الممثلة إيزابيل أوبير، مهامها كرئيسة ل السينماتيك الفرنسية

لأول مرة في تاريخ “السينماتيك” الفرنسية، تتسلم سيدة، هي إيزابيل أوبير، مهامها كرئيسة لهذا الصرح، منذ تأسيس المؤسسة العريقة قبل تسعين عامًا، إذ جاءت خلفًا لكوستا غافراس الذي يرأس المؤسسة منذ 2007. للخبر رمزيته العالية بالطبع، فأوبير، الممثلة في الثالثة والسبعين، عبر جسدها وألق حضورها في أكثر من مئة وخمسين فيلمًا، وها هي اليوم تتسلم مفاتيح بيت السينما الفرنسية، بيت يحفظ نسخًا لخمسين ألف فيلم وقرابة مليون وثيقة، وآلاف الأجهزة التي صوّرت وصاغت قرنًا كاملًا من حكاية السينما.

السينماتيك الفرنسية وزمن الولادة

لكي نفهم ما الذي ترأسته أوبير بالضبط، لا بد من العودة إلى عام 1936، عندما وصلت السينما يومها إلى عصر نضوجها، وقد بلغت الأربعين من العمر. تحولت بعدها من الصمت إلى الكلام، فما كان من أرباب الصناعة حينها إلا أن عاملوا أفلامها الصامتة معاملة بضاعة منتهية الصلاحية، إذ بدأت الاستوديوهات بإتلاف أرشيفها لتوفير مساحات لتخزين الإنتاج الجديد، وبدأ الموزعون يبيعون النسخ الخرساء تلك بالكيلوغرام.

في تلك اللحظة قرر شاب في الثانية والعشرين، لم يكن سوى هنري لانغلوا، بصحبة المخرج جورج فرانجو وبدعم من الناشر بول أوغست هارليه والمنظّر جان ميتري، تأسيس جمعية أهلية تحفظ ما يرميه الآخرون. لم تكن الفكرة أرشيفًا بالمعنى المتحفي، بل منهجًا من بندين: احفظ كل شيء، الرائع والرديء، واعرض كل شيء، لأن الفيلم المحفوظ الذي لا يُشاهد ميت هو الآخر. من هذه المعادلة وُلدت صيغة “السينماتيك” التي ستستنسخ تجربتها كل المدن: من أرشيف وصالة ومتحف ومدرسة في بناء واحد، بحيث ما زالت المؤسسة حتى اليوم جمعية غير ربحية، لا مؤسسة دولة.

شاركت “السينماتيك” الفرنسية في تأسيس الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام مع متحف الفن الحديث في نيويورك وأرشيف الفيلم البريطاني، فصارت أرشفة السينما حركة دولية، واعترف بالفيلم وثيقةً وأثرًا
الأفلام والأرشفة: لمَ أُتلفت الأفلام؟

حتى مطلع الخمسينيات، بلغت قيمة الشريط السينمائي أكثر من الصور المطبوعة عليه، فالأفلام تُصوَّر على نترات “السليولوز”، وهي مادة من عائلة القطن البارودي تشتعل بسهولة مرعبة وتولّد الأكسجين بنفسها أثناء الاحتراق، فلا يطفئها الماء، فكان تخزينها عبئًا وخطرًا تدفع الشركات كلفته من دون عائد، بحيث كان من الأسهل إحراقها لاستخراج الفضة من المستحلب واسترداد ثمن الخام وتفريغ المستودعات من تراكم الأشرطة دون طائل.

هكذا صُهرت مئات الأفلام، وفُقد نحو تسعة أعشار الأفلام الصامتة الأميركية وقرابة نصف ما أنتجه العالم قبل 1950، حتى بدأ العالم بالانتباه إلى الكارثة.

في عام 1938، شاركت “السينماتيك” الفرنسية في تأسيس الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام مع متحف الفن الحديث في نيويورك وأرشيف الفيلم البريطاني، فصارت أرشفة السينما حركة دولية، واعترف بالفيلم وثيقةً وأثرًا. خلال الاحتلال النازي، خبأ لانغلوا، ومعه ماري ميرسون ولوته آيسنر، الناقدة الألمانية اليهودية الهاربة من بلادها، آلاف الأفلام المهددة بالمصادرة والإتلاف في الأقبية والبيوت الريفية، فاكتسبت المؤسسة أسطورتها كما لو أنها جزء من حركة مقاومة للنازية.

الموجة الجديدة وحركة 68

في الخمسينيات صارت صالة عروضها مدرسة فعلية لجيل كامل جلس ليشاهد ثلاثة وأربعة أفلام في اليوم: تروفو وغودار وريفيت وشابرول ورومير، الذين سمّوا أنفسهم أبناء السينماتيك، وخرجت من مقاعدها الموجة الجديدة، ومعها فكرة أن تاريخ السينما مادة حية لصناعة سينما جديدة لا متحفًا ميتًا.
جدلت “السينماتيك” الفرنسية ذاتها بالحاضر الفرنسي، ففي 1968 أقالت الدولة، ممثلة بوزير الثقافة أندريه مالرو، لانغلوا من إدارة المؤسسة التي تموّلها، فخرج السينمائيون إلى الشارع أمام قصر “شايّو” وواجهتهم الشرطة بالهراوات، وأعلن كبار مخرجي العالم من تشابلن إلى كوروساوا سحب أفلامهم من “السينماتيك” إن لم يعد الرجل، فتراجعت الدولة وأعادته بعد شهرين. يؤرخ كثيرون لتظاهرات “شايّو” بوصفها البروفة الأولى لأيار 1968، حيث ألغى تروفو وغودار مهرجان كان في تلك السنة على وقع الحدث، إلى أن نال لانغلوا في النهاية أوسكارًا فخريًا عام 1974 عن حياة كرّسها لحفظ ذاكرة السينما.

تسعون عامًا وامرأة

بعده تعاقب مخرجون كبار على رئاسة “السينماتيك” من كوستا غافراس إلى جان شارل تاكيلا ثم كلود بيري، حتى عودة غافراس عام 2007. تولى الإدارة التنفيذية بعد لانغلوا أسماء بارزة، أبرزها دومينيك بائيني الذي طوّر فكرة المعارض الكبرى، ثم سيرج توبيانا، رئيس تحرير “كراسات السينما” سابقًا، فيما يديرها منذ 2016 فريدريك بونو حتى وصول أوبير.

استقرت المؤسسة منذ 2005 في مبنى “فرانك غيري” في شارع بيرسي، وتحصل على دعمها المالي من المركز الوطني للسينما بنحو عشرين مليون يورو سنويًا، تشكل ثلاثة أرباع ميزانيتها. هذه التبعية المالية هي جرح المؤسسة القديم، فالاستقلال الذي قامت عليه أسطورة لانغلوا صار منذ عقود استقلالًا نسبيًا بحكم الواقع، وقد صدر مطلع 2025 تقرير قاسٍ عن ديوان المحاسبة الفرنسي يصف أنظمتها الأساسية بالمتقادمة وحوكمتها بالمنغلقة على أهل البيت، ويلمّح إلى إلحاق المؤسسة العريقة بالدولة. وها هي تصل أوبير إذًا إلى بيت مجيد ومتصدع معًا، وأمامها فرع مرسيليا الذي يُفتتح مطلع العام المقبل في الحي الشعبي الذي نشأ فيه إيف مونتان.

أوبير.. وجه من سينما

ماذا يعني أن تقود ممثلة هذا البيت؟ قد يمكن الاكتفاء بقراءة هذا المنصب كنصر نسوي جاء متأخرًا، بعد تسعين عامًا من إدارة الرجال، وهي قراءة صحيحة لكنها قراءة سهلة وأولية وربما ناقصة. فالحقيقة الأكثر عمقًا أن أوبير ليست ضيفة على الأرشيف، بل هي أرشيف السينما الفرنسية، حيًّا وما زال يمشي عبر جسدها داخل أفلام شابرول وبيالا وغودار وهانيكه وهونغ سانغ سو، وها هو وجهها يكبر زمنًا وقامة أمامنا فيلمًا بعد فيلم منذ نصف قرن، فتختزن ملامحه تاريخ السينما الحديثة كما تختزنه علب بيرسي الباردة.

