دراسة للأستاذة نيهاد القزوي في رواية«نقطة الانحدار»لفاتحة مرشيد،بكتاب (الرواية النسائية العربية،الذاكرة وجماليات تمثيل الذات).

دراسة نقدية للأستاذة نيهاد القزوي في رواية « نقطة الانحدار » لفاتحة مرشيد، بكتاب (الرواية النسائية العربية، الذاكرة وجماليات تمثيل الذات)، منشورات السرديات، كلية الآداب والعلوم الانسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، 2025.

تجربة الهجرة بين حلم الصعود وتراجيديا السقوط
في رواية « نقطة الانحدار » لفاتحة مرشيد

نيهاد القزوي

الملخص: استطاعت الأصوات النسائية في مجال الرواية المغربية أن تفرض وجودها في الساحة الأدبية، فحققت مكانة متميزة بين باقي الإنتاجات. ومن أبرز هذه الأصوات، الكاتبة والروائية فاتحة مرشيد، التي أثارت جدلًا بفضل كتاباتها التي تستكشف الذات الإنسانية في علاقتها بالواقع.
في هذا الإطار، تسعى الدراسة إلى تحليل تيمة الهجرة في رواية « نقطة الانحدار » لفاتحة مرشيد، عبر الكشف عن تأثيراتها على بطل الرواية، الذي يواجه ثنائية الصعود والسقوط في بلد متناقض يتحول فيه الحلم إلى مأساة.
تهدف الدراسة إلى استجلاء البعد الإنساني في الرواية وتسليط الضوء على التحديات المعاصرة التي تواجه الإنسان، لا سيما ما تعلق منها بمفاهيم النجاح والفشل.

Abstract: Women›s voices in Moroccan novels have successfully established a strong presence in the literary scene, securing a distinguished position among other literary works. Among these prominent voices is Fatiha Murshid, a novelist known for her deep exploration of the human self and its connection to reality.
This study explores the theme of migration in Fatiha Murshid’s novel “Point of Decline”, analyzing its effects on the protagonist, who struggles with the duality of rise and fall in a country full of contradictions, where dreams turn into tragedy.
Thus, the paper seeks to uncover the human dimension of the novel and the challenges faced by modern individuals, particularly those related to success and failure.

تقديم:

تحفل الرواية بقضايا المجتمع وهمومه، فتصبح إذ ذاك صوتا لكافة أفراده، صوتا يجهر بالمكنونات، والرغبات، كما يصدح بالآلام والأفراح؛ فتكتب الرواية استجابة لواقع الإنسان، في محاولة لاستغوار الذات والوقوف على تخوم الواقع الإنساني.
ولعل من أبرز الظواهر التي وسمت الوجود الإنساني منذ القدم ظاهرة الهجرة والترحال، فمنذ خلقت البشرية والإنسان يهاجر ليبحث عن مواطن جديدة وإن اختلفت البواعث وتنوعت الأسباب الداعية لذلك، فالهجرة قد تكون اختيارا بهدف البحث عن الأمان والاستقرار والحياة السعيدة، كما قد تكون قسرا وخاصة عندما ترتبط بالمشاكل السياسية والحروب. ونظرا إلى ارتباط الأدب بالحياة كتب الأدباء حول واقع الهجرة بتجلياته المختلفة، في محاولة لرصد الواقع الإنساني في ظل تجربة الهجرة.
والمميز في موضوعة الهجرة -كما تمثلت في الأدب- هو ارتباطها الوثيق بمجموعة من التيمات الأخرى مثل الاغتراب والحنين والشوق وعلاقة الأنا بالآخر، وكلها تيمات أسال فيها المبدعون حبر أقلامهم، وصوروا من خلالها صدق المشاعر الإنسانية، وخبروا خباياها، وهو ما اتّجهت إليه أيضا رواية فاتحة مرشيد المعنونة ب«نقطة الانحدار»، التي أثارت موضوع الهجرة وفق رؤية مختلفة تعبر عن وعي كبير بالمشاكل الإنسانية المعاصرة، وهو ما يؤكد قدرة الكاتبة على الانفتاح على القضايا المعاصرة، التي لا تهم المرأة فقط ولكن تهم الإنسانية بشكل عام، خاصة أن الكاتبات العربيات استطعن الإبحار في مختلف الموضوعات الإنسانية كما يؤكد ذلك سعيد يقطين قائلا «فلم تقف المرأة عند حدود كونها قارئة جيدة أو بطلة في الرواية، ولكنها مارست الكتابة ونبغت روائيات عديدات، وفرضن وجودهن في مجال الإنتاج الروائي1، وهو ما يبدو واضحا خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت زخما في الإنتاج النسائي وتنوعا في الموضوعات وأساليب الكتابة.

تيمة الهجرة في رواية نقطة الانحدار
تطل علينا الروائية فاتحة مرشيد في روايتها الموسومة ب « نقطة الانحدار » بموضوعة الهجرة، غير أن الهجرة هنا كانت اختيارية. فالغالي وهو البطل المهاجر لم يهاجر قسرا، بل كانت الرغبة الجامحة في إثبات الذات وتحقيق النجاح هي الداعي وراء اختيار الموطن الجديد، أو بلد الأحلام أمريكا. يقول حميد صديق الغالي: « أذكر قوله لي، وقد عاد من فرنسا قبيل رحيله إلى أمريكا، بأنه سيكون أحسن من والده وأغنى… لن يرعبه الجفاف ولن يصلى لكي يهطل المطر … سوف يشتري المال بالمال… لا بضاعة سوى المال….
سيكون ترايدر » (ص:18). فحلم الغالي بأن يصبح « ترايدر» دفعه إلى مغادرة موطنه وأهله.
لقد خرجت فاتحة مرشيد عن المعتاد فيما يرتبط بموضوع الهجرة، فالمهاجر في الرواية لم يشده الحنين إلى وطنه، ولم يبك بسبب الاغتراب، أو حتى الإحساس باللا مساواة فالغالي كان يعيش حياة يطبعها النجاح ولم تكن فكرة العودة إلى الوطن تراوده، وحتى بعد فشله أبى الرجوع إلى وطنه وهو يجر أذيال الخيبة والفشل يقول حميد: « كان بودي أن أنجح في إقناع الغالي بالعودة معي لأفي بوعدي لحليمة، لكنني عدلت عن إلحاح بدا غير محد. »(ص: 153) فالبطل وإن فشل في الاستمرار في نجاحه وتحقيق طموحه إلا أن أمريكا صارت موطنه الذي يشهد على فشله كما شهد على نجاحه.
وفق ذلك ارتأت الكاتبة الوقوف عند الجانب اللا إنساني للموطن الجديد الذي يتساوى فيه الجميع أمام الفشل والليبرالية المتوحشة، فالجميع مهددون بافتراش الأرض في أي حظة سواء السكان الأصليون أو المهاجرون، حيث تقضي أمريكا على كل من يقف في الطريق منكسرا، ولا تقبل إلا بالقوي.
وبذلك ارتبطت الهجرة في «نقطة الانحدار» باسترجاع المصير المرير للمهاجر وكيف استحالت نعمة الهجرة إلى نقمة، أسدلت بستار الفشل على البطل وحولته من إنسان ناجح يطمح إلى الوصول إلى السماء، إلى (هوملس) يتوسد الرصيف، مركزة على فكرة الفشل والسقوط.

