنح الجماعة معنى.
وقد تحفظ حادثة صغيرة، وتنسى حدثًا سياسيًا ضخمًا، لأنها ترى في الأولى صورة عن ذاتها.
سابعًا: حمص بين العاصي والذاكرة الإيكولوجية
حين نقترب من حمص من زاوية الإيكولوجيا الثقافية، يظهر العاصي بوصفه عنصرًا مهمًا في تشكيل المجال الحضري والريفي المحيط.
لقد ارتبطت حمص تاريخيًا بنهر العاصي وبمنطقة خصبة وبالزراعة والحدائق والكروم، كما تشير المصادر التاريخية إلى وفرة البساتين والإنتاج الزراعي في المنطقة.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم:
«الذاكرة الإيكولوجية للمكان»
وهي الذاكرة التي لا تحفظ أسماء البشر والأحداث فقط، بل تحفظ:
الماء،
الأشجار،
البساتين،
التراب،
الروائح،
الفصول،
الطيور،
الأصوات،
الضوء،
والعلاقة بين الإنسان والمشهد الطبيعي.
وعندما يتغير المكان، لا تختفي هذه العناصر ماديًا فقط، بل تبدأ بالاختفاء من الذاكرة.
وهنا يصبح التوثيق الفوتوغرافي فعلًا يتجاوز الجماليات.
إنه يصبح حفظًا للذاكرة البيئية.
ثامنًا: من الذاكرة الشفوية إلى الصورة الفوتوغرافية
الحكاية الشفوية لا تحتاج إلى كاميرا.
لكنها تحتاج إلى حامل للذاكرة.
الجدة تحكي.
الأب يروي.
الجار يضيف تفصيلًا.
الطفل يسمع.
ثم يعيد الحكاية بعد سنوات.
وهكذا تتحول الذاكرة من جيل إلى آخر.
أما الصورة فتقوم بعملية مختلفة.
إنها تثبّت لحظة.
ولكنها في الوقت نفسه تفتح باب التأويل.
ولهذا يمكن النظر إلى الصورة الفوتوغرافية بوصفها ذاكرة ثانية للمكان.
فالعدسة تستطيع أن تحفظ:
بابًا قديمًا،
حجرًا،
سوقًا،
زقاقًا،
وجهًا،
لباسًا،
أداة،
مشهدًا من العاصي،
أو احتفالًا شعبيًا.
وبعد عشرات السنين قد يصبح هذا الشيء الذي كان عاديًا وثيقة نادرة.
وهنا تتغير وظيفة المصور.
لم يعد مجرد شخص يبحث عن صورة جميلة.
بل يصبح:
مؤرخًا بصريًا للزمن اليومي.
تاسعًا: المصور بوصفه أنثروبولوجيًا للضوء
يمكن للمصور الذي يريد توثيق «الأربعاء الحمصي» أن يتعامل مع الموضوع باعتباره مشروعًا أنثروبولوجيًا بصريًا.
ليس المطلوب تصوير النكتة فقط.
بل تصوير العالم الذي أنتج النكتة.
تصوير:
الأزقة القديمة.
الأسواق.
البيوت التقليدية.
الأبواب والنوافذ.
المقاهي.
العائلات.
كبار السن وهم يروون الحكايات.
الأطفال وهم يستقبلونها.
الملابس والعناصر الشعبية.
أدوات العمل القديمة.
النهر والبساتين.
المناسبات الاجتماعية.
تعابير الوجه أثناء رواية النكتة.
الأماكن التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالحكاية.
هنا تتحول الكاميرا إلى جهاز لقراءة الثقافة.
الصورة لا تسأل فقط:
ماذا نرى؟
بل تسأل:
ماذا يعني ما نراه؟
عاشرًا: «الأربعاء» كصورة لا كحدث فقط
في فلسفة الصورة يمكن اعتبار الأربعاء الحمصي صورة ثقافية مركبة.
إنه ليس يومًا فقط.
بل يتكون من مجموعة من الطبقات:
اليوم + الحكاية + النكتة + المدينة + الذاكرة + الهوية + المكان.
وهذه الطبقات هي التي تمنح الموضوع قيمته الفنية.
فالمصور قد لا يجد «حدث الأربعاء» أمام عدسته.
لكنه يستطيع أن يصور آثاره.
وهنا تظهر فكرة مهمة:
تصوير الغياب.
أن تصور المكان الذي كان يحتفل.
أن تصور وجه رجل مسن يتذكر.
أن تصور بيتًا كان فيه مجلس للحكايات.
أن تصور شارعًا تغير.
أن تصور صورة قديمة يحملها أحد أبناء المدينة.
أن تصور يدًا تقلب ألبومًا عائليًا.
