دلالة قوله تعالى: «بلسان عربي مبين» بين التفسير والبيان اللغوي

مقدمة

تُعدّ عبارة «بلسان عربي مبين» من العبارات القرآنية التي تفتح مجالًا واسعًا للتأمل في طبيعة اللغة العربية ووظيفة البيان في تبليغ المعنى. فهي لا تقتصر على تحديد اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، بل تثير أسئلة تتصل بخصائص اللسان العربي، وعلاقة اللفظ بالمعنى، ودور الوضوح اللغوي في تحقيق الفهم والتواصل. وقد تناول علماء التفسير واللغة والبلاغة هذه العبارة من زوايا متكاملة، فبحثوا في معنى اللسان، ودلالة وصفه بالعربية، وما يفيده وصفه بالإبانة.

قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ۝ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 193-195).

وتنبع أهمية هذه الآيات من أنها تربط بين مصدر الوحي، وتلقي النبي له، ووظيفته التبليغية، واللسان الذي تحققت به عملية الإبلاغ. ومن ثمّ، فإن فهم العبارة يقتضي الجمع بين التفسير المأثور والتحليل اللغوي والبلاغي.

أولًا: الدلالة المعجمية للسان العربي المبين

يتكون التعبير القرآني من ثلاثة عناصر أساسية: «لسان»، و«عربي»، و«مبين». ولكل عنصر منها دلالته التي تسهم في بناء المعنى الكلي.

فاللسان في الاستعمال العربي هو العضو المعروف الذي يتحقق به النطق، ثم اتسع استعماله ليُطلق على اللغة نفسها، باعتبارها نظامًا من الأصوات والألفاظ والتراكيب التي يتواصل بها أفراد الجماعة اللغوية. ولذلك لا يُراد باللسان في الآية العضو الجسدي، وإنما اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

أما وصف اللسان بأنه «عربي»، فيحدد النظام اللغوي الذي ورد به الخطاب القرآني، بما يشتمل عليه من مفردات وتراكيب وأساليب وطرائق في التعبير. ولا يعني ذلك أن كل لفظ قرآني يجب أن يكون شائعًا عند كل عربي، بل إن فهم بعض الألفاظ قد يحتاج إلى معرفة الاستعمالات العربية القديمة والسياقات التي وردت فيها.

وأما «مبين»، فهي من مادة (ب ي ن)، التي تدور حول الظهور والانكشاف والتمييز. والإبانة قد تكون لازمة، بمعنى اتضاح الشيء وظهوره، وقد تكون متعدية، بمعنى إيضاحه وإظهاره لغيره. وعلى هذا، فإن وصف اللسان بالمبين يحتمل معنى وضوح عربيته، كما يحتمل دلالته على الإفهام وإظهار المعاني.

وبذلك يجمع التعبير بين تحديد اللغة التي نزل بها القرآن، والإشارة إلى خاصية البيان التي يتصف بها خطابه.

ثانيًا: تفسير الطبري لمعنى «بلسان عربي مبين»

يقدم أبو جعفر الطبري (ت 310هـ) في كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن تفسيرًا يربط العبارة بسياق نزول الوحي وموقف المخاطبين منه. فهو يفسر قوله تعالى «بلسان عربي مبين» بأن القرآن نزل بلسان العرب، بحيث يتبين لمن يسمعه أنه كلام عربي.

ويبرز في تفسيره بُعدٌ تداولي مهم؛ إذ يرى أن التصريح بعربية القرآن يردّ على المعرضين عنه من مشركي قريش، فلا يكون لهم أن يحتجوا بعدم فهم لغته، لأنه نزل بلسانهم الذي يعرفونه. فالإعراض، وفق هذا السياق، لم يكن ناشئًا عن استحالة فهم اللغة، وإنما ارتبط بالتكذيب والاستكبار.

ويكشف هذا التفسير عن علاقة وثيقة بين اللغة ومقام الخطاب؛ فاللغة ليست مجرد وعاء محايد يحمل المعنى، بل هي عنصر في تحديد المخاطَب وإقامة الحجة عليه. وعندما يُخاطَب الإنسان بلسانه، يصبح فهم الرسالة ممكنًا من حيث اللغة، وإن لم يستلزم ذلك قبوله بمضمونها.

ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين: وضوح الخطاب من جهة اللغة، والاستجابة له من جهة المتلقي. فقد يكون الكلام مفهومًا من حيث ألفاظه وتراكيبه، ومع ذلك يرفضه المخاطَب لأسباب تتجاوز الفهم اللغوي.

ثالثًا: الإبانة في التصور اللغوي والبلاغي القديم

لا يقتصر مفهوم الإبانة في التراث العربي على سهولة الألفاظ أو خلوّ الكلام من الغموض، بل يتصل بقدرة اللغة على إظهار المعاني وإيصال المقاصد وفق مقتضيات الاستعمال والسياق.

وقد اهتم أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ) في كتابه معاني القرآن وإعرابه بتفسير التراكيب القرآنية من خلال النظر في دلالاتها ووجوه إعرابها واستعمالاتها العربية. ويمثل هذا الاتجاه امتدادًا للمنهج الذي يجعل فهم القرآن متصلًا بمعرفة سنن العربية في التعبير.

كما تناول الزمخشري (ت 538هـ) في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل الآية في سياقها البلاغي، وهو منهج يربط بين اختيار الألفاظ، وبناء التراكيب، وأثرها في أداء المعنى. وتتيح هذه المقاربة النظر إلى وصف القرآن بأنه «مبين» بوصفه وصفًا يتجاوز مجرد الانتماء إلى لغة معينة، ليتصل بخصائص الخطاب وطرائق دلالته.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الإبانة تتحقق من خلال تضافر عناصر متعددة، منها دقة اختيار اللفظ، وانتظام التركيب، ومناسبة الكلام للمقام، وما يتيحه السياق من قرائن تساعد على تحديد المراد.

رابعًا: «بلسان عربي مبين» في ضوء نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

يتيح مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، كما عرضه في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، مدخلًا مهمًّا لفهم العلاقة بين اللغة والبيان في الخطاب القرآني.

فالنظم عند الجرجاني لا يقوم على جمع الألفاظ بعضها إلى بعض بصورة آلية، وإنما يتحقق من خلال توخي معاني النحو، أي تنظيم العلاقات بين الكلمات وفق مقتضيات المعنى. ولذلك لا تستمد العبارة قيمتها البيانية من مفرداتها منفردة، بل من الطريقة التي تنتظم بها هذه المفردات في تركيب يؤدي معنى مخصوصًا.

وبالاستناد إلى هذا التصور، يمكن فهم وصف اللسان العربي بأنه «مبين» من خلال خصائص العربية في بناء العلاقات بين عناصر الجملة، والتعبير عن المعاني بواسطة التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف والذكر، والفصل والوصل، وغيرها من الوسائل التركيبية والبلاغية.

فالإبانة ليست صفة للمفردة وحدها، وإنما قد تنشأ من العلاقات التي تربط المفردات بعضها ببعض. وقد يكون اللفظ مألوفًا في ذاته، لكن دلالته الدقيقة لا تتحدد إلا بموقعه في الجملة وبعلاقته بما يحيط به من ألفاظ.

ومن هنا تتضح أهمية نظرية النظم في دراسة البيان القرآني؛ إذ تنقل البحث من السؤال عن معنى الكلمات منفردة إلى السؤال عن كيفية بناء المعنى بواسطة التركيب.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذا الربط يمثل توظيفًا لمبادئ الجرجاني في قراءة العبارة القرآنية، وليس ادعاءً بأن الجرجاني خصص لها نظرية مستقلة بهذا الاسم.

خامسًا: عربية القرآن وعلاقة اللغة بالفهم

تؤكد عبارة «بلسان عربي مبين» الصلة بين الخطاب القرآني واللسان العربي الذي نزل به. وتبرز هذه الصلة كذلك في قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2).

تربط الآية بين عربية القرآن وغاية التعقل، وهو ما يفتح المجال لفهم اللغة باعتبارها وسيلة لإدراك المعاني والتفكر فيها. فاللغة ليست أصواتًا متتابعة فحسب، بل نظام من العلامات والعلاقات التي تتيح بناء الدلالة وفهم الخطاب.

