سيميائيات الصورة الإشهارية

تمهيد:تُعَدّ سيميائيات الصورة الإشهارية مجالًا معرفيًا يتقاطع فيه علم العلامات مع دراسات الإعلام والتسويق وتحليل الخطاب البصري. فالصورة الإعلانية ليست مجرد تمثيل بصري لمنتج، بل هي بنية دلالية مركّبة تُنتج المعنى عبر شبكة من العلامات البصرية واللغوية والثقافية. ومن هنا برزت أهمية المقاربات السيميائية في تفكيك آليات اشتغال الخطاب الإشهاري والكشف عن استراتيجياته الإقناعية.

أولًا: الإطار النظري للسيميائيات

يرتبط التأسيس النظري للسيميائيات بأعمال كل من Ferdinand de Saussure وCharles Sanders Peirce.عند سوسير، تقوم العلامة على ثنائية الدال (الصورة السمعية/المرئية) والمدلول (المفهوم الذهني)، والعلاقة بينهما اعتباطية. هذه الفكرة تسمح بفهم الصورة الإشهارية باعتبارها نظامًا من الدوال البصرية التي تستدعي مدلولات ثقافية.أما بيرس، فقد قدّم تصنيفًا ثلاثيًا للعلامة: الأيقونة (تشابه)، المؤشر (علاقة سببية أو مجاورة)، الرمز (علاقة اصطلاحية). والصورة الإشهارية تستثمر هذه الأنواع الثلاثة معًا لإنتاج معنى مركّب.وقد تطورت سيميائيات الصورة مع أعمال Roland Barthes، خاصة في تحليله للإعلان والصورة الفوتوغرافية، حيث ميّز بين:الرسالة اللغوية (النص المرافق للصورة)الرسالة الأيقونية غير المشفرة (المستوى التقريري)الرسالة الأيقونية المشفرة (المستوى الإيحائي/الإيديولوجي)

ثانيًا: مكوّنات الصورة الإشهارية

يمكن تحليل الصورة الإعلانية عبر مستويات متعددة:

1. المستوى التعييني (Denotation)وهو ما تُظهره الصورة بشكل مباشر: منتج، شخص، مكان، ألوان، إضاءة…مثال: صورة زجاجة عطر بجانب وردة حمراء.

2. المستوى التضميني (Connotation)وهو ما تحمله الصورة من إيحاءات ثقافية ورمزية:الوردة الحمراء قد توحي بالحب أو الأنوثة أو الرومانسية.الإضاءة الخافتة قد توحي بالغموض أو الفخامة.

3. المستوى الأسطوري (Myth)وفق تصور بارت، تتحول الدلالات التضمينية إلى “أسطورة” ثقافية تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية، كربط منتج معيّن بالنجاح أو الحرية أو الرجولة.

ثالثًا: وظائف الصورة الإشهارية.

1. الوظيفة الإقناعية: التأثير في المتلقي ودفعه إلى الاستهلاك.

2. الوظيفة الجمالية: جذب الانتباه عبر التناسق اللوني والتركيب البصري.

3. الوظيفة الإيديولوجية: تكريس أنماط ثقافية معينة (الجمال، النجاح، الطبقية…).

4. الوظيفة التداولية: توجيه سلوك المتلقي عبر استراتيجيات ضمنية.

رابعًا: آليات اشتغال الدلالة في الإعلان

التشخيص: إضفاء صفات إنسانية على المنتج.الاستعارة البصرية: تمثيل المنتج بشيء آخر يحمل صفاته (مثلاً: سيارة تُصوَّر كفهد للدلالة على السرعة).

التناص البصري: استدعاء صور أو رموز ثقافية معروفة.التضاد اللوني: خلق توتر بصري يعزز الانتباه.الصورة الإشهارية إذن خطابٌ بصريٌّ مُشفّر، يعتمد الاقتصاد في التعبير مع كثافة في المعنى.

خامسًا: البعد الثقافي والاجتماعي

لا تُفهم الصورة الإشهارية بمعزل عن السياق الثقافي؛ فالدلالات تختلف باختلاف المجتمعات. لون معيّن قد يدل على الفرح في ثقافة، وعلى الحداد في أخرى. كما أن الإعلانات تعكس التحولات الاجتماعية وتُعيد إنتاجها في الوقت نفسه، مما يجعل تحليلها مدخلًا لفهم البنية الرمزية للمجتمع.

خاتمة: تُبرز سيميائيات الصورة الإشهارية أن الإعلان ليس خطابًا بريئًا أو محايدًا، بل هو نظام دلالي مُركَّب يوظّف العلامات البصرية واللغوية والثقافية لصناعة المعنى وتوجيه المتلقي. ومن خلال أدوات التحليل السيميائي يمكن الكشف عن البُنى العميقة التي تُشكّل الخطاب الإشهاري، وفهم كيف تتحول الصورة من تمثيل بصري بسيط إلى جهاز رمزي يُعيد إنتاج القيم والأساطير الاجتماعية.

المصدر: صفحة اللسانيات واللغة العربية، مدارس ومناهج

أخر المقالات

منكم وإليكم