د .منقذ العقاد يكتب عن هرم ماسو ،و الاحتياجات الضرورية للبشر.

“هرم ماسلو ” أم ” مسدس ماسلو”..؟!بقلم: منقذ العقاد “هرم ماسلو ” يكاد يكون ذائع الصيت في أوساط العاملين في المجالات الإنسانية الاجتماعية والنفسية.هو نموذج وضعه عالم النفس “أبراهام ماسلو” لشرح دوافع الإنسان واحتياجاته، ويُعد من أشهر النظريات في علم النفس الإنساني. تقوم فكرته ببساطة على أنّ الإنسان يسعى لإشباع احتياجاته بشكل تدريجي من الأسفل إلى الأعلى، ولا ينتقل عادةً للمستوى الأعلى إلا بعد تلبية المستوى الأدنى.هذه البساطة في هرم ماسلو، هي كبساطة الطبيعة، الطبيعة التي وصفها آلبرت آينشتاين بأنها بسيطة، ولكنها بساطة تتسم بالعمق!وهذا الهرم، يبدو بسيط الفهم، بسيط السرد والشرح، ولكنها البساطة التي تتسم بالعمق.لدرجة مهما حاولت التحايل على بناء الهرم وتغيير تسلسل بنائه من القاعدة للقمة ستجد نفسك مستسلماً أمام بنيانه المرصوص.يخبرنا الهرم أنّ كل أفعالنا وسلوكنا وتصرفاتنا وراءها دوافع واحتياجات نفسية هي التي تتحكم فينا وتشكل سلوكنا ووجودنا. وأنّ هذه الاحتياجات مثل اللعبة المتسلسلة لا يمكن تخطّي مستوى حتى تتجاوز المستوى الذي قبله بنجاح.حيث تمرّ احتياجاتنا من القاعدة العميقة إلى القمة السامية في احتياجات تنتقل من احتياجات وجود وبقاء إلى احتياجات تتوافق مع طبيعتنا الفطرية إلى احتياجات تلبي القوة العقلية والروحية فينا والتفرد المذهل.وأول هذه الاحتياجات هي الاحتياجات الفسيولوجية من الطعام والماء والهواء والنوم، فأي إنسان تحرمه من هذه الاحتياجات كلياً يموت، أو تحرمه منها جزئياً يصير عاجزاً عن الأداء الأمثل ولا يتصرف بميزان وتوازن. فالجوع خط أحمر، والغذاء هو الأمن العميق غير القابل للتفاوض.وبعد هذا المستوى من الاحتياج البشري يأتي الاحتياج التالي: “الأمان”، والأمان يعني الاستقرار، يعني عدم الخوف على النفس، على المصير، عدم الخوف من الغد، يعني توفر السكن، العمل، والحماية للذات والممتلكات من السرقة أو القتل أو الإيذاء الفعلي أو اللفظي. وهذا الاحتياج هو المستوى الفطري القديم المتجدد الذي يمنح الإنسان الحد الأدنى للشعور بأن له حيز في الوجود، حيز محمي.لينتقل الإنسان بعدها إلى المستوى الثالث من الاحتياجات البشرية وهو ” الانتماء” الذي يعني المحبة والروابط الاجتماعية والأسرية والوطنية، حيث يستشعر الإنسان هويته الإنسانية، ويتلمس فطرته الاجتماعية، ويتحقق من هويته الوطنية وانتمائه للأرض التي ولد فيها وترعرع.. وفي هذا المستوى يدرك الإنسان أبعاد وجوده الإنساني، ويتعرف على ذاته ويستكشف طباعه وتصقل شخصيته ويتصلب عوده وينغرس عميقاً في بيئته وأرضه وبلاده. لينتقل بعدها إلى الاحتياج التالي وهو مستوى ” التقدير” فهنا يكون الإنسان شبعان ولديه مسكن وعمل وعلاقات وهوية وانتماء، فيمضي قدماً نحو الشعور بالتقدير، الذي هو احتياج بشري عميق، احتياج يمنح صاحبه احترام ذاته واحترام الآخرين