في هذه الحالة تصبح الصورة نفسها أثرًا للذاكرة.
الحادي عشر: الأرشيف العائلي بوصفه ذاكرة حمصية
لا ينبغي أن يقتصر مشروع توثيق فولكلور حمص على المتاحف والمؤسسات.
فجزء كبير من الذاكرة يعيش في البيوت.
في الصناديق.
في الألبومات.
في الصور الفوتوغرافية القديمة.
في رسائل لم يعد أحد يقرأها.
في صور الأعراس.
في صور المدارس.
في صور الرحلات.
في صور الأحياء.
في صور العائلات.
هذه الصور الخاصة تشكل ما يمكن تسميته:
«الأرشيف الشعبي غير الرسمي».
وهو أرشيف بالغ الأهمية لأنه يحتفظ بما لا تهتم المؤسسات الرسمية عادةً بتسجيله.
فالتاريخ الرسمي يوثق الملوك والحروب والقرارات.
أما الأرشيف العائلي فيوثق:
كيف عاش الناس.
وهذه هي المنطقة التي يصبح فيها الفوتوغرافيا علمًا للإنسان.
الثاني عشر: خط زمني لأركيولوجيا الأربعاء الحمصي
المرحلة الأولى: إيميسا القديمة
تقف حمص فوق طبقات تاريخية عميقة تعود إلى مدينة إيميسا Emesa القديمة، التي ارتبطت بالعالم الروماني وبموقعها قرب العاصي، وكانت مركزًا مهمًا في الإقليم. كما ارتبطت إيميسا بعبادة إله الشمس المحلي وبالأسرة الحاكمة الإيميسية.
لكن لا يوجد في المصادر التي راجعتها ما يسمح بالجزم بأن «عيد الأربعاء» بصورته الشعبية الحالية يعود مباشرة إلى طقس ديني محدد في إيميسا.
وهذه ملاحظة منهجية مهمة.
المرحلة الثانية: العصور الإسلامية
بعد دخول المدينة في العصر الإسلامي أصبحت حمص مركزًا إداريًا مهمًا، واستمرت علاقتها بالعاصي وبطرق الحركة والتجارة.
وفي هذه المرحلة تراكمت طبقات جديدة من الذاكرة والحكاية والموروث.
المرحلة الثالثة: العصور الوسطى
تتعرض المدينة خلال العصور الوسطى لتحولات سياسية وعسكرية متكررة، وهو ما جعل موقعها الجغرافي جزءًا من ذاكرتها التاريخية.
وتشير مصادر تاريخية إلى أهمية موقع حمص على طرق الحركة بين مناطق سورية مختلفة.
المرحلة الرابعة: تشكل الشخصية الفولكلورية
تبدأ صورة «الحمصي» في الظهور داخل الأدب الشعبي والحكايات والنكات، ويتداخل وصف أهل المدينة بالسذاجة أو الحمق مع صورة أخرى أكثر تعقيدًا تقوم على الطيبة وسرعة البديهة والمفارقة.
ومن هنا تتحول الشخصية الواقعية إلى شخصية فولكلورية.
المرحلة الخامسة: الأربعاء في الذاكرة الشفوية
يستقر الأربعاء باعتباره اليوم المرتبط بالحكاية الشعبية.
وهنا تنتقل المناسبة من حدث محتمل إلى رمز ثقافي.
وتؤكد الدراسة الأكاديمية الحديثة أن تقليد «يوم الأحمق/عيد الحماصنة» ارتبط في الذاكرة الشعبية بالأربعاء، وأن الرواية انتقلت عبر الثقافة الشفوية.
المرحلة السادسة: النكتة الحديثة
مع تطور وسائل الإعلام، تتحول الحكاية المحلية إلى نكتة متداولة خارج حدود حمص.
فتخرج الشخصية الحمصية من المدينة وتدخل المخيال السوري والعربي.
وهنا تبدأ عملية جديدة:
انتقال الفولكلور من المكان إلى الإعلام.
المرحلة السابعة: عصر الصورة
مع انتشار الكاميرا والتلفزيون ثم الإنترنت، لم تعد ذاكرة حمص تعتمد على الرواية الشفوية وحدها.
أصبحت هناك:
صورة.
فيديو.
تسجيل صوتي.
مقال.
أرشيف رقمي.
منشور على وسائل التواصل.
وهكذا انتقلت الذاكرة من:
الفم → الورق → الصورة → الفيديو → المنصة الرقمية.
المرحلة الثامنة: حمص الرقمية
في القرن الحادي والعشرين أصبح من الممكن أن تنتشر الحكاية الحمصية في دقائق إلى خارج سورية.
وهنا يحدث تحول أنثروبولوجي جديد:
لم يعد المكان وحده هو الذي يحمل الذاكرة.
بل أصبحت الشبكة الرقمية نفسها مكانًا للذاكرة.
المرحلة التاسعة: إعادة اكتشاف التراث
وفي عام 2026 ظهرت مبادرات لإحياء بعض الطقوس التراثية في حمص، ومنها فعالية «خميس المشاتي/خميس النبات» في المدينة القديمة، بما يوضح أن الذاكرة الشعبية في حمص لا تزال قابلة لإعادة الإحياء في الفضاء العام. وقد شاركت جهات محلية وتراثية في فعالية نُظمت في مارس/آذار 2026 لإحياء طقس ربيعي قديم وربطه بذاكرة المدينة.
وهذا يفتح بابًا مهمًا لدراسة التراث الحمصي باعتباره تراثًا حيًا يعاد إنتاجه، لا مجرد بقايا من الماضي.
الثالث عشر: من «عيد الأربعاء» إلى «أركيولوجيا الذاكرة»
إن دراسة الأربعاء الحمصي لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال:
متى بدأ؟
بل يجب أن تضيف أسئلة أخرى:
كيف انتقل؟
من رواه؟
من أعاد إنتاجه؟
متى أصبح نكتة؟
متى أصبح هوية؟
كيف تغيرت صورته عبر الأجيال؟
ماذا فقد من معناه؟
وماذا اكتسب؟
هذه الأسئلة تنقل الموضوع من التاريخ التقليدي إلى أركيولوجيا الذاكرة.
فالأركيولوجيا هنا ليست بحثًا عن حجر قديم، وإنما بحث عن الطبقات التي تراكمت داخل المعنى.
الرابع عشر: الذاكرة لا تحفظ الحقيقة فقط… بل تحفظ الهوية
الذاكرة الشعبية ليست جهاز تسجيل.
إنها كائن حي.
تنسى.
تضيف.
تحذف.
تغير.
تضحك.
تضخم.
تختصر.
ثم تعيد إنتاج الماضي وفق حاجات الحاضر.
ولهذا فإن دراسة فولكلور حمص تتطلب التعامل مع الرواية الشعبية باعتبارها وثيقة ثقافية، حتى عندما لا تكون وثيقة تاريخية بالمعنى الصارم.
فالحكاية التي لا نستطيع إثبات وقوعها قد تكون مع ذلك وثيقة ممتازة لفهم:
كيف يرى المجتمع نفسه؟
وكيف يريد أن يراه الآخرون؟
وكيف يعيد صياغة صورته؟
الخامس عشر: الأربعاء الحمصي كـ«هوية مرآوية»
يمكن تسمية هذه الظاهرة:
«الهوية المرآوية»
أي أن الجماعة ترى نفسها في مرآة الآخرين، ثم تعيد تشكيل هذه الصورة.
إذا قال الآخر:
«أنتم حمقى».
تجيب الثقافة الشعبية:
«سنصنع من الحمق حكاية.»
ثم:
«سنصنع من الحكاية نكتة.»
ثم:
«سنصنع من النكتة هوية.»
وهكذا تتحول الصورة المفروضة إلى أداة لإعادة بناء الذات.
وهذا أحد أكثر الجوانب إثارة في فولكلور حمص.
السادس عشر: ماذا يستطيع المصور أن يفعل؟
يمكن تحويل موضوع «الأربعاء الحمصي» إلى مشروع فوتوغرافي توثيقي متكامل بعنوان:
«حمص… حين تتكلم الذاكرة»
ويُبنى المشروع على ستة محاور:
- المكان
حمص القديمة، الأسواق، الأزقة، البيوت، الأبواب، العاصي، البساتين. - الإنسان
وجوه كبار السن، رواة الحكايات، أصحاب المهن القديمة، العائلات. - الذاكرة
الألبومات والصور القديمة والأشياء التي تحتفظ بها البيوت. - النكتة
ليس تصوير النكتة نفسها فقط، وإنما تصوير لحظة روايتها والاستماع إليها والضحك عليها. - البيئة
الماء، الأشجار، الحقول، النهر، الضوء، الفصول، تغير المشهد الطبيعي. - الزمن
مقارنة صورة قديمة بالمكان نفسه في الحاضر.
وهنا يمكن استعمال تقنية:
Then / Now
أي:
حمص بالأمس / حمص اليوم.
وهي من أكثر الأدوات قوة في التصوير الوثائقي لأنها تحول الزمن إلى عنصر بصري.
السابع عشر: الصورة كجسر بين الذاكرة الشفوية والذاكرة الرقمية
كانت الجدة تحفظ الحكاية في ذاكرتها.
ثم حفظها الأب.
ثم كتبها الباحث.
ثم صورها المصور.
ثم سجلها الفيديو.
ثم حملها الهاتف.
