عشرة دروس لعبّاس كيارستمي

6 – الفيلم يكتمل عند المُشاهد

“كثيراً ما أكتشفُ، خلال جلسات الأسئلة والأجوبة بعد العروض، أن المشاهدين لاحظوا في أفلامي أشياء لم أكن أنا نفسي واعياً لها. أحياناً يرون بشكل مختلف عمّا أراه أنا. كما قلتُ في البداية، أصبحتُ مخرجاً بالمصادفة. وأنا لا أقول ذلك تواضعاً زائفاً، انها الحقيقة. وإذا كنتُ أقبل أن دخولي إلى عالم السينما كان محض مصادفة، فكيف يمكنني أن أتجاهل احتمال أن يكون في صفوف أي جمهور أشخاص قد يصبحون في المستقبل سينمائيين؛ أشخاص كان يمكنهم، في ظروف مختلفة، أن ينجزوا أفلاماً؟ ثم كيف لي، بعد أن أقدّم فيلماً، أن أقف أمام الجمهور وأقول له ما الذي يعنيه المشهد الفلاني، وكيف ينبغي فهمه، أو ما الذي يجب أن يستخلصوه منه؟

أحاول أن أنجز الأفلام على نحو يسمح للمُشاهد بالمشاركة فيها. أريد للجمهور أن يكتشف أبعاداً ومعاني قد لا أكون أنا، بصفتي صاحب الرؤية، واعياً بها أصلاً. ينبغي للفيلم ألا يكون كياناً مغلقاً، يُحسَم معناه بشكل نهائي من طرف صانعه. كلّ متفرج يصل إلى السينما محمّلاً خلفية مختلفة، وحساسية مختلفة، وتجربة حياة مختلفة، وحالة ذهنية مختلفة. فكيف يمكن أن يخرج الجميع من القاعة وهم يحملون الفيلم نفسه بالضبط في داخلهم؟ هذا غير ممكن، بل إنه غير مرغوب فيه أصلاً. هذه بالتأكيد ليست السينما التي تهمّني. أفضّل أن يخرج كلّ متفرّج من القاعة بفيلم شارك هو نفسه في صنعه. فيلم تشكّل عبر إدراكاته الفردية، مشاعره، ذكرياته، خياله.

على سبيل المثل، أثناء مشاهدتي مقطعاً من “عشرة” رأيناه للتو، تذكّرتُ أنني لم أشاهد الفيلم منذ فترة طويلة. وبينما كنت أستمع إلى الطفل وهو يتحدّث، وجدتُ نفسي متشوّقاً لرؤية الأم، لاكتشف مَن تكون هذه المرأة التي نستمع إليه. كنت حقاً أنتظر ظهورها. وبالنظر إلى الخلف، أعتقد أن هذا بالضبط ما وددته حين أنجزتُ الفيلم. أردتُ للنساء اللواتي يعشن ظروفاً مشابهة لظروفها أن يستطعن التماهي معها، أو أن يجدن في علاقتهن بأبنائهن شيئاً من تجربتهن الخاصة. هذا هو نوع السينما الذي أؤمن به: سينما غير مكتملة. يجب ألا يُكمل الفيلم صاحبه وحده، وإنما ينبغي أن يتكوّن في أرض مشتركة، عبر لقاء بين المخرج والمُشاهد. عندها فقط يكتمل”.

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم