بقلم د.علي خليفة
(1)
ميديا هي أشهر امرأة عرضتها التراجيديا اليونانية القديمة، وتعد مسرحية "ميديا" ليوربيديس أشهر مسرحياته التي وصلتنا، ونرى في هذه المسرحية ميديا امرأة سريعة الغضب ممتلئة بالشر، وتنفث شرها بجرائمها التي لا تتوانى عن فعلها في القتل والتدمير، ومع ذلك فقد كانت تستطيع أن تحب، وأحبت ياسون وتزوجته، وضحت من أجله بأهلها، بل إنها قد قتلت أخاها وقطعته أوصالاً ورمتها في البحر؛ لتشغل والدها بجمعها عن ملاحقتها مع ياسون.وحين تستقر مع ياسون وولديها منه في كورنتة ينقلب ياسون عليها، ويعزم على الزواج من ابنة كريون ملك كورنتة، وقبيل أن تترك كورنتة مرغمة تستطيع بحيلة أن تقتل كريون وابنته، ثم تقتل ولديها حتى تشعر ياسون بألم انتقامها منه، فلم تُبْقِ له أحدًا يعيش من أجله في هذه الحياة، وبعد ذلك تركب عربتها، وبقدراتها السحرية تطير بها حاملة فيها جثتي ولديها اللذين قتلتهما.
وهذا ملخص مسرحية "ميديا" ليوربيديس، وقد لاقت هذه المسرحية شهرة كبيرة قديمًا وحديثًا؛ لتصويرها هذه المرأة سريعة الغضب شديدة الشر، وهى لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة في سبيل إرضاء غضبها.وقد عارض هذه المسرحية بعض كتاب المسرح قديمًا وحديثًا؛ وقد جذبهم لمعارضتها شخصية ميديا الشريرة التي تبالغ في انتقامها حتى إنها في سبيل ذلك تقتل ولديها؛ لتنال من زوجها ياسون بأن يكون وحيدًا في الحياة مستشعرًا هذه المآسي.وأيضًا مما جذب بعض كتاب المسرح لمعارضة هذه المسرحية ليوربيديس ما في هذه المسرحية من سرد لأحداث دموية كثيرة قامت بفعلها ميديا مع زوجها ياسون.
ولكن ياسون وكريون في هذه المسرحية قد ملاَّ الشر، ومالا للسلام، أما ميديا فهي كتلة من الشر؛ ولهذا لا يمكن إطفاؤها، وهي أيضًا ساحرة قادرة، وتتمكن بعد فعل جرائمها الأخيرة من الهرب من كورنتة؛ لتمارس شرها في أماكن أخرى، ولا نرى فيها من ملامح المرأة غير وجود عاطفة الحب منها لياسون، وإن كانت قد انتقمت منه شر انتقام حين رأته يخونها، ويهم بزواج أخرى، ويعرضها للطرد والنفي مع ولديها.
(2)
وسينكا في مسرحية "ميديا" أبقى على الخطوط العريضة لأسطورة ميديا، كما عرضها يوربيديس في مسرحية "ميديا"، وجاء اختلافه عن يوربيديس في هذه المسرحية في أنه لم يهتم كثيرًا بتصوير قدرات ميديا في السحر غير العادية؛ ولهذا بدت ميديا في مسرحية "ميديا" لسينكا أقرب للمرأة الغضوبة التي لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة عند غضبها ورغبتها في الانتقام.واعتمد سينكا في بناء مسرحية "ميديا" على المزج بين المونولوجات الطويلة التي يقوم بها بعض الشخصيات في هذه المسرحية – لا سيما ميديا والكورس المكون من جماعة من النساء من أهل كورنتة، وهن متعاطفات مع ياسون ضد ميديا – والحوارات المتراشقة القصيرة بين ميديا وخادمتها، وميديا وياسون، وميديا وكريون.
وخلال هذه المونولوجات الطويلة في هذه المسرحية نتعرف على خبايا نفوس الشخصيات الرئيسة في هذه المسرحية – وهي ميديا وياسون وكريون – وعلى بعض الأحداث التي حدثت قبل الحدث الرئيس في هذه المسرحية، مثل الجرائم الكثيرة التي قامت بها ميديا من أجل ياسون، كقتل شقيقها، وعداوة أهلها.وجاء ختام هذه المسرحية دون ذكر نهاية حاسمة لميديا، فهي قد قتلت كريون وابنته بما أرسلته مع ولديها من هدايا فيها سم لابنته، وقد ماتت حين أمسكت بها، ومات أبوها كريون حين حاول إنقاذها ، وأيضًا قتلت ولديها؛ لتشعر زوجها ياسون بشدة المرارة، وانهيار العالم من حوله، في حين تبدو هي في منتهى السعادة؛ لكونها حققت الانتقام الذي كانت ترجوه.وقد برر سينكا قيام ميديا بقتل ولديها؛ بكون زوجها ياسون شديد الولع بهما، ورأت ذلك نقطة ضعفه، وكان مصممًا على استبقائهما معه عندما قرر كريون طرد ميديا من كورنتة.(3)وفي العصر الحديث عارض هذه المسرحية جان أنوي؛ وأزال عن ميديا الجانب الأسطوري الذي وصفها به يوربيديس في كونها ساحرة تستعين بسحرها لنيل أغراضها، ومن خلاله تفر مع نهاية المسرحية من كورنتة، بعد أن بالغت في انتقامها، ولم تشعر بأي ندم.ولهذا رأينا ميديا في مسرحية "ميديا" لجان أنوي امرأة من النساء، بلا سحر، ولكنها امرأة غضوبة، وحين تغضب لا يوقفها شيء عن انتقامها؛ ولهذا قتلت كريون وابنته، وقتلت ولديها حتى تقضي على أي مصدر للسعادة في حياة ياسون، ثم تنتحر بعد ذلك، وبعد حدوث كل هذا يقول ياسون لنفسه: إن الحياة مع ما فيها من متاعب يمكن أن تحتمل، حتى يأتي الموت الذي يخصلنا منها.فالحياة – كما يراها جان أنوى في هذه المسرحية – تجربة مريرة يمكن احتمالها بمشقة أو من خلال خداع النفس بأنها محتملة حتى يأتي الموت ليخلصنا منها.وكذلك يرى جان أنوى في هذه المسرحية أن كل الناس في الدنيا ملوثون بالشر، وهناك من يميلون مع كبر سنهم وضعف قواهم للتوقف عنه ككريون وياسون، وهناك من لا يرون الحياة إلا من خلال أفعال الشر، التي يقومون بها بتلذذ كبير مثل ميديا.(4)وختامًا أقول: إن مسرحية "ميديا" ليوربيديس تصور ميديا على أنها امرأة فوق البشر بقدراتها السحرية العجيبة، وليس فيها من طبائع البشر إلا كونها أحبت ياسون، وشخصية ميديا في مسرحية "ميديا" لسينكا أقرب للمرأة، ولكنها امرأة متطرفة في غضبها وانتقامها. وظهرت شخصية ميديا في مسرحية "ميديا" لجان أنوى امرأة تستمرئ أفعال الشر، كغيرها من بني البشر، ولكنها تختلف عنهم في أنها لا تتورع عن ارتكاب أي شر، وأنها لا تشعر بأي ندم لفعل هذا الشر، ولا تمل من أفعال الشر أبدًا.