ثم دخلت إلى الذكاء الاصطناعي.
وهكذا يمكن تصور رحلة الذاكرة الحمصية:
الشفاه → الأذن → الذاكرة → الورق → الصورة → الفيلم → الفيديو → الإنترنت → الخوارزمية.
وهذه ليست مجرد رحلة تقنية.
إنها رحلة في تحول مفهوم الذاكرة نفسه.
ففي الماضي كانت الذاكرة مرتبطة بالجسد.
أما اليوم فأصبحت مرتبطة أيضًا بالأرشيف الرقمي.
الثامن عشر: من النكتة إلى فلسفة المكان
في النهاية، لا تبدو قيمة الأربعاء الحمصي في معرفة ما إذا كان أهل حمص «أذكياء» أو «حمقى».
فهذا السؤال نفسه جزء من اللعبة الفولكلورية.
القيمة الحقيقية تكمن في اكتشاف كيف يستطيع مجتمع كامل أن يحول صورة ساخرة عنه إلى مادة للانتماء والضحك والذاكرة.
إنها قصة مدينة صنعت من النكتة أرشيفًا.
ومن السخرية لغة.
ومن الحكاية هوية.
ومن المكان ذاكرة.
ومن الذاكرة صورة.
خاتمة: حين تضحك المدينة كي لا تنسى
حمص ليست مجرد مدينة تحمل تاريخًا طويلًا؛ إنها مدينة تحمل ذاكرة متعددة الطبقات.
طبقة إيميسا القديمة.
طبقة العاصي.
طبقة الأسواق والبيوت.
طبقة العائلات.
طبقة الحكايات.
طبقة النكتة.
طبقة الحرب والخراب وإعادة البناء.
وطبقة الصورة التي جاءت لتقول:
هذا المكان كان هنا.
إن الأربعاء الحمصي، بهذا المعنى، ليس مجرد يوم من أيام الأسبوع، ولا مجرد مناسبة طريفة في الذاكرة الشعبية.
إنه علامة ثقافية تكشف قدرة المجتمع على تحويل الصورة النمطية إلى مادة للسخرية، وتحويل السخرية إلى هوية، وتحويل الهوية إلى ذاكرة.
وحين ينظر المصور إلى حمص، لا ينبغي أن يبحث فقط عن الصورة الجميلة.
عليه أن يبحث عن الزمن المختبئ داخل الصورة.
عن وجه يعرف الحكاية.
عن باب شهدها.
عن نهر حمل أصواتها.
عن شارع تغير.
عن ألبوم عائلي بقي شاهدًا.
عن ضحكة قديمة ما زالت تتردد في ذاكرة المدينة.
فالتصوير، في أعمق مستوياته، ليس فعل التقاط الضوء فحسب.
إنه فعل إنقاذ الذاكرة من العبور إلى النسيان.
وفي حمص، ربما تكون أجمل صورة للأربعاء ليست صورة إنسان يضحك، بل صورة مدينة تضحك وهي تتذكر نفسها.
ملاحظة توثيقية للمجلة
ينبغي عند نشر هذا الفصل عدم تقديم أصل «عيد الأربعاء» على أنه حقيقة تاريخية محسومة. فالمصدر الأكاديمي الأبرز الذي تناول الموضوع حديثًا، دراسة Najla Kalach، 2023، يصفه ضمن تقاليد الفولكلور والذاكرة الشفوية، ويبحث في أصوله المحتملة من خلال مقارنة روايات ودراسات عربية حديثة، مع الإشارة إلى احتمال امتداد بعض عناصر الاعتقاد إلى عصور قديمة، دون إثبات سلسلة تاريخية قطعية تصل بين طقس قديم و«عيد الأربعاء» بصورته الشعبية المعاصرة.
مراجع أساسية مقترحة
Najla Kalach, Beyond the Folk Belief About the Madness and Foolishness of the Inhabitants of Homs: Legend or Reality?، Rocznik Orientalistyczny, Vol. LXXVI, No. 1, 2023، pp. 5–17.
Awaḍ Khālid al-Aḥmad, ʿĀdāt wa-muʿtaqadāt fī muḥāfaẓat Ḥimṣ، دمشق، 2011، وهو أحد المصادر العربية التي ناقشتها دراسة كلاش في سياق إعادة بناء الرواية الشعبية.
The Princeton Encyclopedia of Classical Sites, مدخل EMESA (Homs), Syria، لتاريخ إيميسا وموقعها وعلاقتها بالعاصي.
Encyclopaedia Britannica, مدخل Homs، للموقع التاريخي والجغرافي والعلاقة بالعاصي والطرق والبساتين والزراعة.
إعداد: فريد ظفور
مصور وصحفي وباحث في علوم الفوتوغرافيا
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


