
المصور البرازيلي همبرتو دا سيلفيرا – مصدر الصورة: حساب زاهر عثمان
رحيل المصور البرازيلي: همبرتو دا سيلفيرا.. 4 عقود خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية
رصدت كاميراته تفاصيل وحفظت ملامح أماكن وحياة غيّرتها التحولات
منذ أن وطئت قدماه المملكة، لم يتعامل المصور البرازيلي همبرتو دا سيلفيرا مع السعودية بوصفها محطة عابرة، إذ حمل كاميرته بين مدنها وقراها وصحاريها، وترك خلفه أرشيفاً بصرياً واسعاً يروي حكاية المكان والإنسان والتحولات التي شهدتها البلاد على مدى أربعة عقود، ليغيب عن عالمنا، بعد رحلة طويلة ارتبط خلالها ارتباطاً تجاوز حدود الصورة إلى علاقة عميقة بالمكان وتاريخه وأهله.
وبدأت تفاصيل قصته منذ وصوله إلى السعودية للمرة الأولى عام 1985، إذ لم يكن يعلم أن تلك الزيارة ستقوده إلى علاقة استثنائية مع بلد سيصبح محوراً أساسياً في مشروعه الفوتوغرافي.
وعلى مدى نحو 40 عاماً، ظل يتنقل بين المدن والقرى والصحاري، يراقب التفاصيل ويلتقط ما لا يلتفت إليه العابرون، من العمارة والتراث إلى الحياة الاجتماعية، ومن ملامح الإنسان إلى آثار التحولات المتسارعة.
ومع مرور السنوات، لم تعد صوره مجرد أعمال فنية، فقد تحولت إلى ذاكرة بصرية لبلاد كانت تتغير أمام عدسته، وحفظت تفاصيل أماكن ووجوهاً وأنماط حياة ربما لم يعد بعضها موجوداً اليوم.
عدسة تلاحق ذاكرة المكان:
ارتبط اسم دا سيلفيرا بعدد من المشاريع التوثيقية البارزة، من بينها كتب «نجد» و«بدو» و«التوحيد» و«الموحّد» و«عبدالعزيز» و«الأقصى» و«هجر»، إلى جانب أعمال تناولت مكة والمدينة والحِجر وتاريخ المملكة وملوكها، بالتعاون مع مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، التي أسهمت في حفظ وإبراز جانب مهم من أرشيفه الفوتوغرافي.
وفي كتابه «نجد – Najd»، الصادر عام 1992، وجه عدسته إلى العمارة التقليدية والتاريخية في المنطقة، موثقاً تفاصيلها في وقت سبقت فيه التحولات الحديثة إلى تغيير كثير من ملامحها.
ومن بين الصور التي اكتسبت قيمة تاريخية خاصة، تلك التي التقطها لمنزل الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العيينة قبل إزالته، لتتحول الصورة بعد ذلك إلى وثيقة تحفظ ذاكرة مكان لم يعد قائماً.
وبعد عامين، في 1994، صدر كتاب «بدو – Bedu»، الذي اقترب فيه دا سيلفيرا أكثر من الإنسان، موثقاً حياة البادية في الجزيرة العربية وعاداتها وتفاصيل يومها، في مرحلة كانت أنماط الحياة التقليدية فيها تمر بتحولات متسارعة.
أما مشروع «عبدالعزيز»، فمثّل محطة أخرى في تجربته، إذ ارتبط بتوثيق الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وملحمة توحيد المملكة، من خلال قراءة التاريخ عبر المكان والجغرافيا والآثار التي بقيت شاهدة على مراحل تأسيس الدولة.
الحِجر كان له مع دا سيلفيرا حكاية مختلفة:
ففي مشروع «هجر – Hegra»، أمضى نحو 22 عاماً في توثيق الحِجر ومدائن صالح، في رحلة لم تكن الصورة فيها لقطة سريعة، بل بحثاً طويلاً وانتظاراً ومراقبة للمكان والتاريخ. وفي عام 2013 صدر الكتاب عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ليشكل واحداً من أبرز الأعمال التي تختزل علاقته الطويلة بالمملكة.
