د.علي خليفة
الزوجة المشاغبة والمستبدة في تعاملها مع زوجها نمط كوميدي معروف، وغالبًا ما نرى في المسرحيات والأفلام التي تصور نمط الزوجة المشاغبة المستبدة أن زوجها ضعيف الشخصية، وغالبًا ما يفيق من ضعفه مع نهاية الفيلم أو المسرحية، ويبرز سلطته على زوجته، والغريب أنها عند ذلك تستكين وتستجيب له، كما نرى في مسرحية “النساء العالمات” لموليير ومسرحيات أخرى.
وقد صور الحكيم نمط الزوجة المشاغبة المستبدة في سبع مسرحيات، هى مسرحية “علي بابا” ومسرحية “الشيطان في خطر” ومسرحية “أصحاب السعادة الزوجية”، ومسرحية “صاحبة الجلالة”، ومسرحية “النائبة المحترمة”، ومسرحية “مصير صرصار”،ومسرحية “جنسنا اللطيف”.
ونرى زبيدة زوجة قاسم أخى علي بابا في مسرحية “علي بابا” امرأة كثيرة الشغب والخلاف مع قاسم، وتستقوى عليه أحيانًا، ويخضع لها كثيرًا.
وخلال شغبها معه نرى مواقف شديدة الطرافة في هذه المسرحية.
وأيضًا صور الحكيم في مسرحية “الشيطان في خطر” زوجة الفيلسوف امرأة قوية الشخصية كثيرة الشجار مع زوجها، وتبدو متسلطة عليه، ولا يسع زوجها الفيلسوف إلا أن يواصل خضوعه لها؛ ليضمن قلة تعكير صفو عيشه في البيت.
والمفارقة أن الشيطان الذي جاء إلى الفيلسوف ليبحث له عن حل للحرب العالمية المحتمل وقوعها قريبًا لتصعيد الدول العظمى استعداداتها للحرب، وبهذا يتوقع قيام الساعة وعقابه من الله بدخول جهنم – يترك الفيلسوف بعد شجار زوجته معه أمامه، ويسأله الفيلسوف لماذا تمشي ولم تسمع حلي الذي سأعرضه عليك لإيقاف هذه الحرب العالمية الثالثة المحتمل وقوعها؟ فيرد عليه الشيطان ساخرًا: إذا كنت لم تستطع أن توقف حرب زوجتك عليك فكيف يمكنك إيقاف الحرب العالمية الثالثة قبل حدوثها!
والحكيم يقصد بهذه المسرحية أن بعض قادة دول العالم العظمى هم أشد شرًّا من الشيطان؛ لأنهم يجرون العالم لحروب مدمرة يرغبون من ورائها في نفعهم ونفع بلادهم فقط، ولو كان هذا على حساب دول العالم الأخرى وشعوبها.
وفي مسرحية “أصحاب السعادة الزوجية” يعرض الحكيم امرأة كثيرة الشغب مع زوجها، وهى تتشكك في كل تصرفاته، وتظنه يخونها، وقد رأت في حلم أنه يغازل مغنية في فرح تستعد للذهاب إليه مع زوجها، وتتعامل مع هذا الحلم على أنه حقيقة، وتتهمه بأنه على علاقة بهذه المغنية. وحتى بعد أن علمت أن هذه المغنية لن تذهب لهذا الفرح، ولن تغني فيه تستمر هذه الزوجة في الشجار مع زوجها، وشكها في سلوكه.
وفي هذه المسرحية يقابل الحكيم بين هذه الزوجة وزوجها من ناحية، وبين أختها وزوجها من ناحية أخرى، فأختها على خلاف شخصيتها لا تبدي أي شك في سلوك زوجها، ويتضايق زوجها من برودها ولا مبالاتها بتصرفاته وأفعاله التي تثار منها كثير من النساء.
وهذه المسرحية أقرب للإسكتش الكوميدي منها لمسرحية مكتملة، والفكاهة فيها ضعيفة؛ لأن حوارها بالفصحى، مع أنها تتناول أوضاعًا اجتماعية معاصرة، وخلافات زوجية معتادة بين الأزواج.
وفي مسرحية “صاحبة الجلالة” تبدو أنيسة زوجة مستبدة كثيرة الشعب مع زوجها، بل هي التي ورطته حتى اختلس مالاً من الوزارة التي يعمل بها، واشترت بهذا المال فيلا وكتبتها باسمها.
وفي هذه المسرحية نرى استبدادها على زوجها، وتحكمها فيه وفي ابنتها وجدان وزوجها حمدي، ولا يجد رمضان زوجها حيلة للتخلص من سيطرتها عليه وعلى ابنتها وزوجها إلا أن يبلغ البوليس عن جريمة الاختلاس التي قام بها منذ سنوات بعيدة.
وبالطبع هذه النهاية تبدو غير مقنعة، فهذه الجريمة مضت عليها سنوات، ولم يكن رمضان يشعر بتأنيب ضمير كبير لفعله إياها، بل كان يخشى أن ينكشف أمره ويحبس بسببها. وليس مقنعًا ليكسر رمضان شوكة زوجته أن يسعى بنفسه للسجن، كما نرى في هذه المسرحية.
وفي مسرحية “النائبة المحترمة” نرى الزوجة النائبة في البرلمان
– في مصر قبل ثورة يوليو – قوية الشخصية، ويبدو زوجها ضعيف الشخصية مستسلمًا لها، وبالطبع هذا التقابل يثير الفكاهة.
وينهي الحكيم مسرحيته هذه بأن تستقيل هذه النائبة من البرلمان؛ لأنها اكتشفت أنها لم تستطع أن توفق بين رعاية زوجها وابنها وبيتها من ناحية وبين مسئوليات البرلمان من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه رفضت ابتزاز وزير لها هددها بعقاب زوجها؛ لأنه يعمل في وزارته.
وهي نهاية غير مقنعة، فقد رأينا هذه الزوجة طموحه قوية الشخصية، وكان زوجها مستسلمًا لها خاضعًا معها، فليس مقنعًا أن تترك طموحاتها السياسية وهى لم تجد معوقات قوية تمنعها من مواصلة عملها السياسي في البرلمان.
وفي مسرحية “مصير صرصار” نرى الزوجة سامية قوية الشخصية في حين نرى زوجها عادلاً ضعيف الشخصية، وينفذ كل طلباتها، وكان من نتيجة خضوعه لها أن أصبح يرى نفسه كالصرصار؛ ولهذا تعاطف مع الصرصار الذي رآه في البانيو يحاول الصعود من قاعه لأعلاه ليخرج منه، وهو يفشل في محاولاته كلها، وتأتي الطباخة أم عطية في النهاية لتقتله وتزيله بخرقة، ويقول عادل لأم عطية في نهاية المسرحية: تعالي يا أم عطية وهاتي خرقة وأزيليني أنا أيضًا؛ وذلك بعد ما رأى زوجته تعاود أوامرها له واستفزازاتها معه.
وأيضًا في مسرحية “جنسنا اللطيف” نرى الزوجة شخصية قوية وطموحة، وهى تعمل طيارة، ولها صديقات يعملن في مهن مختلفة منهن الصحفية والمحامية.
ويصور الحكيم هؤلاء النساء بهذه الوظائف في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي في مصر على أنه حدث غريب، وبالطبع كان حدثًا غريبًا وقتها، وما قدمه الحكيم على سبيل السخرية في هذه المسرحية كان كالنبوءة لما سيصبح عليه حال المرأة بعد ذلك من مشاركة الرجل في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر.
وتبدو الزوجة في هذه المسرحية متسلطة على زوجها، وهى جريئة جدًّا، وتستعد لقيادة طيارة من مصر للعراق في تجربة محفوفة بالمخاطر آنذاك، ونرى زوجها يخشى أن يصاحبها في هذه الرحلة.
مصطفى
: “يستسلم لهن” أمري لله! … فضلتم ورايا لغاية ما أخدتوني من الدار للنار! …”.
وقد برع الحكيم في تصوير المرأة المشاكسة قوية الشخصية،
ولا شك أنه كان يسخر منها، ويبدي تعاطفه مع الرجل المذعور منها. وكان من خلال ذلك يرسل رسائل تدل على ما يشاع عنه من أنه عدو للمرأة.
ولكن هذه المسرحيات لا يجب أن نستشف منها موقفًا للحكيم عن المرأة؛ لأنه كتبها بقصد الفكاهة والسخرية.
ونرى في مسرحياته الجادة توقيره للمرأة، كما نرى في مسرحية “شهرزاد”، ومسرحية “إيزيس”، ومسرحية “السلطان الحائر” على سبيل المثال.