غير أن القول بعربية القرآن لا يعني أن جميع معانيه تتساوى في درجة الوضوح لكل قارئ؛ فهناك فرق بين فهم المعنى العام، وإدراك الدلالة الدقيقة، والإحاطة بما يتصل بالآية من سياق وأسباب نزول ووجوه بلاغية وأحكام شرعية.

وهذا ما يفسر عناية العلماء بعلوم غريب القرآن، ومعاني القرآن، وإعرابه، والوجوه والنظائر، والبيان والمعاني. فقد كانت هذه العلوم وسائل لفهم النص في ضوء الاستعمال العربي، والتمييز بين الدلالات التي قد تتقارب في ظاهرها وتختلف في سياقاتها.

وعليه، فإن وصف القرآن بأنه «مبين» لا يلغي الحاجة إلى التفسير، بل ينسجم مع وجود مراتب للفهم، تتفاوت بحسب معرفة القارئ باللغة والسياق وعلوم الخطاب.

سادسًا: الأبعاد اللسانية للعبارة القرآنية

يمكن استثمار عبارة «بلسان عربي مبين» في قراءة لسانية تستحضر ثلاثة أبعاد مترابطة:

1. البعد اللغوي: يتمثل في انتماء الخطاب إلى اللغة العربية، بما لها من نظام صوتي وصرفي وتركيبي ومعجمي. وهذا البعد يحدد الإطار الذي تُفهم داخله الألفاظ والتراكيب.

2. البعد الدلالي: يتعلق بالطريقة التي تنتج بها التراكيب المعاني، وبالعلاقة بين الدلالة المعجمية للكلمات ودلالتها داخل السياق. فقد يتعدد معنى اللفظ، لكن التركيب والقرائن يسهمان في تحديد المراد.

3. البعد التداولي: يتصل بعلاقة الخطاب بمنتجه ومتلقيه ومقام استعماله وغايته. ويتجلى ذلك في سياق سورة الشعراء، حيث يرتبط نزول القرآن بلسان عربي مبين بوظيفة الإنذار، وبموقف المخاطبين من الرسالة.

وتساعد هذه الأبعاد على إدراك أن البيان اللغوي لا ينحصر في سلامة البنية، بل يتصل أيضًا بقدرة الخطاب على أداء وظيفته داخل مقام محدد.

ومن المهم هنا ألا نُسقط المصطلحات اللسانية الحديثة على النص القرآني وكأنها معانٍ اصطلاحية مقصودة في الآية نفسها؛ وإنما نستعملها أدوات تحليلية معاصرة لتفسير بعض جوانب الظاهرة اللغوية التي يشير إليها النص.

خاتمة

يتبين من خلال النظر في قوله تعالى «بلسان عربي مبين» أن العبارة تجمع بين تحديد اللغة التي نزل بها القرآن، والإشارة إلى وضوح خطابه وخصائصه البيانية، وربط ذلك بوظيفة التبليغ والإنذار. وقد أبرز الطبري سياقها التفسيري والتواصلي، بينما تتيح مباحث اللغة والبلاغة عند الزجاج والزمخشري والجرجاني تعميق النظر في علاقة اللفظ بالتركيب والمعنى.

وتكشف القراءة اللسانية للعبارة أن الإبانة ليست مجرد صفة شكلية للكلام، بل هي حصيلة تفاعل بين النظام اللغوي، وتنظيم التراكيب، والسياق الذي يوجّه فهم المعنى. ومن ثمّ، فإن دراسة العبارة تمثل نقطة التقاء بين التفسير والدرس اللغوي والبلاغي، وتؤكد أهمية اللغة العربية في فهم الخطاب القرآني وتحليل طرائق بيانه.

المراجع العربية القديمة

  • الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة الشعراء، الآيات 193-195.
  • الزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، تفسير الآيات المتعلقة بعربية القرآن.
  • الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، مباحث النظم ومعاني النحو.
  • الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، مباحث البيان والتصوير.
  • الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، تفسير سورة الشعراء، الآية 195.
  • ابن فارس، أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، مادة «بين» ومادة «لسن».
  • الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، مادة «بين» ومادة «لسن».

أخر المقالات

منكم وإليكم