أمريكا الأحلام| أمريكا التناقضات
لطالما ارتبطت دولة أمريكا بتحقيق الأحلام، كيف لا يكون ذلك وهي القوة الضاربة في جميع المجالات، والمتحكم الأكبر في القرارات الدولية، فصارت بلد تحقيق الطموحات، البلد المتطور الذي يجذب الجميع: « كما نطق بذلك رجل في الطائرة هو ذا مطار نيويورك يستقبل الأحلام»(ص:19)، لكن روائيتنا لم تتوقف عند هذه النقطة، بل كان همها الشاغل الإنصات إلى الإنسان ولو كان على حساب تحطيم الصورة الأسطورية لهذا البلد، فصارت أمريكا الحلم هي ذاتها أمريكا الكابوس، وتحولت إلى بلد التناقضات وهو ما صرح به حميد شخصيتها الرئيسة قائلا: « لا أكاد أصدق أنني هنا على بعد كيلومترات معدودات من وادي السيليكون، عاصمة التكنولوجيا في العالم.. عن جامعة ستانفورد العريقة والمراكز الرئيسية لشركات ال غافا المكونة من غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون وأتساءل: كيف يعقل أن يكون البلد الذي ينتج أكبر عدد من العلماء والباحثين والحاصلين على جوائز نوبل والمستقطب لأذكياء العالم، هو نفسه الذي ينتج أكبر عدد من المشردين؟ »( ص:51)، فيحيل بقوله على الصورة الأخرى لأمريكا الأحلام والتي يجهلها الكثيرون.
والملاحظ أن المتن الروائي يكشف في جميع ثناياه حجم التناقضات في أمريكا، يقول حميد: « لم أكن أتصور أني سأصادف على أرصفة بلد يتحكم في حاضر العالم ومستقبله، أناسا مشردين. منهم من هو نائم في ركن على الرصيف، منهم من يتسول واضعا أمامه ورقة كتب عليها أنا جائع ومنهم من يتسكع حاملا متاع حياته على ظهره والغريب في الأمر أن لا أحد يبدو منزعجا من صرخة الفقر هاته وسط ناطحات السحاب »(ص:21).
فتقتنص الروائية مشاهد متنوعة تصور الواقع الحقيقي لبلد الأحلام، وتنتزع عنه الصورة السينمائية التي تسود بين الناس، باعتباره عالم الخيال الذي يخلو من الأخطاء، وبدل ذلك تفضح الجانب الخفي منه وتميط عنه اللثام.
بناء على ذلك تطل علينا أمريكا في رواية فاتحة مرشيد عبر صورة المشردين أو «الهوملس » في شوارعها الفسيحة وقرب أبنيتها العالية، فدولة المركز لا مكان فيها للفقراء، فلكي يكون لك امتياز في هذه الدولة، ويكون لك مكان فيها عليك أن تكون ذو نفوذ أو ستبقى أسير أزقتها، تعاني من النبذ والإقصاء، وكما جاء في الرواية: (( أمريكا لا تقبل المهزومين، وحدهم الفائزون لهم مكان في هذه القارة)) (ص:33). وعليه، فقد اختارت الكاتبة أن تنصت إلى هذه الفئة ومعاناتها وآمالها من خلال مجموعة من النماذج على رأسهم الغالي، جوردن، تشارلي ومورين، الذين كابدوا تجربة التهميش.

ليس هذا فقط بل أشارت الكاتبة إلى آفة راهنة وهي كوفيد التي قلبت العالم رأسا على عقب، وكشفت عجز دولة بحجم أمريكا في التصدي لهذا المرض الذي فتك بعدد كبير: « كان للولايات المتحدة الأمريكية حينها حصة الأسد من الوفيات حيث فاق عددها تلك التي خلفتها حرب فيتنام والعراق معا، على حد قول جوردن» (ص:186)، مما أعطى للرواية طابع الآنية والانفتاح على قضايا العصر.

تراجيديا السقوط
اختارت الكاتبة لروايتها عنوانا يشي مند البداية بمسار شخصيتها نحو الفشل والسقوط، فنقطة الانحدار هو مكان مشهور بأشجاره المائلة وكما جاء في الرواية: « كنت قد زرت مكانا في نيوزلندا اسمه نقطة الانحدار، تهب فيه العواصف من جهة واحدة فقط، بحيث أصبحت كلها مائلة لجهة… كل منا عرف نقطة الانحدار هاته وهي تختلف باختلافنا، فلكل منا عاصفته التي كسرت ظهره وأمالته شيئا فشيئا إلى أن أقعدته أرضا» (ص:54) ، فالغالي الذي كان ناجحا منذ أيام الدراسة التي كان يحصل دائما فيها على المرتبة الأولى، وأيضا ناجحا في عمله ك «ترايدر»، أصابته أيضا العاصفة التي كسرته، فبعد موت ابنته الوحيدة إثر حادث مأساوي تسبب فيه بملاحقته لها وهي على متن دراجة نارية مع رفيقها الأفروأمريكي، لحظة هربهما منه بعدما رفض علاقتهما، توالت العواصف التي حطمت ما تبقى منه، فطلبت الزوجة الطلاق محملة إياه موت ابنته، ثم بدأ يتعاطى الكوكايين، ليبدأ سلسلة من الإخفاقات ك (ترايدر» ليتحول من (وينرز) إلى (لوزر) ثم يخسر أمواله التي كدسها في الكازينو. إذ أصبح الفشل عنوانا لحياته، هذا الفشل الذي باغته بعد سنوات من النجاح في بورصة وول ستريت، فبعد أن كان ال ((ترايدر» الناجح استحال إلى مدمن مقامر حتى خسر آخر أمواله. يقول حميد: « لم يزدني قوله إلا حيرة وامتناعا عن تصديق كون الغالي يعيش نفس وضعية الذين رأيتهم يؤثثون شوارع أغنى بلد في العالم هو الذي كان يرفض إعطاء نقود للمتسولين لأن في ذلك تشجيعا مضمرا على الكسل (ص:72) وبهذا تكشف لنا الرواية السقوط التراجيدي لشخصية الغالي، السقوط الذي يسمع صداه لشدة ارتطامه بالأرض. يقول جوردن وهو أحد ((الهوملس)): « تصعد السلم درجة درجة وقد تقفز على بعض الدرجات، يحدث أن تتكسر درجة من درجات السلم فجأة تسقط من أعلى وبقدر ما كانت الدرجة عالية يكون السقوط مدويا» (ص:118).
وما يضاعف من تراجيدية السقوط في الرواية هو وفاة الغالي وحيدا في أمريكا بسبب فيروس كورونا الذي فتك به، قبل أن يعود إلى موطنه: « لم نتقبل أن يموت الغالي وحيدا وكأن لا أهل له، وأن يدفن في ظروف نجهل عنها كل شيء… كانت تنتحب وتطرح على أسئلة لا أجوبة لها عندي من قبيل هل سيؤخذ بعين الاعتبار كونه مسلما؟ هل سيصلي عليه أحد صلاة الجنازة؟ هل سيدفن في مقبرة جماعية؟ أم سيحرقون جثته؟»(ص:185) وكأن السقوط ظل يرافق الغالي حتى لحظاته الأخيرة.

أمريكا وفضاءات التهميش
تنمو الرواية وفق نسيج تتحرك فيه الأحداث بديناميكية، فتتبع الروائية رحلة حميد في أمريكا بحثا عن صديقه الغالي، وما صاحب هذه الرحلة من أحداث متسلسلة تقود إلى الهدف وهو إيجاد الغالي تحقيقا لوصية الأب الحاج البردعي، الذي طلب من حميد البحث عن ابنه بعد أن انقطعت أخباره. لم تتوقف فاتحة مرشيد عن نقل الأحداث عبر مقاطع مشهدية متصلة فيما بينها، منتقلة من مكان إلى آخر بدءا بنيويورك عبر ساحة تايم سكوير ويست سايد بمنهاتن ، سانترال بارك، نهر هادسن مشارف هارلم، لوس أنجلوس، سان فرانسيسكو، وهو ما يخلف انطباعا لدى القارىء بأن الكاتبة قد مرت من كل هذه الفضاءات وخبرت كل الجنبات بتفاصيلها، لكن اللافت للانتباه هو أن الفضاء الأمريكي ارتبط لديها بجانبه المظلم، الجانب المأساوي الذي لا يظهر في الأفلام الهوليودية، فتكشف بذلك عن الوجه الخفي، الذي يتوارى خلف الوجه الناجح لأمريكا، فالرواية تعكس حالة من الانبهار لكنه انبهار سلبي، فحميد منذ وصوله إلى هذه المدن الأمريكية وهو في حالة صدمة مما تراه عيناه هل هذه هي أمريكا حقا؟ أمريكا التي يحلم الجميع بالسفر إليها، مليئة بجحافل من المشردين، مكدسين على جنبات الطريق، فيغدو الفضاء الروائي صورة أخرى عن الوجه التراجيدي للرواية، الذي يصور السقوط، ويصور الجانب المظلم من تجربة الهجرة.

وبذلك فقد استطاع الهامش أن يطفو على السطح في الرواية، في تجاوز للمركز، وفي محاولة للتركيز على الهامشي، وهو: ((مبدئيا مثال الإنسان المقصي عن دائرة الاهتمام، والمنبوذ في عرف الأخلاق، والمقموع من قبل مؤسسات المجتمع والعقل والعقيدة والسلطة)).13 فهو بهذا المعنى يمثل ذلك المبعد والذي لا أهمية له، فيخضع للإقصاء إما سبب العرق أو الدين أو الوضعية الاجتماعية، فكان كل التركيز من الكاتبة على فضاء التهميش وما يحويه من مهمشين دفعهم المركز إلى الاختباء في الزوايا.
إن المدينة الأمريكية عند فاتحة مرشيد تمثل تشخيصا صريحا للتهميش الاجتماعي، حيث المكان ينتمي للعشوائيات التي تتمدد على هامش المدن، حيث يعيش أولئك المهمشين والمنسيين الذين لا حول لهم ولا قوة أمام طغيان القوة المادية.

