سردية الحجر في العمارة الدفاعية للمدن الكنعانية..بين الجمال والقوة والتاريخ والذاكرة.في بوابة أوغاريت.- تقديم الباحث:د.غسان القيم.

بوابة أوغاريت: سردية الحجر في العمارة الدفاعية للمدن الكنعانية..بين الجمال والقوة والتاريخ والذاكرة..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين يقترب الزائر من مدينة أوغاريت لا يدخلها دفعةً واحدة بل يتوقف أولًا.
ذلك التوقف ليس اختيارًا بل فرضه الحجر.
هناك عند الحدّ الفاصل بين الخارج والداخل تقف بوابة المدينة. لا ترحّب ولا تُقصي بل تُعلن:
هنا تبدأ أوغاريت.
هذه البوابة التي تعود في بنائها إلى الألف الثاني قبل الميلاد ليست مجرد عنصر معماري بل نصٌّ صامت كُتب بالحجر يحمل في طبقاته معنى السلطة والخبرة والوعي المبكر بفن التحصين.
ومن هذا الحجر تبدأ حكاية البحث.
إشكالية الدراسة ومنطلقها
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن بوابة أوغاريت لم تكن عنصرًا إنشائيًا معزولًا بل جزءًا من منظومة فكرية ومعمارية متكاملة أسهمت في تطوير العمارة الدفاعية في المدن الكنعانية الساحلية.
وعليه تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي:
كيف عبّرت بوابة أوغاريت عن تطور معماري عسكري وما مدى تأثير هذا النموذج في تخطيط المدن الكنعانية الأخرى؟
أولًا: أوغاريت والسياق التاريخي للبوابة.
شهدت أوغاريت خلال الألف الثاني قبل الميلاد. مرحلة ازدهار سياسي واقتصادي جعلها عرضة للتنافس الإقليمي. هذا الواقع لم ينعكس فقط في نصوصها الدبلوماسية بل تجلّى بوضوح في عمرانها.
فالمدينة التي كانت مفتوحة على البحر والتجارة كان عليها في الوقت ذاته أن تكون محصّنة واعية لمخاطر الطرق بقدر وعيها بفرصها.
هنا تظهر البوابة بوصفها أول استجابة معمارية لهذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والحماية.
ثانيًا: السرد المعماري للبوابة حين يتكلم الحجر
شُيّدت بوابة أوغاريت من كتل حجرية ضخمة اختيرت بعناية من حيث الصلابة والحجم، ورُصّت وفق نظام إنشائي يُظهر معرفة دقيقة بخصائص المواد.
غير أن ما يمنح هذه البوابة تميّزها ليس المادة فحسب بل الفكرة الكامنة خلف الشكل.
فالنتوءات الحجرية البارزة لم تكن زينة، بل عائقًا مدروسًا.
والممر غير المستقيم لم يكن خطأً إنشائيًا بل حيلة دفاعية تُبطئ الحركة وتُربك المهاجم.
أما سماكة الجدران فكانت بمثابة رسالة واضحة: المدينة تعرف أن تُدافع عن نفسها.
بهذا المعنى تتحوّل البوابة إلى نصٍّ عسكري مكتوب بلغة العمارة.
ثالثًا: من بوابة إلى منظومة الامتداد الأوغاريتي
لم تتوقف العبقرية المعمارية الأوغاريتية عند حدود البوابة. فالمنطق الدفاعي ذاته امتدّ ليشمل الأسوار التي احتضنت المدينة وربطت مداخلها ضمن نظام واحد.
كما انعكس هذا الوعي في القصور الملكية التي جمعت بين الفخامة والتحصين وفي المعابد التي وُضعت في مواقع مدروسة داخل النسيج العمراني.
وهكذا لم تكن العمارة في أوغاريت استجابة جزئية بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا.
رابعًا: التأثير الكنعاني للنموذج الأوغاريتي
تشير المقارنات الأثرية إلى أن نمط بوابات المدن ذات النتوءات والتحصينات المتقدمة انتقل إلى عدد من المدن الكنعانية الأخرى.
ولا يبدو هذا الانتقال مصادفة بل نتيجة مباشرة للمكانة الحضارية التي احتلتها أوغاريت بوصفها مركزًا للتفاعل والتأثير في شرق المتوسط.
لقد أصبحت بوابة أوغاريت نموذجًا يُحتذى لا يُقلَّد حرفيًا بل يُعاد إنتاجه وفق السياقات المحلية وهو ما يؤكد عمق تأثيرها المعماري.
خامسًا: البوابة كرمز وهوية
إلى جانب وظيفتها الدفاعية حملت بوابة أوغاريت بُعدًا رمزيًا. فهي واجهة المدينة وصورتها الأولى في عين القادم.
ومن خلالها تُقرأ قوة الدولة وتنظيمها وقدرتها على تحويل الخوف إلى نظام والحجر إلى معنى.
ولهذا السبب ما تزال البوابة قائمة حتى اليوم، لا بوصفها بقايا أثرية فحسب، بل شاهدًا على عقلٍ حضاريٍّ أدرك مبكرًا أن العمارة لغة لا تقل شأنًا عن النص.

