في أروقة مدينة نينوى حيث كانت جدران القصور تلمع تحت شمس آشور الثقيلة وحيث كانت تُكتب مصائر الملوك على ألواح الطين كما تُكتب كلمات الريح على وجه الصحراء.. كان هناك حكيمٌ يهمس بما هو أبقى من السيف والعرش: أحيقار الحكيم.في القرن السابع قبل الميلاد في زمن الملك الآشوري سنحاريب حين كانت الإمبراطورية تمتد كظلٍّ طويلٍ على الهلال الخصيب لم يكن صوت القوة وحده هو الذي يُسمع بل كان هناك صوت آخر أكثر خفوتًا.. صوت الحكمة التي تعرف الإنسان من الداخل لا من خارج تاجه.قال آحيقار الحكيم لتلميذه كمن يضع يده على جرح العالم لا على زخرفته: “يا بني، إن عين الإنسان هي كينبوع ماء لا تشبع من الأموال حتى تمتلئ بالتراب”لم تكن هذه الجملة مجرد وعظٍ أخلاقي بل كانت قراءةً مبكرة لطبيعة الإنسان في حضارةٍ كانت ترى في الغنى امتدادًا للخلود وفي التملك علامةً على رضا الآلهة لكن أحيقار القادم من قلب البلاط الآشوري وخبرة الكتّاب والوزراء، كان يرى ما وراء ذلك: أن الرغبة إذا تُركت بلا حدود تحوّلت إلى عطشٍ لا يرويه شيء.. حتى لو امتلأ العالم ذهبًا.في ذلك الزمن كانت نينوى مدينةً تتنفس من فم السياسة والحرب وتكتب مجدها على حدود النار. ومع ذلك وسط ضجيج المراسيم ورنين الأسلحة وُجد من يجرؤ على القول إن الإنسان قد يضلّ طريقه لا لأنه فقير، بل لأنه لا يعرف الاكتفاء.كأن أحيقار كان يهمس بتاريخٍ آخر للإنسان تاريخ لا تُقاس فيه القوة بعدد المدن بل بقدرة القلب على أن يقول: يكفي.وهكذا بقيت كلمته تتنقل من ألواح الطين إلى ذاكرة الحكاية كأنها نبعٌ آخر مضاد لذلك النبع الذي تحدّث عنه. نبعٌ لا يفيض ماءً بل وعيًا.. يذكّر بأن العين التي لا تشبع ليست نقصًا في المال بل في حدود الرضا.وفي ظل سنحاريب حيث كان المجد الآشوري في أوج امتداده كان صوت الحكيم أشبه بظلٍّ خفيفٍ على جدارٍ عظيم..لكنه الظل الذي يمنح المعنى للضوء نفسه.د.غسان القيم
#د.غسان القيم مجلة ايليت فوتو ارت .