***&***

مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
قريبًا: تستعد مكتبة الملك عبدالعزيز العامة لإقامة معرض ولقاء ثقافي خاص بالمصور البرازيلي الراحل همبيرتو دا سلفيرا
***&***
معرض الصور:








نعم. همبرتو مارتينس دا سيلفيرا (Humberto Martins da Silveira) من الأسماء اللافتة في تاريخ التصوير الوثائقي والفني في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط. وقد ارتبط اسمه خصوصًا بتوثيق نجد، والبادية، والعمارة التقليدية، والآثار، والمناظر الطبيعية، والإنسان السعودي في مرحلة كانت فيها ملامح كثيرة من الحياة التقليدية تتغير بسرعة بفعل التحديث.
وتكتسب سيرته أهمية إضافية اليوم، إذ نشرت العربية في 17 أغسطس/آب 2026 خبر رحيله، ووصفت مسيرته بأنها أربعة عقود خلف العدسة وثّقت ذاكرة السعودية.
همبرتو دا سيلفيرا… البرازيلي الذي جعل من عدسته ذاكرةً للسعودية
من البرازيل إلى قلب الجزيرة العربية
وُلد همبرتو مارتينس دا سيلفيرا عام 1954 في بوسوراو بولاية ماتو غروسو البرازيلية. بدأ علاقته بالكاميرا في سن مبكرة، ثم درس التصوير في ريو دي جانيرو على يد المصور روبرتو مايا، وتابع دورات في Parsons School في نيويورك بين عامي 1979 و1981.
عمل مساعدًا للمصور الأميركي باري ماكينلي، المتخصص في تصوير السياسيين والفنانين والشخصيات العامة، ثم مارس التصوير في البرازيل والولايات المتحدة وفرنسا، ومن بينها عمله مع
لكن التحول الكبير في مسيرته جاء عام 1985، عندما دُعي إلى الرياض للمشاركة في افتتاح المعرض الإسلامي التابع لمؤسسة الملك فيصل. كانت تلك الرحلة نقطة التحول التي دفعته إلى ما سماه «التاريخ البصري»؛ فتحول اهتمامه من التصوير المهني التقليدي إلى البحث في الآثار والإنسان والعمارة والذاكرة الثقافية.
«نجد»… العمارة السعودية قبل أن يطويها التحديث
يُعد كتاب Najd – نجد أحد أهم مشروعات دا سيلفيرا.
صدر عام 1992 في طبعة فاخرة محدودة من 3000 نسخة، وضم 148 صورة، ركزت على العمارة التقليدية في نجد، وعلى طبقاتها التاريخية التي تمتد من العصور القديمة إلى العمارة التقليدية في القرن التاسع عشر.
لم يكن دا سيلفيرا يتعامل مع المبنى باعتباره مجرد كتلة معمارية؛ بل كان يراه جزءًا من علاقة الإنسان بالمكان. ولذلك تظهر في مشروعه:
البيوت الطينية.
القلاع والحصون.
القرى القديمة.
العمارة النجدية التقليدية.
تفاصيل الجدران والأبواب والنوافذ.
الصحراء بوصفها فضاءً بصريًا وثقافيًا.
العلاقة بين سكان الواحات والبدو.
وكان يدرك أن هذه العمارة تعيش مرحلتها الأخيرة قبل أن تفرض الحداثة شكلًا جديدًا على المكان.
ومن اللافت أن النسخة الأصلية من الكتاب صُممت بوصفها عملًا فنيًا فاخرًا: 240 صفحة، طباعة ثنائية اللون، ورق فاخر، وقياس كبير، مع تصميم روبرت ديلبير وإخراج Ideodis Creation في باريس.
«بدو»… حين تصبح الصورة وثيقةً لإنسان الصحراء
إذا كان نجد كتاب المكان والعمارة، فإن Bedu – بدو هو كتاب الإنسان.
صدر عام 1994 في طبعة محدودة من 6000 نسخة، وضم 176 صورة في 256 صفحة.
في هذا المشروع اقترب دا سيلفيرا من حياة البدو، محاولًا تسجيل عالم كان يتغير أمام عينيه: الإنسان، الحيوان، الخيمة، الصحراء، التنقل، العلاقات الاجتماعية، والملامح التي تحمل تاريخ أجيال كاملة.