اللغة مسائلة للذات الإنسانية
هناك عوامل كثيرة تعين الروائي على استحواذه على اهتمام القارىء، ولعل أبرزها عند فاتحة مرشيد هو لغتها وأسلوبها في الكتابة، ذلك أن لها ميسمها الذي يميزها من بين العديد من الكتابات الأخرى، فالروائية هي شاعرة أيضا وهو ما يسمح لها بالتحكم في زمام اللغة، فتصبح اللغة إذ ذاك لينة وطيعة بين يديها، فتبدأ الرواية بكلمات شاعرية تقول: « نحن بضآلة الغيوم، يا صديقي، حين تعبث بها الرياح وبقوتها حين تزمجر بعدا .. بحنانها حين تمطر حبا وبقسوتها حين ترحل مخلفة وراءها الجفاف.، غيوم نحن نتوحد حينا ونتفرق أحيانا وحركاتنا، منتظمة كانت أم بهلوانية لا تسقط السماء » (ص:5) ؛ فتصبح اللغة أداة للبوح بما يختلج في الصدور وما يثير قلق وحيرة الإنسان، وتنساب الأحداث بلغة سلسة، تنقض على التجربة الإنسانية، وتعلي من صوت مكنوناتها ودواخلها، ومع كل جملة سردية أو حوار، يجد القارىء نفسه محاصرا بمجموعة من الأسئلة حول جدوى الوجود ودور النجاح والفشل في تحديد مصير الإنسان.
إضافة إلى ذلك فالرواية مكتوبة بلغة أدبية بسيطة، تتناسل فيها الأحداث بسلاسة حتى تبدو للقارىء أنها تجري أمامه فتخلق لديه رغبة جامحة في معرفة باقي الأحداث، خاصة أن الراوي كان كما لو يعيش مغامرة البحث عن الغالي، فاعتمدت على الصورة السينمائية التي تصور المشاهد، فتبدو مغامرة حميد في البحث عن صديقه كفيلم سينمائي تمر أحداثه أمام القارئ.
الملاحظ أيضا أن لغة الروائية تدل على انفتاحها على مجالات مختلفة تنهل منها، فمن جهة استأنست بلغة العلم، حيث تستشهد بقول غاليليو غاليلي: (( لفهم الكون يجب أن تفهم اللغة التي كتب بها، لغة الرياضيات)). (ص:8) لتنتقل بعد ذلك للاستشهاد بأغاني المشاهب: ( تتعنى بلمال لازم من لفقر))(ص:150) انتقالا سلسا يجعل كل المجالات متداخلة ومتماسكة.

خاتمة:
لم تكتب الروائية والشاعرة فاتحة مرشيد روايتها لتحقيق الإمتاع فقط، بل إن رواية «نقطة الانحدار » هي صرخة ضد الوجه اللا إنساني لعصرنا الحالي، الذي يربط فشل أو نجاح الإنسان بالمال، فيصبح كل شيء رهينا بما حققه أو سيحققه من أموال طائلة، ففي سقوط الغالي بطل الرواية صورة لسقوط الإنسان في براثن الضياع والفشل، فالكل معرض للسقوط واختبار نقطة انحداره، لكن على الجميع أن يكون على استعداد لتقبله ومحاولة النهوض من جديد.
بلغة مغموسة في السلاسة أثناء الحكي، وأحداث تزخر بالتنوع الفضائي الذي يضفي حركية على الأحداث ويفتح أفق المغامرة أمام القارىء الذي ينتظر معرفة مصير البطل، تختبر الكاتبة تيمات متفردة تتعلق بالإنسان، وتطرح أسئلة عميقة تدفعنا إلى مساءلة ذواتنا حول مفاهيم النجاح والفشل وإعادة النظر فيها.

بيبليوغرافيا:
فاتحة مرشيد، نقطة الانحدار، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء المغرب،
2022.
سعيد يقطين، قضايا الرواية العربية الجديدة، دار الأمان، الرباط، 2012 .
شرف الدين ماجدولين، الفتنة والاخر أنساق الغيرية في السرد العربي، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012.

أخر المقالات

منكم وإليكم