صراع امرأتين للسيطرة على رجل في مسرحية الأقوى لأوجست استرندبرج

كتب استرندبرج هذه المسرحية القصيرة سنة ١٨٨٩، وهي تعد مسرحية تجريبية بمقياس الفترة التي كتبت فيها، فهذه المسرحية ليست سوى مونولوج طويل من امرأة متزوجة رمز لها استرندبرج في هذه المسرحية بالسيدة س، وهي توجه حديثها فيه للآنسة إميليا التي رمز لها المؤلف بالآنسة ي، وهذه الآنسة لا تتكلم طوال المسرحية، وتكتفي بالإشارة بيديها، ورأسها، والتعبير ببعض الضحكات، وبهذا تعد هذه المسرحية قريبة في شكلها من مسرحية المونودراما، كما أنها من أوائل المسرحيات التي يمكن أن نطلق عليها مسرح الغرفة.

وعلى الرغم من أن السيدة س هي التي تواصل الحديث للآنسة ي طوال هذه المسرحية، وتكتفي الأخيرة بالصمت أو بالإشارة بيديها أو بوجهها أو بالضحك – فإن ذلك الحديث الطويل من السيدة س يكشف عن صراعها مع الآنسة ي على رجل واحد، هو بوب زوج السيدة س.ولا تواجه السيدة س الآنسة ي مباشرة بعلاقتها مع زوجها حين تراها مصادفة جالسة وحدها في ركن بمقهى خاص بالسيدات، ولكنها تمهد لهذا الأمر؛ حتى تفاجئها به.

وتبدأ السيدة س حديثها للآنسة ي بأنها تستغرب من جلوسها وحدها في اليوم الذي يحتفل في مسائه بليلة عيد الميلاد، وهي بهذا تشير لوحدتها، كما أنها تحاول أن تستثير غضبها بحديثها لها عن خطبتها التي لم تكتمل مع الشخص الذي كانت مخطوبة له؛ وبهذا تؤكد مرة ثانية على وحدتها وعزلتها.وتنتقل السيدة س بعد ذلك للحديث عن ابنتها التي اشترت لها دمية وعن ابنها الذي اشترت له مسدس ماء، وتوجه هذا المسدس نحو الآنسة ي، فتشعر بالخوف منها، وتصارحها السيدة س بأنها لم تتسبب في فصلها من المسرح الكبير.

وعلى الرغم من أن السيدة س لم تتكلم بعد عن علاقة الآنسة ي بزوجها فإننا نرى أنها قد نالت في كل كلامها السابق منها، وقد حان الوقت لتفاجئها بمعرفتها بهذه العلاقة، فتحدثها أولا عن امرأة أخرى حاولت أن تبادل زوجها الغرام، ولكنها كشفتها، وأبطلت حيلتها، وارتدت خائبة.

ثم تحدث السيدة س الآنسة ي عن أنها كانت تبدي عدم القبول بزوجها بوب في بدايات تعرفها به، وكان هو أيضا يعبر عن عدم راحته إليها، وذلك في الأوقات التي كانت تجمعهما بالسيدة س، وتخبر السيدة س الآنسة ي أنها عرفت بعد ذلك أنها وزوجها بوب كانا متفقين على ذلك؛ حتى يخدعاها، ويستمرا عاشقين في الخفاء عنها.وتصارح السيدة س الآنسة ي بأنها تعرف أن زوجها كان يطلب إليها أن تلبس وتأكل وتتصرف مثلها – أي مثل الآنسة ي – وأنها مع علمها أن كل ما طلب إليها زوجها عمله كانت لتشبهها فإنها نفذت كلامه، كما تخبرها أنها تعرف أن زوجها قد سمى ابنه باسم والد الآنسة ي.وتقول لها بعد ذلك: نعم قلدتك في أشياء كثيرة برغبة زوجي، ولكنني في النهاية احتفظت به، ونعيش معا مع ولدينا، أما أنت فوحيدة كما أراك الآن، وتنهي السيدة س كلامها للآنسة ي بإخبارها أنها هي الأقوى.ومن الممكن للمتلقي لهذه المسرحية أن يوافق السيدة س في أنها هي الأقوى؛ لأنها تحتفظ بعلاقة شرعية بزوجها بوب، ولها ولدان منه، وأنها بهذا تعيش في كنف عائلة، ولا يهمها بعض المغامرات العابرة كمغامرة زوجها العابرة معها.ولكن يمكن لمتلقي هذه المسرحية أن يرى ان الآنسة ي هي الأقوى، فهي التي يحبها بوب حبا حقيقيا، ولا يجد سعادته إلا معها، كما أنه قد طلب إلى زوجته أن تتشبه بها في الملبس والمأكل والهيئة حتى تبدو صورة منها؛ ولكنها في النهاية ليست سوى صورة، ويظل الأصل هو الأساس والذي له المكانة الكبيرة، ويضاف لهذا أن إصرار السيدة س على الكلام طوال هذه المسرحية لتثبت أنها أقوى من الآنسة ي لا يعني بالضرورة أنها الأقوى، بل إن هذا الإصرار المتواصل على الكلام يوحي بالضعف، في حين تبدو الآنسة ي واثقة من نفسها؛ ولهذا لا تحتاج للكلام لإثبات أنها الأقوى بالفعل.

ولا شك أن هذه المسرحية تحتمل هذين التأويلين في تحديد من الأقوى من هاتين المرأتين، وهذا يعد من جوانب ثرائها.

بقلم د. علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم