زكى رستم
يعد الفنان زكى رستم أحد أهم عمالقة فن التمثيل فى تاريخ مصر، ويصفه الفنان نور الشريف بأنه «ممثل مرعب، يجمع حاجتين، مدرسة التقمص، والاستايل الخاص به»، ورغم توهجه أو تألقه الفنى، انتشرت فجأة فى سنة 1957 شائعة بأنه سيعتزل لكبر سنه وحاجته للراحة، وكان عمره 54 عاما، فهو من مواليد 5 مارس 1903، وبانتشار الشائعة ذهبت مجلة «الكواكب» إليه فى شقته الفسيحة بشارع «سليمان باشا»، وكان يعيش فيها وحده مع خادم نوبى، وسألته، وأجاب، ونشرت الحوار فى عددها 318، فى 3 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1957.
تصف «الكواكب» حالة الممثل الكبير حين استمع إلى سؤال: «هل ستعتزل التمثيل حقا لكبر سنك»، قائلة: «امتقع وجه العملاق الضخم، وتصبب العرق بغزارة، وسار فى خطوط طويلة على وجهه، وارتعشت أصابع يديه، وأخرج منديله من جيب بنطلونه محاولا وقف هذا السيل من العرق، وبيده الأخرى أخرج علبة سجائره، وأشعل إحداها، وقام ودار حول كرسيه دورتين دون أن ينبث ببنت شفة، ثم عاد وارتمى على المقعد مرة ثانية، وجذب نفسا طويلا ثم قال متنهدا: لا حول ولا قوة إلا بالله، أعتزل التمثيل، لماذا، هل ترانى أسير بعكاز، ظهرى مقوس، مركب طقم أسنان، حاجة غريبة أوى، هل تعلم كم عمرى، أنا أصغر من كل ممثلى الجيل القديم الذى يبدأ بعهد يوسف وهبى، ومن يتحدانى فى ذلك فليبرز شهادة ميلاده الرسمية».
استمر «رستم» فى إبداء تعجبه، قائلا: «قل للذين يحاولون المساس بفنى وبسمعتى بإطلاق مثل هذه الشائعات المغرضة، أننى ما زلت زكى رستم بتاع زمان، ولغاية يومنا هذا أنا لو ضربت واحد قلم بإيدى ومش بعصا لازم يموت مش يتعور بس، أؤكد لك أنه سيموت من شدة الضربة، اسأل فريد شوقى، وهو ممثل شاب ملىء فتوة وحركة، أنا لما أمثل أمامه وأدوس على إيده يقول لى: حاسب علىّ يا زكى أنا مش حملك»، ويضيف: «جارى كوبر وكلارك جبيل وسينسر تراس وشارلى شابلن وغيرهم ما زالوا يمثلون رغم تعديهم الستين عاما، والمرحوم منسى فهمى ظل يمثل رغم تعديه سن السبعين حتى مات على خشبة المسرح، وبالمثل نجيب الريحانى وبشارة واكيم، الفنان لا يعتزل فنه إلا عندما يعجز تماما عن الأداء الكامل، إن الممثل طالما أنه صحيح الإلقاء سليم الأداء لا بد من أن يمثل».
سألته «الكواكب» عما يقال عن «بخله، وابتعاده عن الناس؟»، فقال: «أنا لا أبتعد عن الناس، فقط أنا حذر، جربت الاختلاط والصداقات فيما مضى، ووجدت ما علمنى الحذر، وعدم التطرف فى الصداقات، فعندما توفى والدى ترك لى ثروة كبيرة، وبهرنى العز والشباب والجاه، فأنفقت عن سعة، وعلمنى الأصدقاء درسا لن أنساه، فهم قليلون عند امتناع الاقتطاف، كثيرون عند رجاء الثمر، وأنا أعتبر ما أنفقته من مال فى شبابى لم يذهب سدى دون منفعة، فقد تعلمت من هم الأصدقاء، بل ما هى الحياة».
وعن ابتعاده عن النساء وعدم زواجه، أجاب: «عندما انتهيت من دراستى الثانوية، كان التمثيل قد أخذ من وقتى وروحى الكثير، فلم أفكر فى شىء سواه، وعندما نزلت إلى الميدان أخذت أنهل من منابعه بنهم وشغف، وشغلنى عملى الجديد عن التفكير فى الحب أو الزواج، وبعد سنين ولما استقرت أحوالى على المسرح، وثبتت أقدامى بدأت أفكر فى الزواج والاستقرار، وبحثت عن الزوجة الصالحة، لكن لم أصادف فى طوال بحثى من تتوافر فيها رغباتى والصفات التى أرتاح لها فى زوجة المستقبل، وصبرت وانتظرت على أمل أن أقابلها يوما، وطال الصبر والانتظار إلى أن فات قطار الزواج».
وعن قصص الحب التى عاشها، كشف عن قصتين غراميتين فاشلتين، قائلا: «حبى الأول بدأ فى عام 1926، كنت شابا وجيها أنيقا، قوى البنيان، عريض المنكبين، غنيا، وتعرفت على فتاة من أسرة طيبة، كانت حلوة جميل التقاطيع، ساحرة الحديث، جذابة، تلفت إليها الأنظار أينما جلست، وأينما حلت، أحببتها حبا عميقا ملك كل مشاعرى، وكانت تبادلنى هذا الحب، ولكنى فى حبها كنت أشقى وأتعذب، حتى فاضت الكأس فهجرتها غير آسف، والسبب غيرتى الشديدة عليها، كنت لا أطيق أن أراها تتحدث مع غيرى أو تضحك وتتبسط فى الحديث مع سواى، فانقطعت أنا عن حبها، بعد أن تأكد لى أننى سأعيش شقيا فى حبها وزواجى منها بعد ذلك».
ويقول عن قصة حبه الثانية، أنه بدأها بعد فترة النقاهة من حبه الأول بثلاث سنوات أو أكثر، وتعرف عليها مصادفة، وأعجبه فيها جمالها الساذج الطيب وشبابها الغض وعيونها الساحرة وقوامها الرشيق، وابتسامتها العذبة، ويؤكد: «أحببتها من كل قلبى وعشت معها فترة طويلة آملا الزواج منها عندما تحين الفرصة، ولكن للأسف لم يحدث، بسبب اختلاف الطبقات بيننا، ورغم تأكدى من أن الحب لا يعترف بالفوارق فى الطبقات والأعمار إلا أنه لأسباب خارجة عن إرادتى لم أتزوجها، بعد حب دام أكثر من ثمانى سنوات، وانتهى أجله فى عام 1944».
******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت


