رمزية الرقم سبعة في بلاد الرافدين.

من الرقم سبعة إلى ذاكرة الرافدين: رحلة من السماء إلى لالش

هل نحن أمام رقم مقدس، أم أمام ذاكرة كونية عاشت آلاف السنين؟

منذ مدة وأنا أتتبع ملاحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها أخذت تكبر كلما تعمقت فيها: الرقم سبعة يتكرر بصورة لافتة في الثقافة الإيزيدية.
في البداية قد يبدو الأمر مجرد مصادفة؛ سبعة هنا وسبعة هناك. لكن عندما نجمع ما يظهر في العقيدة والطقوس والعمارة والموسيقى والملابس والطعام والولادة والزواج والعزاء والحياة اليومية، ثم نقارن ذلك بما نعرفه عن الرقم سبعة في حضارات بلاد الرافدين القديمة، يصبح من المشروع أن نطرح سؤالًا أكبر:
هل الرقم سبعة مجرد رقم مقدس متكرر؟ أم أنه كان جزءًا من تصور كوني أقدم، تحولت بعض صوره عبر الزمن من لغة إلى أخرى، ومن حضارة إلى أخرى، حتى ظهرت في الثقافة الإيزيدية بصور جديدة؟
أنا لا أطرح هنا نتيجة نهائية، ولا أقول إن الإيزيديين «هم السومريون»، ولا إن كل سباعية إيزيدية جاءت مباشرة من سومر. التاريخ أعقد من ذلك بكثير.
إنما أحاول أن أضع أمام القارئ مجموعة من الشواهد والأسئلة، وأن أترك الباب مفتوحًا أمام البحث.
السبعة في سماء العراق القديم
عندما ننظر إلى الفكر الفلكي في بلاد الرافدين، نجد أن السماء كانت جزءًا أساسيًا من فهم الإنسان للنظام والزمن.
فقد عرفت التقاليد الفلكية القديمة مجموعة من سبعة أجرام سماوية: الشمس والقمر والكواكب الخمسة المرئية بالعين المجردة: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.
وبذلك أصبح لدينا:
الشمس + القمر + خمسة كواكب = سبعة أجرام سماوية.
ومن هنا ارتبطت السماء بالزمن، وارتبطت الأجرام السماوية بالأيام في التقاليد اللاحقة التي عرفت الأسبوع ذي الأيام السبعة.
ففي الذاكرة الرافدينية لم تكن السماء مجرد منظر جميل فوق الإنسان، وإنما كانت كتابًا يُقرأ منه الزمن والنظام والحركة.
وهذه نقطة مهمة جدًا عندما نصل إلى الثقافة الإيزيدية.
سبعة أبواب في عالم ما وراء العالم
في الأدب الرافديني القديم نجد إحدى أشهر السباعيات في قصة نزول إنانا/عشتار إلى العالم السفلي.
تمر الإلهة عبر سبعة أبواب، وعند كل باب تفقد جزءًا من زينتها حتى تصل إلى العالم السفلي.
هنا يصبح الرقم سبعة مرتبطًا بفكرة:
البداية → المرور بالمراحل → الوصول إلى عالم آخر.
أي أن السبعة ليست مجرد عدد للأبواب، بل يمكن أن تؤدي وظيفة رمزية مرتبطة بالعبور والتحول.
ولهذا عندما نجد لاحقًا فكرة «البوابات السبعة» في ثقافات أخرى، ينبغي ألا نقول فورًا إنها امتداد مباشر لهذه الأسطورة، ولكن ينبغي أن نسأل:
لماذا كان الرقم سبعة مناسبًا في المخيال الرافديني لفكرة العبور بين العوالم؟
سبعة حكماء حملوا المعرفة
وفي تقاليد بلاد الرافدين القديمة تظهر أيضًا فكرة الحكماء السبعة المرتبطين بالعالم السابق للطوفان، والذين ارتبطوا بنقل المعارف والحرف والفنون إلى البشر.
وهنا نلاحظ شيئًا جميلًا:
فالسبعة لم تكن مرتبطة فقط بالسماء.
لقد أصبحت مرتبطة أيضًا بـ المعرفة.
فنجد:
سبعة كواكب → معرفة السماء
و
سبعة أبواب → عبور بين العوالم
و
سبعة حكماء → انتقال المعرفة
وهذه كلها وظائف مختلفة للرقم نفسه.
ثم نصل إلى الإيزيديين
عندما ننتقل إلى الثقافة الإيزيدية، يظهر الرقم سبعة بقوة شديدة.
في التصور الديني الإيزيدي نجد السبعة المقدسين أو الملائكة السبعة، وعلى رأسهم طاووس ملك.
وهذه ليست سباعية ثانوية، بل تقع في قلب التصور الكوني.
وتذكر بعض الدراسات أن الروايات الإيزيدية تربط هؤلاء السبعة أيضًا بأيام الأسبوع، بحيث يرتبط كل واحد منهم بيوم.
وهنا يظهر تركيب شديد الأهمية:
سبعة ملائكة
سبعة أيام
سبعة أجرام سماوية
نظام كوني واحد
هل هذا دليل على استمرارية مباشرة من بابل؟
ليس بالضرورة.
لكن التشابه يستحق البحث.
عندما يصبح الرقم سبعة حجرًا
ربما تكون إحدى أقوى النقاط المادية التي أمامنا هي لالش.
ففي لالش توجد سبعة أعمدة حجرية مرتبطة بالملائكة السبعة في التفسير الديني للمكان.
وهنا يحدث شيء مهم جدًا.
الرقم الذي كان موجودًا في العقيدة أصبح:
عقيدة → عدد → عمارة → حجر.
لم يعد الرقم فكرة في ذهن الإنسان فقط، وإنما أصبح جزءًا من المكان المقدس.
وهذه إحدى أهم النقاط التي يجب أن نتوقف عندها في دراسة العمارة الإيزيدية.
سبعة ألوان… من النور إلى قوس قزح
ومن هنا نصل إلى عنصر آخر لفت انتباهي منذ بداية هذا البحث:
الألوان السبعة.
في بعض الروايات والتفسيرات الإيزيدية ترتبط الألوان السبعة بالملائكة السبعة وبطاووس ملك وقوس قزح.
وهنا يمكن أن نرى صورة رمزية جميلة:
نور واحد

طيف

سبعة ألوان

سبعة ملائكة
وإذا صحت هذه القراءة، فإن الرقم سبعة يصبح وسيلة للانتقال من الوحدة إلى التعدد دون أن يفقد التعدد علاقته بالمصدر الواحد.
لكن يجب أن نكون واضحين: هذه قراءة رمزية وليست إثباتًا علميًا أو تاريخيًا بأن الإيزيديين كانوا يفسرون الضوء وفق علم الطيف الحديث.
سبعة أيام في الجماعية
ومن أقوى الشواهد الموثقة أيضًا أن عيد الجماعية في لالش يستمر سبعة أيام.
وهنا نجد الرقم سبعة في الزمن الطقسي نفسه.
فالسبعة المقدسة لا تبقى في السماء، بل تنزل إلى الأرض وتصبح:
سبعة أيام من العبادة والزيارة والطقوس والجماعة.
وبذلك نرى انتقالًا آخر:
الكون → الزمن → الطقس.
سبعة أنواع من الحبوب
ثم نغادر المعبد إلى الأرض.
في بعض الطقوس المرتبطة بـ خدر إلياس نجد استخدام سبعة أنواع من الحبوب في تحضير الطعام الطقسي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في رأيي.
لأن الحبوب ليست كواكب ولا ملائكة ولا أعمدة.
إنها:
الأرض والزراعة والغذاء والحياة.
وهكذا يصبح الرقم سبعة حاضرًا في شيء يومي ومادي جدًا.
ومن السماء إلى الأرض:
الكواكب السبعة

الملائكة السبعة

الأيام السبعة

الحبوب السبعة.
السبعة في الموسيقى
وهنا يدخل بحثنا في عالم آخر:
الموسيقى.
أشرتُ إلى أن ناي القوالين يحتوي على سبع فتحات، وإلى السلم الموسيقي السباعي.
وهذا يحتاج إلى دراسة موسيقية متخصصة، لأن وجود السلالم السباعية في الموسيقى ظاهرة عالمية، ولا يمكن اعتبارها وحدها دليلًا على أصل رافديني.

بقلم : #علو خلف الشرف#,مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم