سيطرت الإمبراطورية الصينية على زراعة وإنتاج الشاي في منتصف القرن التاسع عشر، وظلت أسرار هذه النبتة الثمينة محصورة إلى حد كبير داخل أراضيها. في المقابل تصاعد ولع بريطانيا العظمى بهذا المشروب، حيث أصبحت خزائنها تنزف الفضة باستمرار لتلبية هذا الشغف القومي. عندها برزت الحاجة إلى تدخل حاسم، فاختارت شركة الهند الشرقية عالم النباتات الاسكتلندي روبرت فورتشن لتنفيذ واحدة من أجرأ المهام المرتبطة بجمع المعرفة النباتية في التاريخ.
توغل فورتشن في عمق الأراضي الصينية الداخلية، وهي مناطق كان دخولها مقصورًا في الغالب على السكان المحليين. ارتدى أزياء التجار الصينيين التقليدية، وحلق مقدمة رأسه، وزرع جديلة شعر مستعارة خلف ظهره ليطابق المظهر المحلي بدقة لافتة. كما أتقن بعض العبارات المحلية، واستعان بمرشدين موثوقين لتجاوز نقاط التفتيش الصارمة، مندمجًا ببراعة وسط المزارعين والعمال في حقول الشاي الجبلية.
راقب فورتشن عن كثب تفاصيل العمليات المعقدة لتحويل الأوراق الخضراء الطازجة إلى شاي أسود وأخضر معدّ للتصدير، وسجل بدقة كل خطوة من مراحل التجفيف والمعالجة في مذكراته الخاصة. وبدأ بجمع آلاف البذور الحية والشتلات الصغيرة من أجود أنواع الشاي، وخبأ محاصيله الثمينة بحذر شديد تحضيرًا لرحلة العودة الطويلة.
واستعان عالم النباتات بحاضنات زجاجية محكمة الإغلاق تُعرف باسم “صناديق وارد” لضمان بقاء الشتلات حية طوال الرحلة البحرية الشاقة نحو الهند. كما عزز فورتشن نجاح مهمته بتوظيف عدد من المزارعين والخبراء الصينيين المهرة، واصطحب بعضهم معه إلى جبال الهيمالايا الهندية للمساهمة في تأسيس مزارع الشاي الجديدة هناك.
أثمرت هذه المغامرة نجاحًا كبيرًا لصالح شركة الهند الشرقية. ازدهرت شتلات الشاي الصيني في تربة مناطق دارجيلنغ وآسام الهندية، وبدأ الإنتاج التجاري الواسع يغزو الأسواق العالمية. وهكذا أسهمت مهمة روبرت فورتشن في تغيير مسار تجارة الشاي الدولية، ونقل مركز الثقل من الصين إلى الهند البريطانية.
#حقبةتاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت..