ثمة ما يشبه العدالة الشعرية في أن يتسلم حراسة الذاكرة ما يقع أمام الكاميرا لا ما يقف خلفها، وثمة سؤال معلق لا تملك الرمزية وحدها الإجابة عنه: هل ستكون نجمة فرنسا ما سيمنح حصانة جديدة للمؤسسة في وجه دولة تريد تدجينها؟

تملك شركتان غير مصريتين أصول ما يزيد على ثلاثة آلاف فيلم مصري، بينما لا يملك التلفزيون المصري من أصول سينما بلاده سوى نحو مئتي فيلم. وكان يوسف شاهين قد قال في مئوية السينما أمام اليونسكو، ما معناه أن الحكومات المستبدة لا تجد غضاضة في شراء “نيغاتيف” يضايقها كي تخفيه إلى الأبد
بلادنا و”تاريخ” مستغنى عنه

يشتد وقع هذه الأسئلة حين ننظر إليها من ضفتنا. مصر، التي أنتجت أكثر من ثلاثة آلاف فيلم منذ العشرينيات، لم تُنشئ “سينماتيك” وطنية رغم قرن وربع من السينما، والأنكى أنها الحالة التي بيعت فيها أصول الأفلام نفسها، “النيغاتيف” لا حقوق العرض فحسب، إلى خارج البلد. بدأت الحكاية بمزاد علني بيعت فيه أفلام ستوديو مصر بأثمان زهيدة بعد التأميم، وتواصلت مع عقود إذعان طويلة فرضها التلفزيون الرسمي على المنتجين، ثم بلغت ذروتها حين جمعت شركة قابضة تأسست عام 2000 “نيغاتيف” مئات الأفلام من الورثة والشركات المفلسة لتبيعها بعد سنوات لشركات خاصة.

المحصلة تكاد لا تُصدّق: تملك شركتان غير مصريتين أصول ما يزيد على ثلاثة آلاف فيلم مصري، بينما لا يملك التلفزيون المصري من أصول سينما بلاده سوى نحو مئتي فيلم. وكان يوسف شاهين قد قال في مئوية السينما أمام اليونسكو، ما معناه أن الحكومات المستبدة لا تجد غضاضة في شراء “نيغاتيف” يضايقها كي تخفيه إلى الأبد، فكيف بفرحتها حين يتكفل القصور التقني بجعله يتآكل من تلقاء نفسه.

أما سوريا فقدمت الصيغة المعاكسة تمامًا لعقيدة لانغلوا. احتكرت الدولة السينما منذ 1963 عبر المؤسسة العامة للسينما، فتكوّن أرشيف وطني كامل تقريبًا في يد واحدة هي يد النظام، وأنتجت المؤسسة أهم أفلام السينما السورية: “أحلام المدينة” و”المخدوعون” و”الفهد” و”نجوم النهار”، ثم حبستها في علبها، تمثل البلاد في المهرجانات وتُمنع من العرض على أهلها، حتى إن “نجوم النهار”، الذي موّلته المؤسسة نفسها، مُنع بقرار يُنسب إلى رأس السلطة شخصيًا.

بعد سقوط النظام صار مصير هذا الأرشيف سؤالًا معلقًا، وجرى الحديث في مؤتمر عن السينما السورية في مونبلييه نهاية العام الماضي عن اتفاق محتمل بين المركز الوطني الفرنسي للسينما والمؤسسة العامة للسينما للعمل على الأرشيف السوري، مع تطمينات تقول إن الأفلام ما زالت سليمة في مكانها، وهي تطمينات يستقبلها العارفون بحذر لا لسبب سوى ذاكرتنا مع الأنظمة الحاكمة. المفارقة أن الجهة الفرنسية المرشحة لمد اليد إلى علب دمشق هي نفسها التي تمول البيت الذي تسلمته أوبير هذا الأسبوع، وكأن الذاكرة السورية مرشحة للمرور، مرة أخرى في تاريخها، عبر باريس.

عب

#عبير اسبر #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم