النقد النسوي للشعر العربي(قراءة مبسطة للتراث الشعري)
لم يكن الشعر العربي، منذ نشأته، نصًّا معزولًا عن البنية الاجتماعية التي أنتجته، بل كان مرآتها الجمالية والرمزية. ومن هذا المنطلق، جاء النقد النسوي للشعر العربي بوصفه قراءةً واعيةً لا تسعى إلى هدم التراث أو مصادمته، بقدر ما تهدف إلى مساءلته: كيف صوّر الشاعر العربي المرأة؟ ولماذا ظل صوتها غائبًا داخل النص قرونًا طويلة؟ وكيف استطاعت الشاعرة المعاصرة أن تستعيد هذا الصوت، وأن تُعيد تشكيل اللغة الشعرية من داخلها؟
***المرأة في الشعر العربي القديم: حضور الصورة وغياب الصوت لو تأملنا المرأة في الشعر التراثي سنجد أنها تأتي في معظم الشعر العربي القديم بوصفها موضوعًا للجمال لا ذاتًا ناطقة. فهي تُرى ولا تتكلم، وتُوصَف ولا تصف. ويكفي أن نتأمل الغزل الجاهلي لندرك كيف تحوّلت المرأة إلى صورة بلاغية لافتتاح القصيدة، ثم تُهمَل بعد أداء وظيفتها الجمالية.وهو ما تصفه بعض قراءات النقد النسوي بتحويل المرأة من ذاتٍ متكلمة إلى موضوعٍ جمالي، أي إزاحتها من مركز التجربة الإنسانية إلى هامشها الرمزي.
يقول امرؤ القيس في معلقته:وبيضةِ خدرٍ لا يُرامُ خِدارُهاتمتعـتُ من لهوٍ بها غيرَ مُعجلِ(فالمرأة هنا صورة ساكنة، تُختزل في المتعة العابرة، دون أي حضور إنساني مستقل أو صوتٍ معبّر عن ذاتها).و
تتكرّر هذه الرؤية في شعر الفروسية والبطولة. يقول عنترة بن شداد:ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌمني، وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي(فعلى الرغم من صدق العاطفة، تبقى عبلة فكرةً مُعلّقة في وعي الشاعر، محفّزًا للفحولة والبطولة، لا شريكةً في التجربة ولا ذاتًا فاعلة داخل النص).أما عند جرير، فتتحول المرأة إلى قوة تأثير صامتة:إن العيونَ التي في طرفها حَوَرٌقتلننا ثم لم يُحيين قتلانا(وهي صورة بلاغية لافتة، لكنها تُعيد إنتاج النظرة ذاتها: المرأة أثرٌ لا فاعل، وسحرٌ لا وعي).
ولا يعني الحديث عن تغييب صوت المرأة في الشعر التراثي غياب الشاعرة تمامًا؛ فقد عرف التراث العربي أسماء لامعة مثل الخنساء وليلى الأخيلية وولّادة بنت المستكفي. غير أن حضور هؤلاء الشاعرات ظلّ استثنائيًا، محكومًا بشروط اجتماعية وثقافية صارمة، جعلت أصواتهن تظهر على هامش المتن الشعري لا في مركزه، وتُقرأ بوصفها فرادة لا بوصفها نموذجًا قابلاً للامتداد.#اللغة_الذكورية: سلطة خفية داخل القصيدةلا يتوقف النقد النسوي عند مضمون القصيدة، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك اللغة ذاتها. فاللغة الشعرية العربية لم تكن بريئة تمامًا؛ بل كانت – في كثير من تجلياتها – أداةً لإعادة إنتاج السلطة الذكورية، حيث تحوّلت الفحولة إلى قيمة جمالية مركزية، وتحوّل التأنيث إلى علامة نقصٍ ضمني، أو موضع مساءلة دائم.
ويكشف المتنبي، من حيث لا يقصد، عن هذا الوعي الثقافي حين يقول:وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ(فالبيت، على جماله البلاغي، يفترض وجود ثقافة سابقة تجعل التأنيث موضع دفاع، والتذكير موضع فخر، بما يعكس مركزية الرؤية الذكورية داخل الوعي اللغوي ذاته، حتى حين تسعى اللغة إلى نفيها).
***بدايات التحوّل: المرأة تكتب من الداخلمع بدايات الشعر الحديث، أخذ الصوت الأنثوي يشق طريقه ببطء داخل المشهد الشعري العربي. ولم تعد المرأة تُرى من الخارج فحسب، بل بدأت تتكلم عن وحدتها، وهواجسها، وتجربتها الداخلية، بوصفها تجربة إنسانية مكتملة لا هامشًا تابعًا.تقول نازك الملائكة:لماذا أُحسُّ الأسى والضَّجَرْ،وكفُّ المطَرْتلفُّ على عنقي المختنقْحبالَ الفِكرْ؟(هنا لا نواجه صورة أنثوية مُتخيّلة، بل ذاتًا واعية تتكلم عن قلقها الوجودي بلغة هادئة ومباشرة).وتقول فدوى طوقان:سأظل وحديما دام سجأني القضاءدعنيسأبقى هكذالا نورلا غدلا رجاءالصخرة السوداء ما من مهربما من مفرّعبثاً أزحزح ثقلها عنّيبنسياني لنفسي(وهو صوت لا يستجدي الحماية، بل يعترف بالهشاشة بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانية، لا نقيضًا للقوة).
***الشاعرة المعاصرة: تفكيك اللغة واستعادة الذاتفي الشعر النسوي المعاصر، لم تكتفِ الشاعرة باستعادة الصوت، بل ذهبت أبعد من ذلك، إلى تفكيك “اللغة الذكورية” ذاتها، وإعادة بناء خطاب شعري أكثر حميمية وصدقًا، لا يقوم على الفحولة ولا على التبعية.تقول الشاعرة سعاد صبحي:أنا امرأةٌ أعيشُ الحبَّ.. لا أستجديهأنا امرأةٌ أعشقُ الكبرياءَ.. ولا أرتضيهِ بديلًا(هنا تنتقل المرأة من موقع الانتظار إلى موقع الفعل والاختيار، وتُعيد تعريف الحب من منظور الندية الإنسانية).أما جمانة حداد فتذهب إلى أقصى حدود المواجهة اللغوية:جسدي ليس عورةجسدي نصٌّ مفتوح(حيث يتحول الجسد من مساحة للوصاية الأخلاقية إلى مساحة للكتابة والمعنى، في كسرٍ صريح للبنية اللغوية التقليدية).
***نزار قباني: صوت المرأة أم إعادة إنتاج النظرة الذكورية؟يحتل نزار قباني موقعًا إشكاليًا في الشعر العربي الحديث؛ فهو من أكثر الشعراء اقترابًا من المرأة لغويًا وموضوعيًا، وكتب عددًا كبيرًا من القصائد متحدثًا بصوت أنثوي مباشر.يقول نزار:أنا امرأةٌبداخلها توقف نابض الزمنفلا نوّار أعرفه ولا نيسان يعرفنيوفي مثل هذه النصوص، تتكلم المرأة بضمير “الأنا”، وتعبّر عن شغفها وغضبها وتمردها. غير أن النقد النسوي يرى أن هذا الصوت – على جرأته – ليس صوت المرأة كاملًا، بل صوت الرجل وهو يتخيل المرأة كما يريد لها أن تتكلم.فالمرأة عند نزار، حتى وهي المتكلمة، كثيرًا ما تظل مرتبطة بالجسد والانفعال العاطفي، وتُعرّف ذاتها من خلال علاقتها بالرجل، لا من خلال تجربة وجودية مستقلة. ومن هنا يفرّق النقد النسوي بين: • المرأة المتكلمة التي يمنحها الرجل الصوت • والمرأة الكاتبة التي تصنع صوتها بنفسها، بلغتها وتجربتها.
***ونحن نقرأ هذا التراث اليوم، لا نبحث فيه عمّا يُدين الشعراء، بقدر ما نبحث عمّا يُدين الصمت الطويل الذي أحاط بصوت المرأة، وجعل حضورها الجمالي بديلًا عن حضورها الإنساني.إن النقد النسوي للشعر العربي لا يسعى إلى القطيعة مع التراث، بل إلى قراءته قراءةً واعية، تُدرك شروطه التاريخية، وتكشف تحيّزاته، دون إنكار لقيمته الجمالية. فالمسألة ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل بين رؤية أحادية للعالم، ورؤية أكثر اتساعًا وعدالة للإنسان.ومن امرأةٍ كانت تُرى ولا تُسمَع، إلى شاعرةٍ تكتب ذاتها بذاتها، تتجلّى أهمية النقد النسوي بوصفه فعل إنصات للنص، بقدر ما هو فعل مساءلة له، وفتح أفق جديد للشعر بوصفه صوتًا إنسانيًا مشتركًا.
بقلم الشاعر عبد الواسع السقاف