والثقة بالنفس وبالتالي السعادة، والسعادة بحد ذاتها ترفع من الجاهزية النفسية للإنسان ومن قدرته الإنتاجية والإبداعية.. لينتقل الإنسان إلى آخر مستويات احتياجاته صعوداً في هرم ماسلو ليبلغ القمة وهو المستوى النبيل، مستوى ” تحقيق الذات” حيث يكون الإنسان فرداً قد لبّى احتياجات بقائه البدائية الحيوية واحتياجاته البشرية واحتياجاته العاطفية واحتياجاته الفكرية والنفسية العميقة ليكون في مستوى التفرد، وهي سمة الإنسان الحقيقي وصفة النجاح ومعيار الإنتاج والتنافس والابتكار والريادة والقوة العظيمة والتمكين والتنمية المستدامة.ولو تأملتم مثلي الهرم من كل جوانبه وإسقاطاته لوجدتم أنه يصلح أن يكون مقياساً في اختيار التخصص الدراسي، والعمل، وشريك الحياة ” كأفراد” ويصلح في اختياره خارطة طريق لبناء مجتمع متماسك متراص متآلف متحاب لا ثغرات فيه ولا ثغور ولا تخلخل ولا هشاشة في نسيجه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، مجتمع قادر على أن ينهض وينمو ويزدهر وينافس ويتقدم، ولا يمنح فرصة لعدو ظاهر أو باطن.إلا أن ذلك لا يكون من دون سياسات واعية استراتيجية تستشرف المستقبل والطبيعة الحقيقة للمجتمعات، فتلبي الاحتياجات بهذا التسلسل الصارم والحازم وبإيقاع من الجدية وإدراك مخاطر التهاون..فالمجتمع الجائع لن يستقر في مستوى الأمان، والمجتمع الخائف القلق لن يستقر في مستوى الانتماء..والمجتمع المتمزق النسيج الاجتماعي لن يستقر في مستوى الاحترام والتقدير والاستدامة..والمجتمع الفاقد للاحترام والثقة بالنفس لن يستقر في مستوى الابتكار والإبداع والمنافسة.إن الاستدامة السياسية تقوم على الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ولن يتحقق ذلك إذا طبق هرم ماسلو بالمقلوب، بل ستكون النتيجة فوضى خفية قد تعوم للسطح، وفشل استراتيجي عواقبه كامنة في مقدماته، واستنزاف بشري ومالي واجتماعي سيجعل المجتمع ضعيفاً.هذا الأمر ينطبق على المجتمعات والأمم كما ينطبق على الأفراد.فالمجتمع يبنى بمراعاة تسلسل احتياجات أبنائه وخطة التنمية المستدامة لا يمكن أن تقفز فوق احتياجات الإنسان الجوهرية، لأنها ستكون قفزة انتحار!والله تعالى قال في سورة قريش: ” لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” الجوع والخوف نقمة هدّامة والشبع والأمان نعمة مستدامة ..وحينما نوحد الجهود ونبدع في الحلول لتحقيق ملامح هوية اقتصادية واجتماعية تضمن المعيشة والأمان فنحن حتماً في الطريق الصحيح ..فالمجتمع الحقيقي القوي الذي يعول عليه في رحلة البناء والنماء، هو الذي تتوحد فيه الأصوات لا الذي تتداخل فيه الأصداء..!ولنتذكر جيداً: عندما نتجاهل تسلسل الأولويات في تلبية الاحتياجات ونتغافل عن خطّ البناء الهرمي وحيد الاتجاه فنحن كمن يحول هرم ماسلو البنّاء والحيوي إلى ما يشبه المسدس المصوّب نحو مستقبلنا…! #د.منقذالعقاد#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم