رقصة الحياةد. عصام عسيريفي #يوم_الإبداع_العالمي احتفي بالاطلاع على جماليات إبداع أصدقائي الفنانين، فبين يدي هذا الإصدار الجديد المعنون بـ (رقصة الحياة في تجربة الفنان سعد علي)، للكاتب رحيم يوسف (الطبعة الأولى، بغداد 2026) جاء في ١٥٥ صفحة باللغتين مقاس ٢٧/١٩ سم، مليء بصور الاسكتشات والمصغرات والأعمال، وسرد للسيرة الذاتية المليئة بالمشاركات المحلية والعالمية. نحن لا نقرأ مجرد كتاب سيرة فنية، بل نقتفي أثر رحلة كونية انطلقت من طين الديوانية بالعراق لتستقر على قمة الفن التشكيلي العالمي في فالنسيا الإسبانية. في نصوص الكتاب وصورة غوص في الدلالات والمعاني، والأوضاع، والعلاقات، والأسلوب والذكريات والعواطف، فألوان وأشكال اللوحات تتحدث أكثر من اللغات والكلاميقدم المؤلف قراءة نقدية تحليلية عميقة لظاهرة فنية عراقية استثنائية، تحول فيها الفن من ممارسة جمالية إلى حاجة يومية كالماء والهواء، ذلك المشرقيُّ الذي لم تبتلعه الغربة.يحلل الكتاب كيف استطاع Saad Ali ، المنتمي لجيل السبعينيات، أن يدخل العالمية من أوسع أبوابها منذ هجرته الأولى، منضماً إلى جماعة كوبرا العريقة، وعائشاً في محطات كبرى بين إيطاليا وفرنسا وهولندا وصولاً إلى إسبانيا. ومع ذلك، يشدد المؤلف على أن سعد علي بقي مخلصاً لهويته العراقية وروحه المشرقية.لقد اختار الفنان مساراً صعباً؛ فلم يساير الموجات الحداثية السائدة في أوروبا لكي يثبت وجوده، بل حفر عميقاً في صخر خصوصيته، مقدماً رومانسية مشرقية تضج بالسحر والأسرار.فلسفة رقصة الحياة: استنطاق الجمال من قلب الحطاميركز الكتاب على مفهوم الرقص ليس كفعل عضلي بدني، بل كنشاط ذهني وتوق روحي للتحرر من الجسد. في معرضه الأخير بفالنسيا، الذي حمل اسم الكتاب، يرى الكاتب أن الفنان يمارس رقصاً يتماهى مع جراحات الآخرين، محاولاً استنباط الجمال من القبح الذي خلفته الكوارث الطبيعية كإعصار فالنسيا. إنها رقصة الوجود ضد الفناء، ورقصة الأرواح المحلقة فوق سطوح لوحاته التي تبدو كأنها تطير رغم ثباتها.المختبر اللوني والثنائيات الأسطورية:يستعرض الإصدار تميز سعد علي باجتراحه اللوني الذي يمثل تمردًا على الثوابت الذهنية للمتلقي، حيث يحول السطوح التصويرية إلى ما يشبه الخزفيات لدقة الاشتغال عليها، وتبرز في عوالمه ثنائيات أزلية رجل وامرأة، طيور وغزلان تتحرك في فضاءات حلمية مستمدة من إرث ألف ليلة وليلة وأساطير مملكة نفر القديمة.أقواس الحيدرخانة: الحنين كقوة دفع إبداعيةيفرد المؤلف مساحة لتحليل لوحة تجربة الفنان سعد علي المسمّاة أقواس الحيدرخانة، معتبراً إياها رسالة حب للبلاد البعيدة. هنا، يتماهى المعمار البغدادي مع ذاكرة الطفولة في الديوانية، حيث تتحول الأقواس من عناصر بنائية إلى محاريب للحب. إن الفنان في هذا الكتاب يظهر ككائن منفصل عن الأرض، محلق مع كائناته الطائرة في فضاء السطوح التي يبثها.ختاماً، إن كتاب رحيم يوسف هو احتفاء بفنان كرس كل ثانية من عمره لفنه. إنه يدعونا لاكتشاف حماليات إبداع الفنان سعد علي التي تجعلنا نؤمن بأن الفن ليس شيئاً مملوكاً، بل هو شعور يتجاوز المادة، وبأن رقصة الحياة الحقيقية هي تلك التي نبحث فيها عن المعنى وجوهر الوجود وسط زحام العالم.#د.عصام عسيري#مجلة ايليت فوتو ارت….