وهنا تكمن القيمة الكبرى لهذه الصور: فهي لا تقدم «صورة سياحية» عن البادية، بل تقدم وثيقة بصرية عن ثقافة كانت تدخل مرحلة انتقالية حاسمة.
وتوجد صور من كتاب Bedu متداولة في أرشيفات وصور الكتب القديمة، منها صورة موثقة على Flickr من الكتاب نفسه.
«التوحيد»… الصورة في مواجهة اللوحة
من أهم مشروعات دا سيلفيرا أيضًا مشاركته في مجموعة التوحيد (Attawheed Collection).
كان الفنان الأميركي جيراردت ليبمان (Gerhardt Liebmann) قد بدأ منذ عام 1982 رسم عدد كبير من المواقع التاريخية والأثرية السعودية. وبعد ذلك كُلّف دا سيلفيرا بتصوير المواقع نفسها، بحيث أصبحت هناك مواجهة بصرية بين اللوحة والصورة الفوتوغرافية.
الفكرة شديدة الأهمية من الناحية الفنية:
اللوحة تستعيد الماضي، بينما الصورة تسجل الحاضر.
فاللوحة كانت قادرة على إسقاط بعض مظاهر العصر الحديث من المشهد، بينما أصر دا سيلفيرا على تصوير الموقع كما وجده: الأبنية الحديثة، السيارات، أعمدة الإنارة والعناصر التي أصبحت جزءًا من الواقع المعاصر.
عُرضت المجموعة في جدة عام 1999، ثم في بيروت، وفي معهد العالم العربي في باريس، قبل أن تعرض في المتحف الوطني بالرياض عام 2002.
مشروع الملك سعود… أربعة أعوام مع الذاكرة الملكية
ومن المشاريع المهمة التي تكشف اتساع اهتمامه بالتاريخ السعودي، عمله مع الأميرة فهدة بنت سعود على إعداد كتاب مصور عن حياة الملك سعود.
استغرق المشروع أربعة أعوام، وجمع صورًا ووثائق مرتبطة بحياة الملك سعود، وأسهم في إثراء أرشيف تاريخي أصبح يضم آلاف الصور.
وهذا الجانب مهم جدًا في تجربة دا سيلفيرا، لأنه يؤكد أن اهتمامه لم يكن مقتصرًا على الصحراء والبدو والعمارة؛ بل امتد إلى التاريخ السياسي والاجتماعي والملكي للمملكة.
النبطية ومدائن صالح… مشروع لم يكتمل
كان دا سيلفيرا يعمل أيضًا على مشروع كبير بعنوان Nabatea – النبطية، وهو دراسة فوتوغرافية واسعة للحضارة النبطية، تمتد بين البتراء في الأردن ومدائن صالح في شمال غرب السعودية.
ووفق سيرته المنشورة، كان المشروع معدًا ليضم نحو 200 لوحة فوتوغرافية، متناولًا الحضارة النبطية التي ازدهرت من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي.
كما عمل على مشروع عن اليمن، وكان يخطط لمشروع أوسع بعنوان Panorama of Ancient Civilisation in the Near, Middle East and Mediterranean Basin، يتناول الحضارات من سومر إلى بيزنطة في ثلاثة مجلدات.
الأبيض والأسود… فلسفة وليست مجرد اختيار جمالي
من السمات البارزة في أعماله اعتماده القوي على التصوير بالأبيض والأسود.
كان يرى نفسه مصورًا «كلاسيكيًا»، وكان يؤمن بأن الصورة يجب أن تتخلص من كل ما هو زائد لكي تصل إلى جوهر الموضوع. وفي مقابلة مع Arab News وصف اهتمامه بأنه محاولة لتسجيل التاريخ الكلاسيكي للشرق الأوسط قبل اختفاء مظاهره القابلة للتصوير.
وهذا يفسر القوة البصرية في أعماله:
الظل ليس مجرد غياب للضوء، بل مادة تشكيلية.
والجدار الطيني ليس مجرد جدار، بل طبقة من الذاكرة.
والوجه البدوي ليس مجرد بورتريه، بل تاريخ حي.
والصحراء ليست فراغًا، بل شخصية قائمة بذاتها.
وكان يستخدم معدات احترافية من بينها Linhof وAlpa وHasselblad، إضافة إلى كاميرات كبيرة الحجم، انطلاقًا من هاجس واضح لديه يتعلق بجودة السالب والطباعة والتفاصيل.
أهم أعماله في السعودية باختصار
العمل
السنة
الموضوع
Najd – نجد
1992
العمارة والتاريخ والمشهد النجدي
Bedu – بدو
1994
حياة البدو وثقافة الصحراء
Attawheed – التوحيد
1999–2002
المواقع التاريخية والأثرية السعودية
King Saud Photographic Biography
مشروع امتد 4 أعوام
حياة الملك سعود والتاريخ السعودي
Nabatea – النبطية
مشروع
البتراء ومدائن صالح والحضارة النبطية
Yemen
مشروع
العمارة التقليدية والحضارات والإنسان اليمني
وتؤكد سيرته الرسمية أن نجد وبدو كانا أول عملين كبيرين رسخا مكانته في مجال «التاريخ البصري».
لماذا يُعد دا سيلفيرا مهمًا في تاريخ التصوير؟
أهمية همبرتو دا سيلفيرا لا تكمن فقط في جمال صوره، وإنما في الزمن الذي اختار أن يصوره.
لقد جاء إلى السعودية في منتصف الثمانينيات، في فترة كانت المملكة تشهد تحولات عمرانية واجتماعية هائلة. ولذلك أصبح جزء كبير من إنتاجه اليوم بمثابة أرشيف بصري لمرحلة انتقالية: قرى وعمارة تقليدية ووجوه وطرق حياة ومناظر كانت تتغير أو تختفي.
وتشير مصادر أرشيفية إلى وجود 165 صورة من أعماله في مجموعة مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، تتناول المواقع التاريخية وحياة البدو والمناظر الطبيعية والعمارة النجدية.
كما ترك أثرًا في جيل من المصورين السعوديين؛ ومن أبرز الأمثلة المصور السعودي عادل القريشي الذي بدأ اهتمامه الجاد بالتصوير عام 1991 بتشجيع وإرشاد من دا سيلفيرا، واستمر تأثيره في تجربته الفنية.
إرثه الحقيقي: أن تكون الكاميرا شاهدًا
ربما تختصر فلسفة دا سيلفيرا جملة أساسية وردت في سيرته: كان هدفه أن يجمع «أدلة فوتوغرافية عالية الجودة» تساعد في الحفاظ على الأماكن والتقاليد التي ما زالت تتحدث عن العالم القديم، وأن تكون شاهدًا على التطور الثقافي
وهنا تكمن قيمة تجربته بالنسبة للمصور العربي اليوم.
فدا سيلفيرا لم يكن يلتقط «صورًا جميلة» فحسب؛ كان يعرف أن بعض ما أمام عدسته لن يبقى كما هو.
لذلك يمكن النظر إلى أعماله اليوم بوصفها متحفًا فوتوغرافيًا مفتوحًا للسعودية: متحفًا بلا جدران، تحفظ فيه الكاميرا ما كان يمكن أن يضيع تحت طبقات الإسفلت والعمارة الحديثة والزمن.
ملاحظة مهمة للبحث والنشر: معظم الصور الأصلية لدا سيلفيرا ليست متاحة بحرية على الإنترنت، وحقوق نشرها محفوظة على الأرجح لأصحابها أو الجهات المالكة للأرشيف. لذلك، إذا كانت المقالة ستُنشر في مجلة «فن التصوير» أو موقعك، فمن الأفضل استخدام الصور من موقع المصور أو الكتب والأرشيفات التي تتيحها قانونيًا، مع ذكر المصور ومصدر الصورة. ويمكن الرجوع إلى موقعه الرسمي الذي يعرض نماذج من أعماله وكتبه.
الموقع الرسمي لأرشيف همبرتو دا سيلفيرا
السيرة الذاتية الرسمية للمصور
صفحة كتبي «نجد» و«بدو»