لقد كشفت دراسة بوابة أوغاريت أن العمارة الدفاعية في هذه المدينة لم تكن وليدة الضرورة فقط بل ثمرة وعيٍ حضاري متقدّم.
لقد كانت البوابة نقطة التقاء بين الجمال والقوة بين السرد والحجر وبين التاريخ والذاكرة.
ومن خلالها أسهمت أوغاريت في صياغة تقاليد معمارية دفاعية تركت أثرها الواضح في المدن الكنعانية مؤكدةً دورها الريادي في تاريخ العمارة القديمة..

المدينة في أوغاريت لم تُبنَ كفراغٍ سكني بل كنظامٍ متكامل:
أسوار تحمي وتُعلن السيادة.
قصور تعكس مركزية الحكم وقوته.
معابد ترتفع بوصفها صلةً بين الإنسان والسماء.
وهكذا أصبحت العمارة الأوغاريتية لغةً بصرية تُعبّر عن السلطة والتنظيم والهوية الحضارية تمامًا كما عبّرت نصوصها المسمارية عن الفكر والعقيدة والأدب.
حجرٌ لم ينسَ دوره
وما يزيد من هيبة بوابة أوغاريت أنها ما تزال قائمة حتى اليوم شامخة راسخةً في مكانها كأنها ترفض مغادرة وظيفتها الأولى: الشهادة على عظمة مدينةٍ عرفت كيف تكتب تاريخها بالحجر.
اليوم يقف الزائر أمامها ليلتقط صورة لها لكنه في الحقيقة يلتقط لحظة اتصال نادرة مع زمنٍ بعيد زمنٍ كانت فيه أوغاريت تصوغ ملامح العمارة الكنعانية وتمنحها نموذجًا سيبقى أثره ممتدًا عبر مدن الساحل وذاكرة الشرق القديم.
بوابة أوغاريت ليست مدخلًا إلى مدينةٍ أثرية فقط بل مدخلًا إلى فهم حضارةٍ أدركت مبكرًا أن البناء ليس فعل تشييدٍ فحسب بل فعل وعيٍ وبقاء..

سرد تاريخي
“”””””””””””””””
غسّان القيِّم..عاشق أوغاريت..

المراجع العلمية
“””””””””””””””””””””
Yon, Marguerite. Ugarit at Ras Shamra. Eisenbrauns, 2006.
Bordreuil, Pierre & Pardee, Dennis. A Manual of Ugaritic. Eisenbrauns, 2009.
Markoe, Glenn E. Phoenicians. University of California Press, 2000.
Liverani, Mario. International Relations in the Ancient Near East. Palgrave Macmillan, 2014.
Smith, Mark S. The Ugaritic Baal Cycle. Brill, 1994..

ترجمة لعناوين المراجع إلى اللغة العربية

يون مارغريت
أوغاريت في رأس شمرا
دار أيزنبراونز للنشر 2006.
بوردرُوي بيير & بارديو، دينيس
دليل اللغة الأوغاريتية
دار أيزنبراونز للنشر، 2009.
ماركو غلين إي.
الفينيقيون
منشورات جامعة كاليفورنيا، 2000.
ليفِراني ماريو
العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم
دار بالغريف ماكميلان، 2014.
سميث، مارك س.
دورة بعل الأوغاريتية
دار بريل للنشر، 1994..
الصورة المرفقة بعدستي بوابة القصر الملكي الكبير الحصن المحصن

أخر المقالات

منكم وإليكم