💥 مراجعات الجونة | «طبيب أمريكي» .. ما تراه لا تنساه أطباء يعودون من غزة بعبء الشهادة الجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»في مسابقة الأفلام الوثائقية ومسابقة «سينما من أجل الإنسانية» بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، يحضر «طبيب أمريكي» (American Doctor) للمخرجة الماليزية ـ الأميركية بوه سي تينج، بوصفه واحداً من الأفلام التي لا تكتفي بتسجيل الحرب، وإنما تختبر السؤال الأصعب الذي يأتي بعدها.. ماذا يفعل الإنسان بما رأى؟.الفيلم، الذي يُعرض أيضاً ضمن برنامج «نافذة على فلسطين»، هو التجربة الإخراجية الطويلة الأولى لبوه سي تينج، بعد مسيرة في صناعة الأفلام الوثائقية والإنتاج الصحفي. وقوة «طبيب أمريكي» لا تكمن في تسجيل مأساة غزة بحد ذاتها، فقد وثقتها أفلام كثيرة، بل في اقترابه منها عبر تجربة ثلاثة أطباء دخلوا القطاع لإنقاذ المرضى، ثم خرجوا منه وهم يحملون عبء الشهادة بما رأوه.بوه سي تينج لا تجعل الكاميرا تبحث عن الصورة الكبرى للحرب بقدر ما تضعها داخل غرفة العمليات، إلى جوار الأطباء، وبين المرضى، وفي المسافة القصيرة التي تفصل بين محاولة إنقاذ حياة والإقرار بالعجز عن إنقاذ أخرى.يتتبع الفيلم ثلاثة أطباء ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية مختلفة، الفلسطيني الأميركي ثائر أحمد، واليهودي الأميركي مارك بيرلموتر، وطبيب الإصابات فيروز سيدهوا، المنحدر من خلفية زرادشتية. اختلافهم ليس تفصيلاً تعريفياً، بل أحد مفاتيح الفيلم، إذ يجمعهم القسم الطبي نفسه، بينما تختلف طرائقهم في فهم الشهادة والتحدث عنها ومواجهة العالم بعد العودة.وهنا يتجنب الفيلم، في أفضل لحظاته، تحويل الشخصيات إلى «أصوات» لقضية جاهزة. نحن أمام أطباء قبل أن نكون أمام متحدثين سياسيين، نراهم في لحظة العمل، في الإرهاق، في الارتباك، وفي محاولات اتخاذ قرار طبي داخل منظومة صحية تتآكل أمام أعينهم.هذه النقطة تمنح الفيلم قوته الإنسانية. فالكاميرا لا تحتاج إلى شرح معنى الانهيار حين يصبح المستشفى نفسه جزءاً من الأزمة. الأدوات الناقصة، الضغط المتواصل، الإصابات المتدفقة، والأطباء الذين يعملون بما هو متاح، تصنع صورة للحرب أكثر مباشرة من أي خطاب سياسي طويل.وتختار بوه سي تينج أسلوب الملاحظة المباشرة، فتترك الأحداث تتقدم من داخل الواقع بدلاً من إعادة ترتيبها في قالب وثائقي تقليدي. والتصوير داخل غزة يضع المتفرج قريباً من الأطباء والمرضى، بينما تكتسب الكاميرا بعداً آخر حين يعود الثلاثة إلى الولايات المتحدة.هناك، يتغير الفيلم من «طب الحرب» إلى «سياسة الشهادة».لم يعد السؤال: كيف ننقذ المريض الذي أمامنا؟بل: كيف نجعل من لم يرَ، يسمع؟هذا الانتقال هو البناء الأهم في الفيلم. فبعد مغادرة غزة، لا تنتهي مهمة الأطباء. يعودون إلى الولايات المتحدة ليظهروا في الإعلام، ويتحدثوا أمام المسؤولين، ويحاولوا نقل ما شاهدوه إلى فضاء سياسي يبدو بعيداً عن صور المستشفيات التي خرجوا منها. وبهذا يتحول الطبيب من صاحب مهنة إلى شاهد، ومن شاهد إلى طرف في معركة أخرى تدور حول الذاكرة والرواية والمسؤولية.وتكمن براعة بوه سي تينج في أنها لا تفصل تماماً بين المسارين. فالطبيب الذي يقف في غرفة العمليات لإنقاذ مريض هو نفسه الذي يقف لاحقاً أمام الكاميرا ليشرح ما حدث. الجسد المصاب يصبح نقطة الاتصال بين الفعل الطبي والفعل السياسي، وبين ما يمكن للطبيب أن يفعله بيديه وما يعجز عن تغييره خارج المستشفى.حتى العلاقة بين الأطباء الثلاثة لا تخلو من التوتر. اختلاف شخصياتهم وطرائقهم في التعبير عن التجربة يكسر أي صورة مثالية عن «فريق موحد». بعضهم أكثر حذراً، وبعضهم أكثر صدامية، فيما يحاول آخرون إدارة شهادتهم بطريقة استراتيجية. هذا الاختلاف يمنح الفيلم طبقة درامية مهمة، ويمنعه من التحول إلى خطاب أحادي الصوت.لكن الفيلم لا يخفي موقفه الأخلاقي. منذ بدايته، يضع المشاهد أمام سؤال حدود الصورة الوثائقية، هل يجب إخفاء الصور القاسية حمايةً لكرامة الضحايا، أم أن إخفاءها قد يعني أيضاً إخفاء جزء من الحقيقة؟.يصبح هذا النقاش بين المخرجة وبيرلموتر أشبه ببيان جمالي للفيلم نفسه، الذي يختار ألا يبتعد كثيراً عن المادة المؤلمة التي يصورها. وقد توقف عدد من النقاد أمام هذه المواجهة بوصفها مفتاحاً لفهم موقف الفيلم من مسؤولية التوثيق.وهنا أيضاً تكمن إحدى نقاط القوة والضعف معاً.فالإصرار على مواجهة المشاهد بالصورة الصادمة يمنح الفيلم ثقله الأخلاقي، لكنه يضعه أحياناً على حافة الإنهاك العاطفي. «طبيب أمريكي» لا يمنح المتلقي دائماً مساحة كافية للابتعاد والتأمل، إنه يطلب منه أن يرى، ثم أن يتحمل ما رأى. ومع ذلك، فإن الفيلم ينجح في ألا يجعل غزة مجرد «موضوع». المدينة هنا ليست خلفية للحكاية، بل المكان الذي يعيد تشكيل الشخصيات نفسها. الطبيب يدخلها وهو يعتقد أنه يعرف معنى المساعدة، ويخرج منها وهو يحمل سؤالاً أكبر عن حدود المساعدة وعن مسؤولية الشاهد.ولهذا، فإن أهم ما يتركه الفيلم ليس الصورة الأقسى، ولا الشهادة الأكثر غضباً، وإنما السؤال الذي يظل معلقاً بعد النهاية: عندما ترى الكارثة عن قرب، هل تعود إلى حياتك كما كنت؟. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك
#مجلة ايليت فوتو ارت.


